يشكّل "الخط الأصفر" إحدى أبرز الوقائع التي تكشّفت مع انقشاع غبار العدوان على غزة، إذ بات خطاً فاصلاً يُعيد رسم الجغرافيا والسكّان معاً. فشرقَه تمتدّ المساحة التي أبقى جيش الاحتلال الإسرائيلي سيطرته عليها، فيما حُصِر سكّان قطاع غزة في المساحة الواقعة غربَه.
ويمتدّ هذا الخط إلى ما يقارب نصف مساحة القطاع تقريباً، حيث عمل الاحتلال على تكريس مبدأ الإزاحة السكّانية، عبر طرد السكان ودفعهم قسراً نحو غرب الخط الأصفر.
وترافقت هذه السياسة مع عمليات هدم وتدمير واسعة، حوّلت المنطقة إلى مساحة شبه مدمّرة بالكامل، خالية من السكّان، وخارجة عن سيطرة الأجهزة الفلسطينية المدنية والأمنية.
وتضمّ المنطقة الواقعة شرق الخط الأصفر جميع منافذ ومعابر قطاع غزة، سواء مع مصر أو مع الاحتلال الإسرائيلي ما يجعلها ممراً إجبارياً لحركة الدخول والخروج لسكان القطاع المحاصرين في شقه الغربي.
كما تشمل هذه المساحة بشكل شبه كامل منطقتين أساسيتين، هما رفح ومحافظة الشمال، اللتان تشكّلان نافذة غزة على واجهتها البحرية، بما يضيف بُعداً استراتيجياً بالغ الحساسية لهذه السيطرة الجغرافية الجديدة.
يمتدّ على طول الشقّ الشرقي من غزة، وبعمق يقارب 400 متر، شريطٌ جغرافيٌّ مغلق لا تصل إليه أجهزة أمن غزة ولا سكانها. في هذه المنطقة تنشط ميليشيات مسلحة مرتبطة بالاحتلال، وتقدّر مصادر صحفية وأمنية عددها بخمس ميليشيات رئيسية تضم عشرات المسلحين، تتقاسم في ما بينها الأرض والنفوذ.
ويقود هذه الميليشيات أفراد تجمعهم سمات مشتركة في سيرهم الذاتية، أبرزها سوابق جنائية، والتعاون مع الاحتلال، كما عمل بعضهم سابقاً مع أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية.
ومن بين هذه الميليشيات المسلحة تبرز مجموعة تطلق على نفسها اسم "القوة الضاربة لمكافحة الإرهاب"، وتُعرف إعلامياً باسم مجموعة حسام الأسطل (أبو سفن)، نسبة إلى زعيمها، وهو ضابط سابق في جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية، وصادر بحقه حكم بالإعدام بعد إدانته بتهم التخابر والتعاون مع جهازَي الشاباك والموساد منذ تسعينيات القرن الماضي.
وبرز اسم حسام عبد المجيد (الأمير) الأسطل، البالغ من العمر نحو خمسين عاماً، خلال فترة الحرب، عقب إدراجه في بيان صادر عن وزارة الداخلية في غزة في سبتمبر/أيلول 2025، حذّرت فيه الجمهور من التعامل مع عدد من الأسماء، كان الأسطل أحدها.
ولم يكن اسمه جديداً على المشهدين الإعلامي والأمني في القطاع، إذ سبق أن غادر غزة عام 2010 هارباً من ملاحقة الأجهزة الأمنية، قبل أن يعود عام 2022 إثر عملية متابعة واستدراج انتهت بالقبض عليه.
ومكث الأسطل في سجون غزة بانتظار تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه، بعد ثبوت مشاركته، إلى جانب آخرين، في اغتيال المهندس الفلسطيني فادي البطش في العاصمة الماليزية كوالالمبور عام 2018، لصالح جهاز الموساد. وبقي قيد الاحتجاز حتى اندلاع معركة طوفان الأقصى والحرب على غزة.
وتشير مصادر أمنية في غزة تحدثت مع TRT عربي إلى أنه كان محتجزاً في سجن أصداء جنوب القطاع، قبل أن يتمكّن من الهرب بعد نحو شهرين من بدء الحرب.
ووفقاً لذات المصادر، فقد بقي هو وعدد من السجناء الأمنيين داخل السجن مغلقاً عليهم عقب إخلائه بسبب ظروف الحرب، مع ترجيحات بحدوث تدخل إسرائيلي ساعدهم على الفرار.
أما المرحلة التي تلت هروبه من السجن فتظلّ غامضة، إذ لا تتوافر معطيات دقيقة حول نشاطاته خلالها، غير أن مصادر محلية وأمنية تحدثت مع TRT عربي تفيد بأنه التزم الاختفاء ولم يمارس أي نشاط يُذكر، مكتفياً بالتواري عن أعين أجهزة أمن المقاومة في غزة.
وتشير هذه المصادر إلى أنه كان مختبئاً في منطقة المواصي جنوب القطاع، ويتلقى الدعم والرعاية من بعض المقرّبين.
واستمر هذا الوضع إلى أن استشهدت ابنته نهاد، البالغة من العمر 22 عاماً، في قصف إسرائيلي استهدف خيمة كانت تؤويها مع أطفالها جنوب القطاع. بعد هذا الحدث، خرج حسام الأسطل (أبو سفن) من مخبئه، ثم اختفى لفترة قصيرة، قبل أن تتردّد بين السكان أنباء عن التحاقه بميليشيا ياسر أبو شباب المتعاونة مع الاحتلال شرق رفح.
تأسيس أبو سفن لمجموعته الخاصة
في أغسطس/آب 2025، ظهر حسام الأسطل (أبو سفن) في مقطع مصوّر عبر منصات التواصل الاجتماعي، معلناً تأسيس ميليشيا مسلحة خاصة به.
وأفاد في ظهوره أنه انشق عن ميليشيا ياسر أبو شباب، التي قُتل زعيمها ياسر أبو شباب في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الماضي، من دون أن يشير إلى وجود خلافات مباشرة بينهما.
وأوضح الأسطل أن الهدف المعلن لميليشيته يتمثل في محاربة حركة حماس والمقاومة في قطاع غزة، مدّعياً أنه يعمل ضمن مشروع مشترك مع ميليشيات أخرى تحت اسم "غزة الجديدة"، يقوم على بسط السيطرة على كامل مناطق القطاع بعد إقصاء حركة حماس.
وترتكز السردية العلنية للميليشيا، التي تسعى من خلالها إلى اكتساب شرعية واستقطاب منتسبين جدد، على تحميل حماس والمقاومة مسؤولية معاناة سكان غزة والدمار الذي لحق بالقطاع، مع تجاهل دور جيش الاحتلال الإسرائيلي.
غير أن الإعلان العلني عن تبنّي جهاز الشاباك الإسرائيلي دعم هذه الميليشيات، والكشف عن دوره في تشكيلها، أفرغ تلك الشعارات من مضمونها، ووضع هذه المجموعات في مواجهة مباشرة مع القيم الوطنية الراسخة لدى المجتمع الفلسطيني في غزة، التي ترفض أي شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال.
وأدى ذلك إلى عزل هذه الميليشيات اجتماعياً، وحرمانها من أي غطاء شعبي، إذ أقدمت عائلات عدة على التبرؤ من أبنائها المنتمين إليها، من بينها عائلة حسام الأسطل نفسها، التي أعلنت براءتها منه في سبتمبر/أيلول 2025.
واتخذت ميليشيا الأسطل من منطقة قيزان النجار جنوب شرقي مدينة خان يونس مقراً رئيسياً لها، وهي مسقط رأسه، حيث يقيم عناصر المجموعة برفقة عائلاتهم. وتقدّر الأجهزة الأمنية عدد أفرادها بنحو 50 عنصراً تقريباً.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، وبحسب مصادر محلية وأمنية، رُصدت تحركات للمجموعة خارج نطاق تمركزها الأساسي، إذ شوهد عناصرها، وعلى رأسهم حسام الأسطل، يتحركون شرق المنطقة الوسطى من القطاع، حيث اعتدوا على رعاة أغنام من العشائر البدوية المقيمة هناك، وسرقوا عدداً من مواشيهم، وخربوا ممتلكاتهم، وطردوهم من منازلهم.
وتشير التقديرات إلى أن المجموعة اتخذت من مدرسة مساعد شرق مدينة دير البلح مقراً فرعياً لها، يُديره حالياً شخص يُدعى شوقي أبو نصيرة، الملقب بـ"التمساح"، وهو ضابط متقاعد يتبع للسلطة الفلسطينية، وكان محافظاً لمدينة خان يونس عام 2006.
وجاء هذا التوسع بالتزامن مع تقارير إسرائيلية أفادت بأن جهاز الشاباك أوعز إلى الميليشيات الموالية له بتوسيع تحركاتها على جانبي "الخط الأصفر".
وبذلك، باتت مجموعة الأسطل تتقاسم النفوذ في المناطق الجنوبية من قطاع غزة مع ميليشيا أبو شباب، التي رُصدت بدورها وهي تنفذ أنشطة خارج نطاق تمركزها الأساسي شرق رفح، لا سيما في منطقة الشوكة. وكان آخر هذه الأنشطة مرافقة طواقم فنية تابعة لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، في أثناء عملها على إنشاء مركز توزيع قرب معبر كوسوفيم.
وشهدت تلك الفترة اشتباكات مسلحة بين ميليشيا أبو شباب وعدد من السكان المحليين، انتهت بإحراق منازل بعضهم وطردهم من المنطقة.
ولا تتوافر صورة مكتملة حول طبيعة المهمات التي نفذتها ميليشيا الأسطل، باستثناء ما ورد في تقارير صحفية إسرائيلية تحدثت عن قيامها بمهام ميدانية، مثل التمشيط والحراسة الحدودية، لصالح قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي العاملة على الأرض.
وتؤكد مصادر في الأجهزة الأمنية في غزة هذه الروايات، مضيفة أن المجموعة تورطت في ارتكاب جرائم متعددة بحق مدنيين عزل ومقاومين.
وتتهم هذه الأجهزة بعض عناصر الميليشيا، وعلى رأسهم حسام الأسطل، بالمسؤولية عن مقتل عدد من المقاومين في منطقة قيزان النجار، خلال اجتياح مدينة خان يونس في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2024.
كما أفاد مصدر أمني لـTRT بأن المجموعة تقف خلف عمليتَي اغتيال نُفذتا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. الأولى استهدفت محمد أبو مصطفى، الذي تتهمه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالانتماء إلى كتائب المجاهدين وبالضلوع في احتجاز عائلة بيسباس الإسرائيلية داخل غزة.
وأعلنت الأجهزة الأمنية حينها اعتقال أحد المتورطين في العملية، ويدعى م.م، الذي أقرّ بانتمائه إلى مجموعة الأسطل وتنفيذه الاغتيال بتوجيه مباشر منه، فيما تستمر الوزارة في ملاحقة المتعاون مع الاحتلال مصطفى مسعود الذي يعمل في الميليشيا.
أما العملية الثانية فاستهدفت وسيم عبد الهادي، المنتمي إلى ألوية الناصر صلاح الدين، الذي تتهمه إسرائيل بالتواصل مع عناصر مقاومة في الضفة الغربية ونقل أموال إليهم.
فيما تبنى حسام الأسطل في فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي عملية اغتيال المقدم في الأجهزة الأمنية الفلسطينية محمود الأسطل الذي استشهد في 12 يناير/كانون الثاني الماضي.
التنسيق والدعم المادي واللوجستي
وتؤكد عدة مصادر محلية وأمنية، تحدثت إلى TRT عربي، أن حسام الأسطل وميليشياته يتلقون توجيهات ودعماً مالياً ولوجستياً من جهات إسرائيلية وغير إسرائيلية.
غير أن طبيعة الجهة التي تديرهم ميدانياً لا تزال غير محسومة، في ظل تضارب المعلومات حول ما إذا كانوا يتبعون مباشرة لجهاز الشاباك، أو للوحدة 504 التابعة لجيش الاحتلال، أو أنهم يُدارون عبر غرفة تنسيق مشتركة تضم هذه الأطراف مجتمعة.
ووفقاً لتقارير صحفية إسرائيلية، زوّد جيش الاحتلال الميليشيات الموالية له، ومن بينها ميليشيا أبو سفن، بكميات من السلاح والذخائر، مصدرها الأسلحة التي صودرت خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة وجنوب لبنان.
وتشير التقارير ذاتها إلى أن تنسيق تحركات هذه المجموعات ومناطق انتشارها شرق "الخط الأصفر" يحدث عبر مكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، من خلال تصاريح تصدر دورياً وفق الحاجة.
وتشمل هذه الآلية تحديد مناطق وجود العناصر ومسارات حركتهم باعتبارها "مناطق خضراء"، إلى جانب إبلاغ القوات العاملة على الأرض بتحديثات مستمرة بشأنها.
كما تُمنح هذه الميليشيات امتيازات خاصة، من بينها استخدام معبر كرم أبو سالم لإدخال بعض البضائع، إضافة إلى تسهيل شراء المركبات، بمساعدة عدد من التجار العرب من فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948.














