العلم الإماراتي ومن خلفه العلم الإسرائيلي  (AFP)

وما كان يروج له سابقاً، إبان فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب وصهره جاريد كوشنير، على أنه مشروع من شأنه أن يغير وجه الشرق الأوسط، فإذا بهذا المشروع يتساقط تباعاً، وكانت هبة القدس المسمار الأخير في نعشه.

فإسرائيل وبدلاً من أن تتحول إلى مركز استقطاب إقليمي على المستويات السياسية والاقتصادية كافة، فإذا بها تعود إلى مربعها الحقيقي كدولة احتلال متوحشة ومنبوذة، وما كان يسوّق على أنه مجرد علاقات طبيعية مع دول الجوار تجمعهم مصالح مشتركة، فإذا به، أي التطبيع، يرجع إلى تعريفه الأصلي ضمن خانة العلاقات المنبوذة، حتى بات بعض المهرولين له في السابق يتوارون عن الأنظار، ويتنصلون منه قدر الإمكان.

تأتي واحدة من أبرز مؤشرات فتور أنشطة التطبيع مع إسرائيل من الإمارات وتحديداً من طبقة رجال الأعمال، فعلى الرغم من أن الإمارات وعلى المستوى الرسمي ما زالت مندفعة نحو التطبيع مع إسرائيل، حيث برز ذلك من خلال إرسال سفيرها إلى تل أبيب الذي عبّر من خلال زياراته وتصريحاته عن عمق هذا التوجه الرسمي لأبوظبي نحو إسرائيل، إلا أن القطاع الاقتصادي، وتحديداً طبقة رجل الأعمال، باتوا يظهرون فتوراً في التعاطي مع نظرائهم الإسرائيليين على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في القدس وقصفها الشنيع على غزة.

أحمد المنصوري ، مؤسس متحف مفترق طرق الحضارة الخاص ، يمر بلوحة تعبر عن الصداقة الإماراتية والإسرائيلية في معرض لإحياء ذكرى الهولوكوست اليهودي في دبي (AP)

عبرت عن هذا الفتور نائبة رئيس بلدية القدس، والعضوة المؤسسة المشاركة لمجلس الأعمال الإماراتي الإسرائيلي، فلور حسن-ناحوم، عندما صرحت لوكالة فرانس برس على هامش ملتقى المجلس في دبي مؤخراً بأن فتوراً يشوب العلاقة بين رجال الأعمال الإماراتيين ونظرائهم الإسرائيليين على خلفية الأحداث التي جرت في الأراضي الفلسطينية المحتلة مؤخراً.

وقد كان قلق الإماراتيين، كما قالت، بادياً من خلال أسئلتهم حول العنف المفرط الذي استخدمته إسرائيل في غزة، والاستخدام غير المتكافئ للقوة، فضلاً عمَّا يجري في القدس، وسياسة إسرائيل تجاه المسجد الأقصى، والعائلات المقدسية التي تسكن حي الشيخ جرّاح وغيرها من المناطق التي يرزح سكانها تحت تهديد التهجير القسري من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

"الحوارات غير المريحة"، وفق تعبير حسن-ناحوم، إنما تعبر عن حجم الفجوة التي خلفتها سياسة إسرائيل القمعية تجاه الفلسطينيين مع جيرانها العرب، وتعبر على صعيد آخر عن الخسارة الفادحة التي تلقتها إسرائيل على مستوى تلميع صورتها في العالم العربي.

لقد جربت خلال الفترة الماضية، وإبان رحلة الترويج لاتفاق أبراهام، تسويق نفسها على أنها دولة محبة للسلام، وأنها لم تزل واحة الديمقراطية في المنطقة، والجنة الموعودة للرفاه الاقتصادي، والانتعاش التجاري، ولكن وفي طرفه عين، تحطمت هذه الصورة على وقع قصفها لبيوت المدنيين، وتدميرها الأبراج السكنية في غزة، واعتدائها المتواصل على الفلسطينيين المدنيين في القدس وغيرها من المناطق المحتلة، واعتدائها السافر على الصحافيين والذي تمثل باعتقال مراسلة الجزيرة في القدس جيفارا البديري وتحطيمها لمعدات التصوير.

مؤشر الفتور الذي أبداه بعض رجال الأعمال الإماراتيين في تعاطيهم مع نظرائهم الإسرائيليين لا يعني نهاية العلاقة بين البلدين بطبيعة الحال، فما زال التوجه الرسمي الإماراتي يؤمن بشدة بعلاقته مع إسرائيل، وما زالت مساعي التقارب السياسية والاقتصادية مستمرة على قدم وساق، حيث يطمح البلدان لتعزيز تعاونهما في بعض المشاريع الاقتصادية ذات البعد الاستراتيجي، من قبيل ما وقعته شركة "ديليك" الإسرائيلية من مذكرة تفاهم تقضي ببيع حصتها في حقل "تمار" للغاز الطبيعي في البحر المتوسط قبالة ساحل حيفا إلى الشركة الإماراتية "مبادلة للبترول" ومقرها أبو ظبي، مقابل 1.1 مليار دولار، هذا فضلاً عن صندوق استثمارات مشترك بين البلدين بقيمة 10 مليارات دولار، والذي أطلق في مارس/آذار الماضي، وسيشمل كل المجالات الاقتصادية والتجارية ومشاريع البنى التحتية، وعالم "هاي تك" (High Tech) والتكنولوجيا وعالم الفضاء.

هذا الفتور أيضاً انعكس على غير هذا المثال بطبيعة الحال، فمع تجدد ظهور إسرائيل بوجهها القبيح مرة ثانية، لم يعد بالإمكان تسويق مشاريع التطبيع بالسلاسة التي كانت تطمح إليها. فالسعودية رفضت في 22 مايو/أيار مرور طائرة إسرائيلية عبر أجوائها، في حين لم يستطع القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية في المغرب إيجاد بيت يستأجره لكي يمارس منه أعماله القنصلية، هذا فضلاً عن إحراق العلم الإسرائيلي في غالبية العواصم العربية.

هذه الارتدادات، وهذا الفتور الذي بات يبرز على مشاريع التطبيع، يؤشران إلى أن إسرائيل لا يمكن أن تكون دولة طبيعية في المنطقة. فهذه الدولة لم تقم بشكل طبيعي من الأساس، بل قامت على اقتلاع شعب بأكمله من أرضه، وإنشاء كيان مغتصب محتل، وهذه الأسس الاحتلالية والقمعية هي التي تشد إسرائيل دائماً إلى أصلها، وتجعلها تمارس أبشع الجرائم بحق السكان الأصليين للأرض، سرعان ما تجد أصداءها في العالمين العربي والإسلامي، فما زال النظر إلى فلسطين كأرض مقدسة ذات جذور إسلامية عربية، ولذلك فإن تكبيرات مآذن القدس يتردد صداها في كل المآذن حول العالم.

لقد فرملت هبة القدس مشاريع التطبيع، ولن نجد لاحقاً أي رئيس وزراء يصعد المنصة لكي يتباهى بما حققه من اختراقات مع الدول العربية كما فعل نتنياهو سابقاً. لقد غيرت هبة القدس المزاج الشعبي العالمي، ولفتت الانتباه إلى ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة من قمع واحتلال وفصل عنصري وتهجير قسري.

هذا لا يعني أن التعاطي مع إسرائيل على الصعيد الرسمي عربياً سوف يتوقف، ولكن ما حققه اتفاق أبراهام من اختراق من حيث قيامه بجعل هذا التعاطي يحدث بالعلن وأمام الأضواء، سوف يعود به مجدداً ليحدث خلف الأبواب المغلقة من جديد كما كان عليه الأمر سابقاً. وهذه خسارة كبيرة لإسرائيل التي كانت تراهن هذه المرة على كسب قلوب العرب، والبحث عن اختراقات حقيقية نحو التطبيع الثقافي وليس فقط الاكتفاء بالتطبيع الدبلوماسي الذي لم تعد تراهن عليه، خصوصاً بعد أن أثبت عدم جدواه الحقيقية في الحالتين المصرية والأردنية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي