أثارت تحركات دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً حفيظة عدد من المراقبين ودفعتهم إلى التساؤل حول الثابت والمتغير في سياسة أبو ظبي الخارجية، وإن حصل تحول جوهري بمنظومة علاقاتها مع دول الجوار وبالمنطقة ككل.

هذه التساؤلات أثارتها في الأساس سياسات جديدة لا تتماشى مع سياسة الإمارات السابقة طيلة ما يقرب من العقد التي اعتمدت في الأساس على إعادة تشكيل المنطقة عبر إنشاء القواعد والمواني العسكرية والدعم المالي السخي لحلفائها ووكلائها، وإحداث اختراق في منظومة تحالفاتها سواء الإقليمية أو الدولية، وحرمان جماعات الإسلام السياسي الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.

فما لوحظ مؤخراً هو انسحاب وإعادة تموضع للقوات الإماراتية في اليمن وهو ما ترك حليفتها السعودية تتحمل العبء الأكبر من الحرب، كما انكفأت عن دعم وكيلها في ليبيا العقيد المتقاعد خليفة حفتر، فضلاً عن تراجعها في القرن الإفريقي عبر انسحابها من عدد من المواني التي ساهمت سابقاً في استثمارها قواعد عسكرية خصوصاً في جيبوتي والصومال وانفتاحها المفاجئ على تركيا.

ربما واحدة من أبرز الأسباب وراء إعادة تقييم دوافعها التدخلية في السياسة الخارجية على هذه النحو هو أن الإمارات قد حققت على نحو واضح إنجازات محدودة ومتواضعة في هذه الملفات كافة وهو الأمر الذي دفع صناع القرار في أبو ظبي إلى التساؤل حول جدوى هذه السياسات في ظل عوائدها الاستراتيجية المحدودة، والتكاليف المالية الباهظة التي تنفق عليها.

على أي حال لا يعدو هذا السبب الموضوعي المباشر في فهم إعادة تدوير الزوايا في سياسة الإمارات الخارجية إلا واحداً في ظل مروحة من العوامل الأخرى التي أدت في مجملها إلى تخلي الإمارات -ولو مرحلياً- عن سياستها الخارجية المتشددة أو الجازمة إلى سياسة أكثر براغماتية ومرونة، فقد قبلت أبو ظبي -وإن على مضض- رفع الحصار عن قطر وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، كما بدأت تتلمس طريق إعادة العلاقات الدبلوماسية مع تركيا وهي العلاقات التي اتسمت بالعداء لفترة طويلة حتى اتهمت أبو ظبي بالضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في تركيا عام 2016، هذا فضلاً عن الرسائل التصالحية التي ترسلها أبو ظبي تجاه طهران، هذا على الرغم من أن موقف الإمارات تجاه إيران لم يتصف بالشدة التي اتصفت بها سياسة السعودية مع الأخيرة على سبيل المثال. فبعد الاعتداء على السفارة السعودية في طهران لم تغلق أبو ظبي سفارتها هناك كما فعلت بعض الدول العربية الحليفة للرياض.

وفي سياق الحديث المتصل عن العوامل الموضوعية فإن واحدة من التفسيرات لهذه السياسة البراغماتية الجديدة هي زيادة نفوذ إمارة دبي في السياسة الخارجية على حساب إمارة أبو ظبي. فقط كان أمير دبي محمد بن راشد آل مكتوم على الدوام رافضاً للسياسة الحازمة والمتشددة التي تتبعها أبو ظبي. وربما هذه السياسة يعكسها ميزان التفوق الاقتصادي، ففي أثناء جائحة كورونا تعرضت إمارات أبو ظبي لانتكاسة اقتصادية في ظل تراجع أسعار النفط عالمياً، وتراجع الطلب عليه وهو السلعة الوحيدة التي تعتمد عليها الإمارة في اقتصادها وتمويل سياستها الخارجية، وهو على النقيض من اقتصاد دبي القائم على التنوع، الأمر الذي جعلها أكثر مرونة في التعاطي مع أزمة كورونا.

زيادة نفوذ دبي يضاف إليه أيضاً بعض التغييرات التي حصلت في مناصب عليا في الحكومة الإماراتية بداية 2021 من قبيل تعيين وزيرين جديدين هما السفير الإماراتي السابق لدى السعودية شخبوط بن نهيان الذي عين وزيراً للخارجية، والسفير السابق لدى سوريا وتركيا وإيران خليفة شاهين المرر الذي عين وزيراً للدولة وهو ما يشير إلى تعديلات في سياسة الإمارات تجاه تلك الدول. فالإمارات التي تسعى لإعادة ضبط إيقاع علاقتها مع كل من تركيا وإيران تسعى في الوقت ذاته للحفاظ على علاقتها مع السعودية خصوصاً في ظل الأنباء التي تواردت مؤخراً عن خلافات بين الأميرين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد خصوصاً فيما يتعلق بملف أسعار النفط والتطبيع مع إسرائيل.

وعلى وجاهة هذه العوامل الموضوعية في فهم التغييرات التي تحدثها الإمارات في سياستها الخارجية، فإن عاملاً خارجياً واحداً ربما يكون هو السبب الأبرز والأكثر أهمية في فهم طبيعتها والمدى الذي ستصل إليه ويتمثل بمجيء إدارة جديدة في الولايات المتحدة تقطع في سياستها تجاه المنطقة مع سياسة سابقتها إبان ولاية الرئيس ترمب الذي انتهج سياسة كانت قائمة حينها على تعزيز الاستقطاب الإقليمي. فإدارة الرئيس جو بايدن، ومن خلال محاولتها التخفيف من أعباء المنطقة، تدفع حلفائها الإقليميين إلى إعادة العمل معاً للحفاظ على مصالحهم العليا والتركيز على منطقة جنوب شرق آسيا التي تشهد صعوداً للصين تراه واشنطن مهدداً لمكانتها العالمية.

إعادة تموضع الولايات المتحدة في المنطقة يفرض عليها الضغط باتجاه إنهاء حالة الاستقطاب بين حلفائها، والدفع بهم إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات وجهاً إلى وجه للبحث عن النقاط المشتركة فيما بينهم للعمل معاً في القضايا الخلافية. ولذلك نرى كيف تحاول الإمارات وتركيا إعادة العلاقات إلى سالف عهدها، في حين انتهت الأزمة الخليجية وحصار قطر، كما تتكثف الوفود المشتركة بين مصر وتركيا للبحث في إعادة تطبيع العلاقات. هذا فضلاً عن إعادة تعريف إسرائيل في المنطقة واعتبارها دولة جارة لا دولة احتلال ومن ثم تطبيع العلاقات معها، فواقع النظام الإقليمي الجديد يحتم على هذه القوى ترك خلافات الماضي، والتطلع إلى المستقبل وتحدياته الجوهرية على أمن واستقرار الإقليم. وفي الخلفية توجد محاولات إدارة بايدن أيضاً لإعادة التفاوض مع إيران حول برنامجها النووي والتوصل إلى اتفاق جديد وهو الأمر الذي سيجنب المنطقة تصعيداً لا تحمد عقباه.

سياسة تدوير الزوايا أو حتى تقليص الوجود العسكري الإماراتي في مختلف المسارح الإقليمية لا يشير إلى أن أبو ظبي قد تخلت عن أهدافها في سياستها الخارجية مطلقاً، فلا تزال واحدة من هذه الثوابت منع صعود الإسلام السياسي إلى السلطة. ومع ذلك فمن الممكن أن تستخدم وسائل أخرى من الآن. في اليمن على سبيل المثال لا تزال الإمارات ملتزمة دعم الانفصاليين بالجنوب وتسيطر على المليشيات والجماعات المسلحة هناك، وفي الوقت نفسه تتعاون مع الولايات المتحدة في المعركة ضد القاعدة بشبه الجزيرة العربية. إضافة إلى ذلك، على الرغم من تقليص الإمارات وجودها العسكري بليبيا فقد عززت تعاونها الأمني مع اليونان ضد طموحات أنقرة الإقليمية. وبالتالي فمن المرجح أن تواصل الإمارات جهودها لممارسة نفوذها على الأجندة الإقليمية باستخدام وسائل أخرى ولكن ضمن محددات السياسة الخارجية الأمريكية التي تفرضها إدارة بايدن، ما يعني أن الإمارات فقدت حرية تحركها السابق التي منحها الرئيس السابق ترمب، ولكنها لم تتخلَّ نهائياً عن ثوابتها في السياسة الخارجية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي