وقّعت الأحزاب العربية مستند تعهد لعودة القائمة المشتركة، والذي حمل عنوان “قائمة مشتركة الآن”، بتوقيعات كل من رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة، ورئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة أيمن عودة، ورئيس حركة العربية للتغيير أحمد الطيبي، ورئيس القائمة الموحدة منصور عباس، مستندًا إلى وثيقة إعادة تشكيل التحالف في خطوة اعتُبرت إعلانًا رسميًا عن عودة الإطار السياسي بعد مرحلة من التفكك والانقسام.
وتُعدّ "القائمة المشتركة" تحالفاً انتخابياً تأسس عام 2015، وضمّ آنذاك أبرز الأحزاب العربية داخل إسرائيل، وشكّل أكبر تمثيل برلماني للعرب في الكنيست قبل أن يتفكك في السنوات الأخيرة.
وجاء التوقيع في ظل ضغط شعبي متزايد أعاد طرح ضرورة توحيد الصف السياسي العربي، إذ عُقد الاجتماع في بلدية سخنين شمالي إسرائيل مباشرة بعد مظاهرة جماهيرية واسعة شهدتها المدينة احتجاجًا على تصاعد الجريمة في المجتمع العربي في الداخل.
وأعاد القرار فتح نقاش واسع في الشارع العربي حول جدوى العمل السياسي الحزبي، وحدود التمثيل البرلماني، والعلاقة المتوترة بين الأحزاب وقواعدها الشعبية، فالقرار لم يأتِ في فراغ، بل في لحظة سياسية واجتماعية مشحونة، تتقاطع فيها حسابات انتخابية وتنظيمية داخلية مع ضغط جماهيري متصاعد يطالب بإعادة ترتيب العنوان السياسي العربي.
وعُقد اجتماع القيادات عقب مظاهرة قطرية واسعة ضد الجريمة والعنف، في مشهد عكس حجم الاحتقان الشعبي واتساع فجوة الثقة بين الشارع وممثليه.
"إعلان نوايا"
وفي حديث خاص لـTRT عربي، أوضح رئيس حزب التجمع الديمقراطي سامي أبو شحادة أن مسار إعادة المشتركة "ليس وليد مظاهرة سخنين"، بل هو ثمرة عمل استمرّ نحو سنةٍ ونصف، منذُ إطلاق مبادرة الحوار الوطني والمجتمعي التي شملت لقاءات مع الحركات السياسية والهيئات الفاعلة في المجتمع العربي.
وأشار إلى أنّه قد عقدت جلسات عدة قبل أحداث سخنين بين ممثلي الأحزاب، مؤكداً أن القناعة لديهم أن المرحلة الراهنة “ظروف وجودية”، في ظل استمرار الحرب في غزة والتصعيد في الضفة والقدس والملاحقات السياسية في الداخل.
وفيما يتعلق بما إذا كانت الخطوة استجابة مباشرة لضغط الشارع، أكّد سامي أبو شحادة أنّ ما جرى في سخنين كان "بمثابة إعلان نوايا"، مشيراً إلى أن العمل جارٍ على إعداد مقترح سيُعرض على بقية الأحزاب ليكون أساساً لإعادة بناء القائمة المشتركة بصورة فعلية.
كما أضاف أن إعادة المشتركة لا تعني توحيد الأحزاب أو إلغاء الخلافات بينها، بل إدارة تعددية سياسية ضمن إطار مشترك، موضحًا أن لكلّ حزب برنامجه وفكره، وأن النقاشات لا تزال قائمة حول طبيعة الأداء السياسي وآلياته وأنهم سوف يشاركون الجمهور بهذا.
أمّا حول قدرة المشتركة على التأثير في ملف الجريمة والعنف، فقد اعتبر سامي أبو شحادة أن نجاحها قد يجعلها قوة برلمانية وازنة، قادرة على العمل المهني وتقسيم الملفات وبناء "لوبيات" (مجموعات ضغط برلمانية) جدية، وعلى رأسها ملف الجريمة، بما يعزز من حضورها وتأثيرها داخل الكنيست.
كما أقرّ بأن الخلافات قد تؤثر على نجاعة الأداء، لكنه شدّد على ضرورة استمرار الحوار الداخلي وتبني مشروع متفق عليه في القضايا الكبرى، وفي مقدمتها الجريمة والتّخطيط، والبناء والتربية والتعليم.
وأشار أبو شحادة إلى أن المؤشرات بعد توقيع الوثيقة "جيّدة"، لافتاً إلى أن استطلاعات الرأي انشغلت بإمكانية عودة المشتركة وعدد المقاعد التي قد تحصل عليها، معتبراً أن ذلك يعكس إدراكاً لأهميتها في الخارطة السياسية.
كما أكد أن الشارع أبدى ارتياحاً للخطوة، وأن الوحدة قد تشكّل عاملاً أساسياً في رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي خلال الاستحقاقات المقبلة.
كما تأتي عودة المشتركة بعد مرحلة من الانقسام أضعفت التمثيل العربي داخل الكنيست، وأدت إلى تراجع ملموس في نسبة التصويت في المجتمع العربي خلال الدورات الانتخابية الأخيرة، ما عزّز شعوراً عاماً بتآكل التأثير السياسي العربي داخل المؤسسة الإسرائيلية، في ظل تصاعد قضايا مركزية كالجريمة المنظمة، والتمييز البنيوي، واتساع فجوات التخطيط والميزانيات.
ويعكس تراجع نسبة التصويت في المجتمع العربي خلال الجولات الانتخابية الأخيرة أزمة أعمق من مجرد خلافات حزبية، إذ ارتبط بشعور متزايد لدى قطاعات واسعة من الجمهور بعدم جدوى التأثير البرلماني في ظل صعود حكومات يمينية متعاقبة.
كما عزّز الانقسام الحزبي صورة مفادها أن الخلافات الداخلية طغت أحياناً على القضايا المركزية، ما أضعف الرغبة في المشاركة السياسية، وعليه، فإن رهان إعادة المشتركة لا يرتبط فقط بعدد المقاعد، بل بقدرتها على استعادة التأثير والتمثيل الفعلي.
خطر وجودي
من جهته، قال رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة أيمن عودة، في حديث خاص لـTRT عربي، إن "التوقيت كان فيه تأثير من الناس"، إلا أنه شدّد على أن المسألة لا تتعلق فقط بضغط الشارع، بل بحسابات سياسية واضحة، معتبراً أن القائمة المشتركة "بتحصيل أكثر مقاعد لإقالة الحكومة".
وأوضح أن التناقض الرئيسي، برأيه، ليس بين مركّبات الأحزاب العربية، بل "بيننا جميعاً من جهة وبين حكومة نتنياهو-بن غفير-سموتريتش من جهة أخرى"، مشيراً إلى أن الخيار بين قائمتين تحصدان عشرة مقاعد ويبقى نتنياهو في الحكم، أو قائمة واحدة تحصد خمسة عشر مقعداً وتمنع بقاءه، هو خيار محسوم.
وأضاف: “الأفضل أن نذهب بـ15 مقعد ونمنع نتنياهو أن يبقى في الحكم، ومن هذه الرؤية نحن نؤيد القائمة المشتركة”.
وأشار عودة إلى أن الدعوة لإعادة المشتركة لم تكن وليدة لحظة سخنين، موضحًا أن الأحزاب الثلاثة –الجبهة والتجمع والعربية للتغيير– نادت بالقائمة المشتركة قبل الإعلان بنحو نصف عام، فيما كانت القائمة الموحدة تعارض ذلك آنذاك، لافتاً إلى أن “الاستجابة العينية حصلت بالأساس من القائمة الموحدة”.
وبشأن ما يختلف عن التجربة السابقة، اعتبر عودة أن وعي الناس اليوم “مختلف عمّا كان قبل حرب الإبادة”، مشيراً إلى أن تصاعد ما وصفه بـ"الفاشية" خلق شعوراً بأن العرب أصبحوا "أقلية في خطر، حتى في خطر وجودي"، مضيفاً أن ملف الجريمة وما يترتب عليه من مسؤولية يتطلب "مسؤولية استثنائية"، وأنّ الخلافات في وجهات النظر "وجب أن تتقزّم أمام ما يحل بالمجتمع العربي من قضايا".
وفيما يتعلق بإدارة الخلافات داخل المشتركة، أقرّ بأن ذلك "تحدٍّ كبير"، معترفاً بوجود فجوات في بعض المواقف، لكنه شدد على الإصرار على الوحدة وتحويل الخلافات من "مناكفات وصراع" إلى نقاش سياسي منظم، مع الإقرار بأن التحدي “غير عادي”.
أما بشأن تراجع نسبة التصويت في المجتمع العربي، فرأى عودة أن الحكومة الحالية عزّزت لدى النّاس إدراك أهمية المشاركة السياسية، مؤكداً أن الشعور المتزايد ب"خطر وجودي مباشر" نتيجة تصاعد العنصرية والفاشية يدفع كثيرين إلى الرغبة في التصويت، حتى لو كان الهدف لذلك هو منع استمرار الحكومة الحالية دورة إضافية.
وفي ردّه على تساؤلات حول دعوته السابقة إلى تصعيد غير مسبوق وعصيان مدني، قال إنه لا يرى تناقضاً بين العمل البرلماني والعمل الجماهيري، معتبراً أن الأحزاب البرلمانية كانت دائماً في طليعة النضالات الشعبية.
وأوضح أن ما طرحه كان “عصياناً مدنياً سلمياً” يستند إلى أدوات اقتصادية، كالإضرابات الشاملة وتشويش العمل في قطاعات حيوية، مشيراً إلى أن "عديداً من أعضاء لجنة المتابعة لم يشعروا بالرّاحة تجاه العصيان المدني السلمي، فطرحتُ أن نذهب بمضامين الأمر بدون عنوان يعني أن ننفذ إضراباً شاملاً وتشويشاً شاملاً دون أن نُطلق عليه اسم العصيان المدني السلمي فوافقوا".
وأكد عودة أن الانشغال بإعادة المشتركة لا يأتي على حساب النضال الجماهيري، مشيراً إلى أن الهدف هو الجمع بين نضال شعبي واسع وقائمة مشتركة تشكل عنواناً موحداً لخوض الانتخابات.
وفي تحذير لافت، قال عودة إن بقاء وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في منصبه لدورة إضافية "يعني ألف قتيل عربي في السنة"، معتبراً أن تغيير الحكومة يشكل أولويّة سياسية وأمنية للمجتمع العربي.
وختم بالإشارة إلى أن مركّبات القائمة المشتركة ستعقد خلال الأسبوع الجاري اجتماعًا لبحث التفاصيل والوصول إلى صيغة متكاملة لخوض الانتخابات المقبلة.
وفي المحصلة، لا تبدو عودة القائمة المشتركة مجرّد إعادة تركيب لتحالف انتخابي سابق، بقدر ما هي اختبار جديد لقدرة العمل السياسي العربي على استعادة ثقته وثقة جمهوره في لحظة توصف بأنها مفصلية.
وبين ضغط الشارع الغاضب من تفشي الجريمة والعنف، وحسابات منع استمرار الحكومة الحالية، ومحاولة ترميم التمثيل البرلماني، تتقاطع رهانات متعددة في مشروع واحد لم تتضح معالمه بعد.
فالوثيقة التي وُقّعت في سخنين "القائمة المشتركة الآن" قد تشكّل بداية مسار، لكنها لا تُغني عن ترجمة فعلية إلى برنامج سياسي واضح وآليات عمل مختلفة عمّا سبق. وبين إعلان النوايا واختبار الواقع، يبقى الشارع ، لا الوثائق هو الحكم النهائي على جدوى هذه العودة.











