القوات الأمريكية أثناء مغادرتها أفغانستان (Others)
تابعنا

هيمنت الولايات المتحدة على موقع الريادة العالمية اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً لأكثر من سبعين سنة، ابتداءً من نهاية الحرب العالمية الثانية التي أطاحت بأكبر إمبراطوريتين استعماريتين في التاريخ الحديث بريطانيا وفرنسا، حتى نهاية الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن العشرين.

لقد أفرزت الحرب العالمية الثانية عالماً ثنائيّ القطبية تتقاسم الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي قوة التأثير السياسي والأمني والعسكري فيه، إلا أن القوة الأمريكية لم يكُن يضاهيها لا دولة ولا مجموعة من الدول.

فقد استحوذت على 25 في المئة من حاصل الناتج القومي عالميّاً، كما أنفقت على ميزانيتها العسكرية أكثر من الدول العشر التي تليها بما فيها الاتحاد السوفييتي والصين ودول أوروبا الكبرى.

لقد شكّلَت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة سنداً قوياً لحلفائها الذين رأوا فيها نموذجاً أرقى للديمقراطية المستقرة بعيداً عن الانقلابات وتدخُّل العسكر في السياسية، كما جسدت النموذج الأفضل "للاندماج الحقيقي" بين المواطنين كافةً القادمين إلى هذا البلد القاري من أنحاء الأرض كافة، وإعطاء الجميع فرصاً متساوية للإبداع وتكديس الثروة وخوض المجالات السياسة الواسعة، سواء على المستويات المحلية أو الفيدرالية.

تصدرت التكنولوجيا الأمريكية المجالات كافة، من غزو الفضاء الخارجي الذي تُوّج بأول هبوط إنساني على سطح القمر، إلى إنتاج أفضل طائرات النقل الجوي والأسلحة المتطورة والآلات الثقيلة وصناعة السيارات، وصولاً إلى ثورة الكمبيوتر والشبكة العنكبوتية والاتصالات التي لا مثيل لها.

هذه الصورة للدولة الأقوى والأغنى والأكثر استقراراً والأكثر تطوراً، بدأت تتهاوى بالتدريج مع بدايات القرن الحادي والعشرين، مع أنها تحاول الآن أن تتشبّث بموقعها الريادي بلا جدوى، ولو استعانت بكل حلفائها واستخدمت كل مصادر قوتها.

مؤشرات الانحدار السياسي

سنخصّص الحديث في هذا المقال للمؤشرات العديدة لتراجع قوة وهيبة ومكانة الولايات المتحدة قبل الحرب الأوكرانية، ثم نعود في مقال لاحق للتركيز على وضع الولايات المتحدة في أثناء وبعد الحرب الأوكرانية التي لم يُسدَل الستار عليها بعد. ودعني أذكر بعض تلك المؤشرات لا كلها:

أولاً: هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب على أفغانستان

لقد أثبتت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن المناعة التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة داخلياً يمكن اختراقها وتوجيه ضربات موجعة إلى الدولة الأقوى في العالم في عقر دارها.

كما أن تلك الهجمات كشفت عورات النظام الأمني الداخلي وغياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية وعدم التقاط الإشارات في وقتها والتصرف قبل الأوان.

لم يكن سرّاً أن تنظيم القاعدة أعلن الحرب على أمريكا عام 1998 ووجّه أولى ضرباته إلى سفارتَي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا مخلّفاً أكثر من 270 ضحية، لحق بها الهجوم الكاسح على المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن عام 2000 مخلفاً 17 قتيلاً من قوات البحرية.

فكيف لمن تَعرَّض لمثل هذه الضربات أن لا يتنبه لما هو آتٍ؟ ومراجعة لتقرير توماس كين حول المثالب والثغرات الأمنية توضح إلى أي مدى تراجعت القدرات الأمريكية الاستخباراتية.

لقد كان ردّ الولايات المتحدة المتسرع وغير المدروس هو السقوط في المستنقع الأفغاني، إذ أعلنت الحرب على أفغانستان في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2001، التي انتهت بهزيمة طالبان وطردها من البلاد.

إلا أن الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في أفغانستان ساهمت في عودة طالبان تدريجياً إلى البلاد.

ولم تدرك الولايات المتحدة أن إنشاء جيش أفغاني يصل إلى ثلاثمئة ألف دون قناعة أو عقيدة قتالية لن ينقل أفغانستان إلى الديمقراطية ولن ينقذ حكومة عبد الغني الموالية لواشنطن.

اضطُرّت الولايات المتحدة إلى أن تفاوض طالبان رغم أن المجموعة مُدرَجة على قائمة المجموعات الإرهابية.

تَوصَّل الطرفان إلى اتفاقية يوم 29 فبراير/شباط 2020 في الدوحة تقضي بانسحاب الولايات المتحدة الشامل من البلاد مع نهاية سبتمبر 2021، إلا أن انهيار حلفاء الولايات المتحدة أدّى إلى النهاية المذلّة التي شهدها الانسحاب الأمريكي من مطار كابل بطريقة تذكّرنا بانسحابها من سايغون عام 1975.

ثانياً: الحرب على العراق

لعلّ الحرب على العراق عام 2003 كانت من أسوأ القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مدفوعة بشهية الانتقام لهجمات 11 سبتمبر 2001، لكنها اختارت الهدف الخطأ والمبرر الأكثر خطأً.

لقد فشلت الولايات المتحدة في استصدار قرار من مجلس الأمن يشرعن الحرب رغم الضغوطات الكبرى التي مارستها على أعضاء المجلس غير الدائمين مثل المكسيك والكاميرون وتشيلي.

بل إن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، وقفوا ضدّ تلك الحرب التي وصفها الأمين العامّ الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان، بأنها حرب غير شرعية، ولم تجد الولايات المتحدة حليفاً لها إلا بريطانيا وكندا وحفنة من الدول الصغيرة.

تلك الحرب كانت كارثية على الولايات المتحدة واقتصادها وموقعها ودورها، وأوصلت البلاد عام 2008 إلى حافَّة الانهيار الاقتصادي، وأدّت إلى فوز باراك أوباما الذي قطع عهوداً في حملته الانتخابية بالانسحاب من العراق وأفغانستان.

صحيح أنه انسحب من العراق عام 2011، إلا أن الولايات المتحدة تركت بلداً ممزَّقاً حاضناً للجماعات المتطرفة والمليشيات المحسوبة على إيران.

لقد سلمت الولايات المتحدة العراق لإيران على طبق من ذهب، ما قوّى شكيمة النظام الإيراني وساهم في توسيع نفوذه في المنطقة وزعزعة الثقة بالحليف الأمريكي.

ثالثاً: تهميش الدور الأمريكي في سوريا

لا مكان أكثر وضوحاً لتآكل الدور الأمريكي مثل سوريا. كلنا نذكر عندما قال أوباما في خطاب إن "استخدام الأسلحة الكيميائية خطّ أحمر"، وقال إن أيام الرئيس السوري بشار الأسد معدودة.

تغير الموقف الأمريكي بشكل جذري، واستُخدمت الأسلحة الكيميائية أكثر من مرة دون أي تحرُّك أمريكي.

الفراغ الذي حدث في سوريا ملأته روسيا ودول الجوار، ولم يعد للوجود الأمريكي أي أثر أو فاعلية، ولا قيمة لمراهنتها على دعم الأكراد، وعندما تصل القوات التركية إلى مواقع PYD سيتخلى عنهم الأمريكيون دون أن يرف لهم جفن.

رابعاً: ترمب والانقلاب على الديمقراطية الأمريكية

إن انتخاب دونالد ترمب للرئاسة الأمريكية أثار حفيظة الحلفاء وتوجُّسهم من أسلوبه الانتقائي الفجائي الشعبوي وغير المتوازن في الحكم.

لقد فشلت الولايات المتحدة في عهده في التصدي لجائحة الكورونا، وضُبطت وهي عاجزة عن مواجهة انتشار الداء وسقوط آلاف الضحايا بشكل لا مثيل له في الدول المتقدمة كافة، ما أساء لسمعة الولايات المتحدة وموقعها بين الدول المتقدمة.

والأهم من ذلك هو ما جرى يوم السادس من يناير/كانون الثاني 2021 عندما اقتحم أنصار ترمب مقرّ الكونغرس الأمريكي وأعلنوا رفض نتائج الانتخابات ومحاولة فرض ترمب رئيساً لدورة ثانية. تلك كانت قاصمة الظهر. العالم كان يراقب ويكاد لا يصدّق أن الولايات المتحدة، أعرق الديمقراطيات في العالم، تنزلق إلى تصرف أقرب إلى دول العالم النامي ودكتاتوريات العسكر والأحزاب الشمولية.

في ظل هذا التراجع كانت الصين تنطلق نحو قمة الهرم الاقتصادي في العالم. روسيا تعافت اقتصادياً بعد سنوات الفوضى أيام بوريس يلتسن. الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا تشكّل مع روسيا والصين مجموعة "بريكس" لتأخذ مكانها في العالم بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.

إيران تتمدد في المنطقة من اليمن إلى لبنان إلى سوريا والعراق، وحلفاء الولايات المتحدة يتعرضون للقصف في مؤسساتهم ومطاراتهم ومراكزهم الحيوية. فرنسا غاضبة جدّاً من موقف الولايات المتحدة وتحالفها مع أستراليا وبريطانيا. ألمانيا تحاول أن تعيد الهيبة للاتحاد الأوروبي وتوقّع اتفاقية مع روسيا لإنشاء خط أنابيب "نورد ستريم 2". في ظل هذه الأوضاع جاءت الحرب الأوكرانية التي ما زالت قائمة ولم تُحسم نتائجها بعد، وهذا يتطلب مقالاً مفصَّلاً عن أسباب الحرب وتداعياتها ونتائجها المحتمَلة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي