مجموعة من المتدنيين اليهود  (AA)

وهو اليمين الذي يمثله في هذه الانتخابات حزب (القوة اليهودية) بزعامة المتطرف (إيتامار بن غفير)، وهو أحد زعماء أشد الحركات اليمينية تطرفاً، ويمثل الصورة الجديدة من الزعيم المتطرف (مائير كاهانا) زعيم حركة (كاخ) الذي اغتيل في نيويورك عام 1990.

تلك الحركة كانت الحكومة الإسرائيلية قد صنفتها حركةً إرهابية في تسعينيات القرن الماضي، علماً بأن بن غفير كان في الرابعة عشرة من عمره حين انضم إليها، وهو أحد الذين توجهت إليهم أصابع الاتهام والشكوك في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين عام 1995 حين صدرت عنه في نفس ذلك العام تصريحات تهدد بالوصول إلى شخص رابين، بعد أن تمكن من الوصول إلى سيارته ومهاجمتها في إحدى المظاهرات. وكذلك حزب (الاتحاد الوطني) بزعامة المتطرف (بتسليل سموتريتش) المعروف بمواقفه المتطرفة من الانسحاب الإسرائيلي من غزة والاستيطان في الضفة الغربية، وكان متهماً بالتحضير لاعتداءات تخريبية غداة انسحاب قوات الاحتلال من غزة عام 2005 بهدف عرقلة الانسحاب.

بن غفير وسموتريتش ليسا فردين، وإنما يمثلان اليوم تياراً متنامي القوة في المجتمع الإسرائيلي الذي يجنح نحو اليمين حتى لم يعد للقوى اليسارية التقليدية مكان فيه تقريباً.

فحزب العمل الذي كان في ما مضى المنافس التقليدي لليكود قد يفشل في هذه الانتخابات في دخول عتبة الكنيست لأول مرة. وإن دخل الكنيست فسيكون له مقاعد محدودة جداً لا تعطيه أية إمكانيات لتشكيل حكومة أو قيادة الدولة، فضلاً عن أحزاب أقصى اليسار مثل (ميرتس) و(هناك مستقبل) وغيرها التي لم يعد لها تأثير يذكر في السياسة الإسرائيلية، وحتى في معسكر يمين الوسط يبدو الوضع قاتماً إلى حد كبير، فحزب (أزرق أبيض) المنافس لليكود في الانتخابات الماضية أصبح تقريباً من الماضي، ولم يعد له من القوة ما يمكنه من الصمود في وجه نتنياهو، ولذلك تتجه الأحزاب المعارضة لشخص نتنياهو إلى الاتحاد ضده لا على أساسٍ أيديولوجي، بل على أساس العداء الشخصي له فقط.

يسعى رئيس الوزراء بنيامينن نتنياهو إلى تشكيل تحالفات انتخابية مع أحزاب اقصى اليمين مثل حزب القوة اليهودية  (AFP)

هنا تبرز أحزاب أقصى اليمين التي يمثلها بن غفير وحزبه (القوة اليهودية)، وبتسليل سموتريتش وحزبه (الاتحاد الوطني)، والتي تمثل الآن الأمل الوحيد لنتنياهو ليتخطى عتبة 61 مقعداً في الكنيست ويتمكن من تشكيل حكومته لو فاز في الانتخابات، وذلك بعد تحالف بن غفير وسموتريتش في قائمة (الصهيونية الدينية) لخوض الانتخابات معاً.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الأحزاب تمثل في رأي الكاتب الإسرائيلي باراك رافيد تجسيداً لفكرة "التفوق اليهودي"، التي يشبِّهُها في مقالٍ نشره على موقع axios بحركات تفوق العنصر الأبيض الأمريكية مثل حركة KKK.

الطريف في هذه التوليفة المتوقعة لتحالفات نتنياهو في الانتخابات القادمة أن بن غفير حين حاول أن يخفف من وطأة تحالفه مع نتنياهو، وأن يبعد اسمه عن اسم أستاذه الحاخام مائير كاهانا مؤسس حركة (كاخ) العنصرية، صرح لراديو 103 FM الإسرائيلي قبل أيام بأنه "لا يعتقد بوجوب طرد جميع العرب من أرض إسرائيل".. أي أنه يمكن إبقاء جزء منهم فقط!

يبدو أن نتنياهو يحاول استغلال هذه الأحزاب المتطرفة اليوم لتضعه على رأس القوائم الانتخابية بما يضمن تمكنه من حماية نفسه من قضايا الفساد التي تلاحقه منذ سنوات، ولعل هذا ما دعاه إلى الاتفاق مع بن غفير وسموتريتش على توزيع فائض الأصوات مع قائمتهما (الصهيونية الدينية)، وذلك خوفاً من تشتت أصوات اليمين كما حدث في انتخابات مارس/آذار عام 2020، حين أصر حزب (القوة اليهودية) على البقاء في السباق الانتخابي وحده، وحصل على عشرات الآلاف من أصوات اليمين المتطرف التي خسرها معسكر نتنياهو، ولكن تلك الأصوات في نفس الوقت لم تسمح لحزب (القوة اليهودية) بتجاوز العتبة المطلوبة لدخول الكنيست، فخسر الحزبان.

الأمر اليوم مختلف، وانضمام قائمة (الصهيونية الدينية) بزعامة سموتريتش وبن غفير سيضمن لهما أن يكونا جزءاً من صناعة السياسة الإسرائيلية القادمة فيما لو نجح نتنياهو بتحقيق حلمه وتشكيل حكومةٍ يمينيةٍ منفرداً عن اليسار الصهيوني.

وفي هذا الصدد ينبغي أن لا ننسى أن نتنياهو صرح للقناة 20 الإسرائيلية قبل أيام أن بن غفير سيكون عضواً في الائتلاف الحاكم على الرغم من أنه لن يكون وزيراً في الحكومة المقبلة.

ويبدو أن تصريح نتنياهو جاء لمحاولة تخفيف ضغط الانتقادات التي طالته لربط اسمه بشخصية مثل (بن غفير) المرتبط حكماً بحركة (كاخ) والحاخام (كاهانا)، فتلك الانتقادات تجاوزت المجتمع الإسرائيلي إلى أن وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي انتقد فيها عدد من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل هذه الخطوة بسبب سمعة (بن غفير) وقائمة (الصهيونية الدينية) السيئة.

حتى يفهم القارئ مستوى الاختلاف الذي يشكله اتفاق نتنياهو مع بن غفير وسموتريتش، ينبغي أن ننظر في بنود هذا الاتفاق: فهو، حسب قول بن غفير، ينص على "حماية أرض إسرائيل، وتعزيز هويتها اليهودية"، وهذه العبارات تتسق تماماً مع توجهات الثنائي بن غفير-سموتريتش.

فهذان الطرفان يريان أن "أرض إسرائيل" يجب أن تكون يهوديةً خالصة، وذلك من خلال تشجيع هجرة غير اليهود منها إلى الخارج، وطرد جميع الفلسطينيين منها في حال رفضوا إعلان الولاء لدولة إسرائيل والقبول بمواطنةٍ من الدرجة الثانية فقط، باعتبارهم ليسوا يهوداً، في الدولة اليهودية التي تشمل كل المناطق بما فيها الضفة الغربية كاملةً. وبهذه الآراء تمثل هذه الجماعة أقصى درجات التطرف الذي يتجاوز فكرة نظام الفصل العنصري المعمول به حالياً في إسرائيل، إلى التطهير العرقي الحقيقي في الأراضي الفلسطينية وبين جميع الفلسطينيين سواء كانوا في الضفة الغربية أو القدس أو غزة أو داخل الخط الأخضر.

ولأجل ذلك فإن الفلسطينيين، وخاصةً في الضفة الغربية والقدس، يضعون في حساباتهم تبعاتٍ خطيرةً جداً لصعود هذه الجماعة وتحولها إلى شريك كامل في الائتلاف الحكومي المرتقب فيما لو سارت الرياح على ما تشتهي سفينة نتنياهو.

ففي الضفة الغربية، سيعني ذلك انتهاء فكرة الانسحاب من المستوطنات الإسرائيلية هناك نهائياً، فسموتريتش وبن غفير يسكنان أصلاً في مستوطنات الضفة. وسيجعل ذلك فكرة إعلان ضم الضفة الغربية أمراً ممكناً ومدعوماً بالمزاج الشعبي الإسرائيلي العام وأغلبية الكنيست، وهو ما يمكن أن يساعد نتنياهو في الوقوف في وجه أية ضغوط خارجية قد تحاول إدارة الرئيس الأمريكي بايدن فرضها عليه.

وأما في القدس، فإن المقدسيين سيجدون أنفسهم وحيدين في الميدان في وجه الجماعات المتطرفة التي أصبحت تحكم إسرائيل بعد أن كانت تعتبر ضعيفة التأثير في السياسة الإسرائيلية الداخلية، وهو ما يرفع درجة الخطر في الأماكن المقدسة في القدس وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك بالذات إلى الدرجة القصوى. ولا ننسى هنا أن أفراد ما يسمى "جماعات المعبد" المتطرفة يعتبرون جميعاً أعضاء في هذه الحركات، وهم يعتبرون أن حزب (القوة اليهودية) يمثلهم أكثر من حزب الليكود.

الشرطة الإسرائيلية في اقتحامها للحرم القدسي  (AA)

فإذا كان الليكود يعتبر بالنسبة إلى هؤلاء رافعةً سياسيةً يتماهون معها بقدر ما تحقق مصالحهم، فإن (القوة اليهودية) يمثل تطلعاتهم الدينية والقومية بكل ما تحمله من رعونةٍ وتطرفٍ ديني سياسي.

وهذا يعني أن القدس والمسجد الأقصى المبارك ستكونان على موعدٍ مع مرحلة قاسيةٍ جداً قد تصل إلى مواجهةٍ شعبيةٍ عاتيةٍ مع مؤسسةٍ سياسيةٍ يمينيةٍ غايةٍ في التطرف، فلم يعد لدى المقدسيين أمام هذا الجنون الإسرائيلي سوى المواجهة الشعبية العارمة، ولا ننسى أننا نمر في هذه المرحلة في الذكرى الثانية لهبة باب الرحمة التي نجح المقدسيون خلالها في تركيع حكومة الاحتلال وجماعاته المتطرفة ومنعِها من السيطرة على المنطقة الشرقية في المسجد الأقصى المبارك.

حدث ذلك عندما كانت تلك الجماعات تشكل قوة ضغطٍ على الحكومة فقط، فكيف حين تصبح جزءاً من الائتلاف الحاكم؟ ولذلك، فإن على أهالي الضفة الغربية والقدس حسم خياراتهم والاستعداد لمرحلةٍ جديدةٍ قد تقلب الصفحة الحالية إلى غير رجعةٍ إن نجحت استراتيجية نتنياهو في الانتخابات القادمة، حيث إنه ببساطةٍ سيحول إسرائيل إلى منظمةٍ دينيةٍ متطرفةٍ على شكلِ دولةٍ.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي