عند كل حراك شعبي مطالب بالديمقراطية والحرية والعيش الكريم، تخرج الأنظمة السياسية وأتباعها للترويج بأن هذا الحراك مرتبط بقوى خارجية هدفها تقسم الوطن العربي. ويسندون ذلك إلى خطط موضوعة مثل خطة "لويس" المزعومة.

قبل عدة أيام وصلني مقطع صوتي غريب لشخص يتحدث بكل ثقة عن خطة ومؤامرة عالمية لتقسيم وتفتيت الدول العربية في الشرق الأوسط، يزعم أن المستشرق البريطاني الأمريكيى (برنارد لويس) وضعها، وأنه رسم خريطة التقسيم تلك. وبسرعة قفزت إلى ذهني شخصية مؤامراتية أيام الربيع العربي تزعّمت فكرة الخطة هذه، وعوّلت عليها كثيراً لدعم نظريتها المؤامراتية تلك، وتفسير الحراك الشعبي، لكنّها في نفس الوقت تركت نفس هذا التفسير حين حصلت الثورات المضادة. كانت فكرة "خطة برنارد لويس للتقسيم" فزّاعة يلوّح بها سدنة الاستبداد والطغيان السياسي لتطويع الناس للوضع القائم والواقع، مهما كان ظالماً وبئيساً ومخزياً.

المهم، ذلك كلّه جعلني أنقّب في كتابات برنارد لويس، وقد كنتُ أعرفه وأقرأ له من قبل، لكن "فوق كل ذي علمٍ عليم"، وطفقت أبحث من كتاب لآخر وأتتبّع مظانّها حتى أعجزني البحث، فصرت أرجع للمختصين في برنارد لويس وفي كتابات تحليلية حول "خرائطه"و"خططه"؛ فتبين لي أن قصة "خريطة التقسيم" تلك ليست إلا نتيجة خيال مؤامراتي مريض، ليس لها أي وجود حقيقي في تراث برنارد لويس ولا في عمله السياسي أو في طرحه مطلقاً. لكن للأسف الشديد تلك المعلومة المغلوطة لن تغيّر من الحكم والفهم عند هؤلاء، ما دامت النظرة المسبقة لهذه القصة منحازة، وغير منطقية من الأساس.

فكرة خطة برنارد لويس لتقسيم لوطن العربي فزّاعة يلوّح بها سدنة الاستبداد والطغيان السياسي لتطويع الناس للوضع القائم والواقع، مهما كان ظالماً وبئيساً ومخزياً.

عبد الله العودة

هذا بالتحديد ما حصل مع مجموعة من الذين رُهنوا أو ارتهنوا أنفسهم، واعتقلوها في تلك الخطة القديمة، التي يزعمون أن (برنارد لويس) أطلقها قبل أكثر من عقدين. هؤلاء علت أصواتهم جداً، ولاتزال، منذ بواكير الربيع العربي لتحذّر من "مؤامرة" و"خطة" مرتبة مسبقاً رسمها برنارد لويس لأجل تفتيت الدول العربية في الشرق الأوسط من أجل حماية مصالح أمريكا والدول الصناعية الكبرى، كما ينقل هؤلاء.

هذا الفهم المتكرر والمعلومة المزيفة حول وجود شيء اسمه "خطة برنارد لويس للتقسيم" تكاد تسمعه في كل لسان معارض لتحركات الشعوب السابقة واللاحقة ودعوات الإصلاح السياسي، بحجة أن كل ذلك "خطة مرسومة" و"مؤامرة محكمة" رتبتها الدول الكبرى لأجل تفتيت العالم العربي.

الشيء الطريف في كل هذا أن الخطة المزعومة لبرنارد لويس تصبح مرجعاً مهماً لدى معارضي الأعمال الشعبية ودعوات الإصلاح بحجة مواجهة تلك الخطة الأمريكية القديمة. آلاف الخطط الأخرى قبلها وبعدها بشكل دوري يتم بحثها واعتبارها ودراستها في الغرب لأجل التعامل مع الشرق الأوسط، وآلاف التحليلات المختلفة مع توصيات لصناع القرار، حول قضايا مختلفة من باحثين بحجم لويس وأكبر منه وأصغر، وكل ذلك لا يكون مثيراً للانتباه، ولا للنظر عند النظرة التآمرية تلك.

الغريب أن ذلك التفسير، والخطة المزعومة نفسها لبرنارد لويس تنطبق على تفسير الثورات المضادة، مثل انطباقها تماماً على الثورات الشعبية، ولكن هؤلاء المجموعة من المتحدثين يتذكرونها، فقط لتفسير الثورات الشعبية، بينما لديهم خطط وتفسيرات أخرى لفهم الثورات المضادة بوصفها "تصحيحاً" أو شيئاً آخر تجود به قرائحهم الفقيرة.

هؤلاء الذين ملأوا أسماعنا بالتحذير من الربيع العربي وقتها بوصفه خطة أمريكية هم أنفسهم الذين لا يمانعون من الترتيب والتنسيق مع خطط أمريكية أخرى في الثورات المضادة.

عبد الله العودة

هؤلاء الذين ملأوا أسماعنا بالتحذير من الربيع العربي، وقتها بوصفه خطة أمريكية، هم أنفسهم الذين لا يمانعون من الترتيب والتنسيق مع خطط أمريكية أخرى في الثورات المضادة وملفات مختلفة؛ لأنها توافق سدنة الاستبداد وحماته، فحينها تعلم بأنهم يكتشفون أن شيئاً ما خطة أمريكية، حينما يتعلق الأمر بأي دور مفترض للشعوب في الحياة والمشاركة السياسية والتنمية المستدامة، ولكنهم ينسونه في كل الأشياء الأخرى.

وشيء آخر، خطة التقسيم المزعومة تلك، حتى لو صدقناها فهي تنطبق بالدرجة الأولى على أذرع الاستبداد في الوطن العربي قبل غيرهم فهم الأدوات التقليدية للتقسيم عبر إدارة البلد بشكل سيئ وتعريضه للاهتزازات وصناعة الكوارث الداخلية والخارجية، وأطرف مثال على ذلك الحالة السودانية في وجود استبداد سياسي مطلق تسبب بحروب داخلية واهتزازات خارجية وكوارث سياسية متعددة و حكم عسكري وقبضة حديدية أنتجت بالضرورة حالة تقسيم غير مسبوقة، وحالة تقسيم إضافية تلوح في الأفق، إضافة للكوارث المختلفة.

أية خطة تقسيم هي بالدرجة الأولى نتيجة كوارث السلطة المستبدة التي تنكّبت طريق الناس ورفضت الشراكة السياسية ورفضت احتواء الشعب.

عبد الله العودة

إذاً، حتى لو قالها برنارد لويس، وهو لم يفعل، وحتى لوصدّقناه، ونحن لن نفعل، فإن أية خطة تقسيم هي بالدرجة الأولى نتيجة كوارث السلطة المستبدة التي تنكّبت طريق الناس، ورفضت الشراكة السياسية ورفضت احتواء الشعب، ورفضت طريق التمثيل السياسي وطريق الحقوق والحريات.

ومن يفعل كل ذلك فهو يصنع خطة التقسيم تلك، ولكن كذَبَتْ الخطة المزعومة لبرنارد لويس، وكذب المنجّمون، وصدق الله حين حذر من الظلم الذي يسبب الهلاك والفتنة: "واتقوا فتنة لاتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي