وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين يحضر لقاء مع رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد دبيبة في برلين (Andrew Harnik/AFP)

وكانت الأجندة الرئيسية المعلنة للمؤتمر قد تمثّلت في الدّفع باتجاه إقامة الانتخابات في ليبيا في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول القادم، وذلك في إطار دعم خريطة الطريق التي تبنّاها منتدى الحوار السياسي الليبي، والدّفع باتجاه رحيل القوات الأجنبية، في إطار وقف إطلاق النار الذي توصلوا إليه في تشرين الأول/أكتوبر 2020.

يأتي مؤتمر برلين-2 في سياق المسار السياسي الحالي الذي ترعاه الأمم المتحدة وتدعمه الأطراف الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تمخّضَ عنه الملتقى السياسي الليبي الذي انبثقت عنه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد دبيبة في الخامس عشر من مارس/آذار الماضي.

هذا المسار السياسي الذي يتمّ برعاية الأمم المتحدة لم يكن ليأخذ مجراه لولا التدخل التركي في ليبيا، والذي أدّى إلى صدّ تغوّل حفتر العسكري، ودفع لإعادة رسم التوازنات الميدانية وتثبيت حالة من التوازن المرحلي في المشهد الليبي.

كما أنّ التدخل التركي ساهم في تثبيت حكومة طرابلس المدعومة دولياً، والتي تشارك في النسخة الحالية من المؤتمر كممثلة للطرف الليبي، بعد أن كان الليبيون هم الغائبون الحاضرون في برلين-1.

المعادلة الميدانية الجديدة هي ما يُفسّر الدّعم الغربي الذي يلقاه المؤتمر، مقارنة بنسخته الأولى، والتي لم تنجح بفرض وقف إطلاق النار على الرغم من بيانه الختامي الذي تشكّل مِن 55 مادة، وذلك في ظلّ استمرار خليفة حفتر في هجومه على العاصمة الليبية وقتها، واستمرار بعض اللاعبين بالمراهنة عليه لحسم المشهد. حيث ترى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية في العملية السياسية أداة مهمة للتأثير على النفوذ التركي والروسي في ليبيا. ولعلّ غياب كلٍّ مِن وزيري خارجية روسيا والإمارات العربية المتحدة عن المؤتمر يُشير إلى مقاربات الأطراف المختلفة للمؤتمر والمسار السياسي الحالي.

لكن وعلى الرّغم مِن إعلان وزير الخارجية الألماني هايكو هاس نجاح المؤتمر، إلا أنّه لا يجب التعويل على نتائجه، ولا على قدرته على إحداث اختراق في الأزمة الليبية. فهذا ليس المؤتمر الأول الذي يستهدف تحقيق الاستقرار في ليبيا، فقد سبقه مؤتمرات عديدة من باريس، باليرمو، موسكو، وبرلين-1، وغيرها مِن المبادرات التي لم تنجح في تحقيق هدفها باستعادة الاستقرار في ليبيا.

أمّا الأهداف المُعلنة مِن المؤتمر فتبدو بعيدة المنال، بل وغير قابلة للتطبيق في المدى المنظور. فإمكانية عقد انتخابات حُرّة ونزيهة في كل الأراضي الليبية لا تبدو ممكنة في ظل سيطرة حفتر على أكثر من نصف البلاد، وعدم تعاونه مع حكومة الوحدة الوطنية التي عيّنتها الأمم المتحدة.

فلا يُتوقع أن تكون هناك انتخابات نزيهة في ظلّ عدم قدرة رئيس الوزراء الليبي نفسه على التوجّه لبنغازي بحريّة. وقد كان لافتاً إطلاق حفتر عملية عسكرية على الحدود الليبية-الجزائرية قُبيل المؤتمر، في رسالة عصيان واضحة. إضافةً إلى أنّ الطريق الساحلي باتجاه بنغازي لم يُفتتح إلى الآن.

كما أنّ قرار الانتخابات ليس بيد دبيبة ولا حكومته، بل هو مرتبط بمصادقة مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح على الإطار الدستوري والقانوني لهذه الانتخابات. وعلى فرض إمكانية إقامة الانتخابات في ظلّ الوضع القائم فإنّ هذه الانتخابات، التي لن تكون نزيهة، من المُستبعد أن تؤدي إلى الخروج مِن الأزمة الحالية. خاصّة في ظلّ عدم وجود أيّ إشارة إلى أنّ الأطراف الدولية مستعدة للضغط على حفتر لدفعه للتجاوب والتعاون مع حكومة دبيبة.

ولذلك فإنّ الانتخابات في ظلّ المعادلة الحالية في ليبيا ستؤدي إلى مزيد مِن الاستقطاب. وبالتالي فإنّ فرضية "الانتخابات ستجلب الاستقرار" لا تبدو فرضية صحيحة في السياق الليبي الحالي.

وفي ظلّ هذا المناخ الأمني والعسكري الذي يفرضه حفتر على كلّ الأجواء الليبية، يبدو طرح مسألة خروج القوات الأجنبية مناكفة سياسية أكثر مِن كونها مطالب جدية. فهذه المطالبات تتجاهل السبب الرئيسي لوجود القوات الأجنبية في ليبيا. فحفتر نفسه هو الذي أتى بالمرتزقة السودانيين والتشاديين إلى ليبيا، وهو أيضاً من جاء بمرتزقة فاغنر الروس، والتي لحقت بهم طائرات ميغ الحربية الروسية إلى قاعدة الجفرة العسكرية في صيف 2020.

كما أنّ محاولة حفتر السيطرة على العاصمة طرابلس بالقوة، هي ما دفع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج إلى الالتجاء إلى أنقرة طلباً للمساعدة، ما مهّد لتدخل تركيا رسمياً في ليبيا لدعم الحكومة الشرعية.

بقاء القوات الأجنبية في ليبيا، بل وحتى المرتزقة الأجانب، تضمنه حالة الاستقطاب السياسي والعسكري الموجودة في ليبيا. هذا لا يمنع بالطبع الحديث عن سحب جزئي ومرحلي لبعض المرتزقة، لكن هذا الانسحاب يُستبعد أن يطال القوات النظامية الأجنبية والتركية تحديداً، والتي تحضر في ليبيا ضمن اتفاقية رسمية مع الحكومة الليبية الشرعية.

كما أنّ مسار برلين يفتقد لآليات ضغط على الجهات الأجنبية. وفي حين أشار البيان الختامي للمؤتمر لموعد الانتخابات، أغفل الحديث عن جدول زمني لخروج القوات الأجنبية.

وعليه فإنّ الأهداف المُعلنة لمؤتمر برلين-2، كما نتائجه، تلتفّ على الأسباب الحقيقية للأزمة الليبية، ولا تتجه لمعالجة جذور الأزمة المستمرة منذ الانقسام السياسي والعسكري ومن ثمّ الجغرافي منذ ٢٠١٤، والتي أدّت إلى تعطيل الانتقال السياسي، وشلّ مؤسسات الدولة، بل ودخول القوات الأجنبية على الخطّ على حساب سيادة ليبيا وكينونتها.

وفي ظلّ عدم القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة من المؤتمر، قد يتحوّل المؤتمر ونتائجه إلى رافعة سياسية تستخدمها بعض الأطراف الدولية في إطار تنافسها السياسي في ليبيا. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية قد تستخدم المؤتمر كأداة سياسية للضغط على روسيا وتركيا بشكل أكبر لسحب قواتها من ليبيا. كما قد تحاول الأطراف الداعمة لحفتر السّعي لتحقيق أهدافها من خلال العملية السياسية، بعد أن فشلت بتحقيق ذلك من خلال الرهان على الحلّ العسكري الذي يتبناه حفتر.

قد يُسجّل مؤتمر برلين-2 في خانة الدبلوماسية الألمانية، التي تبحث عن دور أكبر في الساحة الدولية، لكنّ قدرته على إحداث حلحلة في الأزمة الليبية تبدو محدودة جداً، في ظلّ تجنّب مسار برلين التعامل مع أسّ الأزمة الليبية، والمتمثل في تعنّت حفتر وإصراره على الحلول الصفرية، لا السياسية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً