تتواصل جهود الإدارة الأميركيّة للمؤتمر الاقتصادي في البحرين أواخر يونيو الجاري لحشد الدعم للاستثمارات الاقتصاديّة، بمشاركة الحكومات والمجتمع المدنيّ ورجال الأعمال، والتركيز على الاستثمار في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة.

السطور الآتية تناقش آفاق القمّة الاقتصاديّة في البحرين، خاصةً بعد إعلان السلطة الفلسطينيّة مقاطعتها له، وإمكانية مشاركة فعاليّات اقتصاديّة غير رسميّة، كالغرف التجاريّة ورجال الأعمال، وتتساءل عن نصيب غزّة في المؤتمر، والآفاق المعروضة لدعم الاقتصاد الفلسطينيّ، والمشاريع المشتركة مع إسرائيل، وقيمة ما سيحصل عليه الفلسطينيّون من دعم مالي خلال المؤتمر.

فيما تستمر التحضيرات الأمريكية لعقد قمة البحرين الاقتصادية بعد أسابيع، يتواصل صدور ردود الفعل الفلسطينيّة، وتتوافق معظمها على رفض المشاركة، والدعوة لإفشاله، سواء بسبب عدم التشاور مع السلطة الفلسطينيّة بخصوص المؤتمر؛ لا من حيث مدخلاته أو من حيث مخرجاته أو توقيته، أو بسبب القلق الفلسطيني منه باعتباره الفعاليّة الأميركيّة الأولى الهادفة إلى تصفية القضيّة الفلسطينيّة.

يرى الفلسطينيون على اختلاف مشاربهم السياسية وتوجهاتهم التنظيمية أن مؤتمر البحرين الاقتصادي يتبنى الرؤية الإسرائيليّة الخاصّة بالسلام الاقتصاديّ، وجزء من صفقة القرن، وتطبيعاً عربياً رسمياً مع إسرائيل.

يرى الفلسطينيون على اختلاف مشاربهم السياسية وتوجهاتهم التنظيمية أن مؤتمر البحرين الاقتصادي يتبنى الرؤية الإسرائيليّة الخاصّة بالسلام الاقتصاديّ.

عدنان أبو عامر

إنّ رفض المشاركة الفلسطينية في مؤتمر البحرين سيضع صعوبات أمام مشاركة القطاع الخاص ورجال الأعمال، كما أنّ تجاوز المؤتمر للسلطة سيضعف مخرجاته.

صحيح أن واشنطن بدأت بتوزيع دعوات على القطاع الخاص الفلسطينيّ، لكنّه ما زال يرفض المشاركة خشية أن ترفع السلطة عنه الغطاء السياسيّ.

مع العلم أن جملة مغريات قد تكون وصلت السلطة الفلسطينية إن وافقت على المشاركة بمؤتمر البحرين، من حيث أنه سيصلها دعم ماليّ نقديّ يشمل تراجع إسرائيل عن خصم أموال المقاصّة، فيما قد يتمّ إرسال الأموال إلى غزّة عبر مشاريع إنسانيّة بإشراف الأمم المتّحدة.

يعتقد الفلسطينيون أنه لا نجاح لمؤتمر البحرين بتركيزه على الجانب الاقتصاديّ، وإغفال الجانب السياسيّ، ولذلك ستكون المشاركة الفلسطينيّة صعبة في المؤتمر ما دامت السلطة والفصائل تقاطعانه وتهاجمانه، وسيكون رجال الأعمال والاقتصاديّون الفلسطينيّون متخوّفين من مخالفة الإجماع الفلسطينيّ على المقاطعة.

مع العلم أن وزارة الخارجيّة الأميركيّة أعلنت أنّ واشنطن تشاورت مع رجال أعمال فلسطينيّين بشأن المؤتمر، كما أجرت اتصالات مع رجال أعمال وأكاديميّين فلسطينيّين في الداخل والخارج، وهي اتصالات تنظر إليها السلطة الفلسطينية بعين الريبة والشكّ.

بعد كل هذه المواقف الفلسطينية الرافضة لمؤتمر البحرين، سيكون مفاجئاً رؤية أيّ مشاركة فلسطينيّة، رغم أنه قد يشارك فيه رجال أعمال من الخارج لا من الداخل، أو اقتصاديّون هامشيّون لديهم علاقات تطبيعيّة مع إسرائيل.

يعتقد الفلسطينيون أنه لا نجاح لمؤتمر البحرين بتركيزه على الجانب الاقتصاديّ وإغفال الجانب السياسيّ.

عدنان أبو عامر

علم كاتب السطور أن المؤتمر سيعرض مشاريع إغاثيّة عاجلة وأخرى تنمويّة تطويريّة. ففي قطاع غزّة هناك إمكانية أن يطرح المؤتمر إنشاء مطار وميناء، ومناطق صناعيّة حدوديّة مع إسرائيل، وتفعيل التعاون الإقليميّ بين السلطة وإسرائيل ومصر والأردن.

أما مكانة الضفّة الغربية في المؤتمر فهي مختلفة عن غزّة، فقد ينجم عنه إعادة أموال المقاصّة التي تخصمها إسرائيل من السلطة، وتعميق العلاقات التجاريّة مع إسرائيل، وتفعيل المنافذ التجاريّة مع الأردن، واستخدام المواني الإسرائيليّة.

ويُقال إن المؤتمر سيخصّص عدة مليارات من الدولارات لتنفيذ أعمال تطوير البنية التحتيّة المدنيّة والصناعيّة والصحيّة والتعليميّة في الأراضي الفلسطينيّة، وجلب الاستثمارات الإنتاجيّة والخدميّة، ودعم القطاع الخاص لتحقيق الازدهار، والقضاء على البطالة.

إن قراءة الدعوة لمؤتمر البحرين، وتوقيته، الذي يسبق إعلان صفقة القرن، تعطي مؤشرات إضافية على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأركان إدارته غير الخبراء بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا يفهمون الفلسطينيين جيداً، لأنه يدعو لإيجاد فاصل بين السلام الاقتصادي وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

مع العلم أن مؤتمر البحرين ليس منقطعاً عن سياق عملية التسوية بشكل عام، فمنذ توقيع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين في 1993، شهدت المنطقة عقد العديد من القمم والمؤتمرات ذات الطابع الاقتصادي، التي سعت إلى تغليب الجانب الاقتصادي على نظيره السياسي، وفي النهاية فلا هي حققت رخاءً اقتصادياً للفلسطينيين، ولا قربتهم من تحقيق تطلعاتهم السياسية.

في قطاع غزّة هناك إمكانية أن يطرح المؤتمر إنشاء مطار وميناء ومناطق صناعيّة حدوديّة مع إسرائيل.

عدنان أبو عامر

أولى هذه القمم شهدتها الدار البيضاء عام 1994 بمشاركة زعماء عرب وإسرائيليين، حين اندهش المجتمع الدولي لرؤية زعماء عرب بالعبايات والدشاديش مع زعماء إسرائيليين بالبدل وربطات العنق يتحدثون معاً كأصدقاء قدامى، لكن النتيجة جاءت مخيبة للآمال، فالقمة لم تسفر عن صفقات تجارية جوهرية بينهما.

القمة الاقتصادية الثانية جاءت بعد عام واحد في عمان في 1995، لكن سقف توقعاتها جاء منخفضاً، ثم تبعتها قمة القاهرة في 1996، وفي نوفمبر 1997 جاءت القمة الاقتصادية في الدوحة، لكن هذه القمم جميعها لم تؤدِّ إلى اختراق سياسي لحل الصراع، لأن المندوبين الإسرائيليين المشاركين فيها كانوا معزولين.

اللافت أن مؤتمر البحرين الجاري التحضير له، وما سبقه من قمم اقتصادية تعني بصورة أو بأخرى قبولاً بالتوجه الإسرائيلي المعلن حول "السلام الاقتصادي"، رغم أن هناك قناعة فلسطينية سائدة مفادها بأن الترويج لدعم الاقتصاد لصالح التقدم في المحادثات السياسية أمر ثبت فشله، فلا يمكن إيجاد اقتصاد قوي في ظل الاحتلال، كما أن المسألة بالدرجة الأولى قضية تحرر وطني لشعب محتل، وعودة شعب ما زال أكثر من نصفه مشرداً خارج وطنه التاريخي في المنافي والشتات.

أكثر من ذلك، فإن ما قد تسفر عنه قمة البحرين من وعود اقتصادية لن يخلّص الفلسطينيين من تبعات اتفاق باريس الاقتصادي الموقَّع في 1994، وهو شديد الإجحاف، وغير المتوازن، لأنه ربط بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي، وأعطى إسرائيل حق الإمساك بأموال الضرائب التي يتم جبايتها عن البضائع المتدفقة نحو الأراضي الفلسطينية، وباتت رهينة وأداة ضغط بيدها على السلطة، توقفها متى تشاء، وتفرج عنها في الوقت الذي تراه مناسباً لها.

إن ما يعلنه مؤتمر البحرين بصورة أو بأخرى عن الدفع بمشروع السلام الاقتصادي للأمام مرفوض للفلسطينيين ما بقي الاحتلال، وطرحه سيضر بمصداقية الجهود الدولية، وسيفرغها من معناها، فالمطلوب هو إنهاء الاحتلال، لا تنمية اقتصادية تطيل عمره، وتذهب بالحقوق السياسية والقانونية للشعب الفلسطيني، لأن أي تنمية اقتصادية مقبولة للفلسطينيين تقاوم الاحتلال، وتعمل على إنهائه.

لعل المتابع للتسريبات الصادرة عن بعض الأوساط الأمريكية حول مجريات وأجندة مؤتمر البحرين يلاحظ أنه يدعو لبناء علاقات تجارية بين إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة قد تكون، وربما لا، ممرّاً لتسوية سياسية مستقبلية، إذ تنطلق دوافع الأولى من حاجتها إلى الأمن والهدوء، فيما يحتاج الفلسطينيون إلى الرخاء الاقتصادي، من خلال تأسيس وتنفيذ مشاريع اقتصادية في الأراضي الفلسطينية.

هناك قناعة فلسطينية سائدة مفادها بأن الترويج لدعم الاقتصاد لصالح التقدم في المحادثات السياسية أمر ثبت فشله فلا يمكن إيجاد اقتصاد قوي في ظل الاحتلال.

عدنان أبو عامر

تتعدد المشاريع التي قد يعلنها مؤتمر البحرين بين: زراعية وصناعية وسياحية وتعاونية، ومراكز توظيف قرب المدن الكبرى، وتسهيل العبور عبر المعابر، ومحاولة إيجاد الاستثمارات الخارجية، وغيرها من المشاريع الاقتصادية والتنموية، والتخفيف من الحظر المفروض على دخول رجال الأعمال الفلسطينيين لإسرائيل، وإقامة مجمعات صناعية مشتركة بين الجانبين.

لكن كل ما تقدم لن يبدد التخوف والرفض الفلسطيني لمؤتمر البحرين الاقتصادي، فالاكتفاء به بديلا من المسار السياسي مع الفلسطينيين لا يستند إلى أسس واقعية، لأنه يستحيل الفصل بين الاقتصاد والوضع السياسي والأمني، بدليل فشل مساعي تعزيز اقتصاد الضفة الغربية، لعدم توافر حرية تأمين التنقل للبضاعة والناس، مما يجعل فكرة السلام الاقتصادي كالبالون الأجوف.

إن الاقتصاد الفلسطيني لا يمكنه أن يزدهر في ظل الاحتلال والحواجز، والسيطرة على الأرض والمقدرات، مع وجود ستمئة حاجز عسكري إسرائيلي في مدنها، والإبقاء على غزة محاصرة، وبالتالي فإن الحديث عن سلام اقتصادي بديل للمسار السياسي، سيُمنَى بفشل ذريع، ولن ينجح، لأن المطلوب أن يسير الأمران بالتوازي.

يذكّرنا مؤتمر البحرين بالوعود التي سمعها الفلسطينيون عشية توقيع اتفاق أوسلو 1993، حين تم الترويج لمقولة تحويل قطاع غزة إلى سنغافورة الشرق الأوسط، وتحويل الضفة الغربية إلى ماليزيا المنطقة، واليوم يحق للفلسطينيين أن يتخوفوا من انعكاس مؤتمر البحرين على تأبيد مشروع "التقاسم الجغرافي الوظيفي" الذي لا يُخفِي اليمين الإسرائيلي رغبته بترسيخه بين غزة والضفة، وإبقاء الانقسام بينهما قائماً.

كما يعود رفض الفلسطينيين مؤتمر البحرين إلى تخوُّفهم أن يرسّخ القاعدة الإسرائيلية "القديمة الجديدة" في التعامل مع الفلسطينيين على اختلاف أماكن وجودهم: "الجزرة مع الضفة، والعصا مع غزة"، وانتقال هذه القاعدة في وقت لاحق لتكون عنوان السياسة الاقتصادية الإسرائيلية في التعامل مع غزة بعبارتي "لا تحيا ولا تموت". 

يُظهِر مؤتمر البحرين أنه إعادة لإنتاج أفكار سابقة قادها مبعوث الرباعيّة السابق توني بلير ووزير الخارجيّة الأميركيّ السابق جون كيري لحلّ الصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ على طريقة السلام الاقتصاديّ، الذي لم يثبت نجاحه حتى الآن بمعزل عن القضايا السياسية، لكنّهما لم ينجحا في حينه، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول مدى قدرة إدارة ترامب على النجاح في ما فشل فيه الآخرون.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي