يبدو أن صفعة الغواصات الأخيرة التي وجهتها كل من كانبيرا وواشنطن ولندن إلى باريس، تؤكد النظرية الشهيرة للرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول حين قال، إنه ليس هناك مفهوم للصداقة بين الدول وإنما فقط مصالح مشتركة تجمع بينها.

ذهبت سنتان من المفاوضات بين فرنسا وأستراليا أدراج الرياح، حين أعلن الرئيس الأسترالي سكوت موريسون انسحاب بلاده من "عقد القرن" الذي التزمت به فرنسا بتجديد أسطول الغواصات الأسترالية، عبر منحها 12 غواصة هجومية تقليدية، مقابل 56 مليار يورو.

وأعلن موريسون في المقابل اتفاقه مع الولايات المتحدة وبريطانيا بتزويده بغواصات الدفع النووي الأمريكية، وذلك في إطار شراكة "أوكوس" الأمنية والاستراتيجية الجديدة. فاهتزت في الأثناء الدوائر المسؤولة في فرنسا والقطاع العسكري والتجاري.

وفي الوقت الذي أشادت فيه واشنطن بالاتفاق الأمني الجديد الذي تسعى عبره إلى توسيع تحالفاتها وتحديثها في المنطقة لمواجهة التهديد الصيني، عبّرت باريس عن استيائها وغضبها مما وصفته بأنه "طعنة في الظهر" وقرار "على طريقة ترمب". وأفصح الاتحاد الأوروبي عن تفاجئه بهذه الخطوة.

تراجع دور فرنسا والاتحاد الأوروبي

بينما لا تزال فرنسا والاتحاد الأوروبي يناقشان خطوة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، التي لم تطلعهم واشنطن على كواليسها، تفاجأت باريس بتخلي كانبيرا عنها لصالح واشنطن، وذلك عبر نسف اتفاق الغواصات المبرم بينهما منذ سنوات.

وإن كان القرار ضربة موجعة لفرنسا، فإنه في الوقت ذاته ضربة للاتحاد الأوروبي كما يرى مراقبون.

وقد جاء الإعلان المفاجئ بعد ساعات قليلة من إلقاء رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خطابها السنوي أمام مشرعي الكتلة، الذي شددت فيه على الحاجة إلى التركيز على تطوير "الشراكة " و "النظام البيئي الدفاعي الأوروبي"، وذلك بدعم مصنعي الدفاع في الاتحاد الأوروبي.

ولكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي تلقف رسالة التحالف الجديد والصفقة المعلن عنها بين أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا، بشكل مختلف قليلاً عن فرنسا. إذ أعلن الاتحاد يوم الخميس 16 سبتمبر/أيلول الجاري عن ضرورة البدء برسم استراتيجية جديدة بمنطقة المحيطين الهندي والهادي مع التركيز بشكل خاص على العمل مع الشركاء الإقليميين من أجل الأمن والدفاع.

وفي السياق ذاته صرح جوزيف بوريل، رئيس الذراع الدبلوماسية والأمنية للكتلة في بروكسيل، بأن مثل هذا القرار لن يضعف علاقة الاتحاد الأوروبي مع أستراليا، ولكنه يبرز بوضوح مدى حاجة أوروبا إلى العمل بجدية أكبر لبناء قدراتها الدفاعية المستقلة، كما أنه يجب على الأوروبيين أخذ زمام المبادرة، على حد تعبيره.

وبالعودة إلى باريس، فقد اتهم وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان الولايات المتحدة باستبعاد "حليف وشريك أوروبي من شراكة منظمة مع أستراليا، في وقت تواجه فيه تحديات غير مسبوقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي"

وضمت فلورنس بارلي وزيرة الجيوش الفرنسية صوتها إلى لودريان، معتبرة أن الاتفاقية الجديدة تفرض من جديد الحاجة إلى إثارة مسألة الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي. فيما تعالت بعض الأصوات السياسية اليمينية بمطالبة باريس بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي الناتو.

واشنطن تحاول التهدئة

بدأ يتردد صدى الاستياء الفرنسي في أروقة واشنطن. وفي سياق متصل نفت السفارة الفرنسية علمها بالاتفاقية المعلن عنها مع أستراليا، في حين أنها فوجئت بأن إدارة بايدن قد أطلعت الصحفيين في واشنطن على تفاصيلها قبل التحدث إلى باريس.

وبدأت نذر الأزمة الديبلوماسية بين البلدين تتكشف بشكل واضح، حين ألغت السلطات الفرنسية حفل استقبال كان مقرراً تنظيمه يوم الجمعة 17 سبتمبر/أيلول الجاري، في مقر إقامة السفير الفرنسي بواشنطن، بمناسبة مرور الذكرى 240 لمعركة الرؤوس، وهي معركة بحرية حاسمة في حرب الاستقلال الأمريكية، التي توجت بانتصار الأسطول الفرنسي على الأسطول البريطاني.

وبينما يتصاعد الغضب الفرنسي، تحاول الولايات المتحدة احتواء الموقف وتهدئة باريس وذلك عبر تصريح وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن الذي أكد فيه على أن فرنسا تمثل لها "شريكاً حيوياً" في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وأن الولايات المتحدة تولي الأهمية لهذه العلاقة لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تطوير وتوسيع تحالفاتها لمجابهة أي تهديد.

وفيما تدعي باريس أن واشنطن فشلت في توحيد جميع حلفائها الغربيين حول نهج أكثر حزماً تجاه الصين على الجبهة الأمنية، تؤكد واشنطن على لسان بلينكن تمسكها بالتعاون والتنسيق مع الاتحاد الأوروبي. وجاء في تصريحه أنه: "لا توجد فجوة إقليمية تفصل بين مصالح شركائنا في المحيط الأطلسي والمحيط الهادي" ، وشدد بلينكن في الوقت ذاته على رغبة أمريكا في "التعاون الوثيق مع الناتو والاتحاد الأوروبي في هذا الإطار. "

TRT عربي