وبحسب تقرير للمجلة، خفّضت حكومة المستشار الألماني فريدريش ميرتس الشهر الماضي توقعات النمو لعام 2026 من 1.3% إلى 1%، في وقت تحولت فيه وعود الإصلاح الطموحة إلى خلافات داخل الائتلاف الحاكم حول قضايا مثل تأمين الأسنان وضريبة الميراث.
وبعد تسعة أشهر فقط من تولي الحكومة مهامها، بدأ شعور بالجمود يخيّم على الأوساط الاقتصادية، مع تصاعد إحباط الشركات، حتى إن أحد كبار رجال الأعمال وصف الانتقال من “نشوة انتخاب ميرتس” إلى “صدمة تامة” إزاء مسار الاقتصاد الألماني.
رفع الإنفاق الدفاعي
ومع ذلك، ترى المجلة أن بعض هذا التشاؤم قد يكون مبالغاً فيه، إذ كانت الآمال معلّقة على حزمة تحفيز مالي غير مسبوقة. ففي مارس/آذار الماضي، وبمبادرة من ميرتس، أقر البرلمان الألماني (البوندستاغ) صندوقاً بقيمة 500 مليار يورو (595 مليار دولار) ممولاً بالدَّين لتمويل مشاريع المناخ والبنية التحتية، مع استثناء معظم الإنفاق الدفاعي من قيود كابح الديون الدستوري.
كما تذكر الإيكونوميست أن ميرتس تعهد ببناء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”، واضعاً خطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، أي قبل الموعد الذي حدده حلف شمال الأطلسي بست سنوات.
وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أقرت ألمانيا ميزانية بقيمة 524.54 مليار يورو لعام 2026، خصصت منها 82.69 مليار يورو للقوات المسلحة الألمانية (البوندسفير)، أي نحو 15% من إجمالي الإنفاق العام.
ورغم أن هدف بلوغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول 2029 لا يزال غير مرجح، فإن مسار الإنفاق العسكري الألماني يتجه بوضوح نحو التصاعد، وتمثل ميزانية 2026 خطوة كبيرة إضافية في جهود برلين لإعادة التسلح.
وتلفت المجلة إلى أن ألمانيا، التي عُرفت سابقاً بصرامتها المالية، سجلت عجزاً يعادل 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، مع توقع اتساعه في الأعوام المقبلة، كما ارتفع الإنفاق الدفاعي من 47 مليار يورو عام 2021 إلى 108 مليارات يورو متوقعة هذا العام، أي ما يعادل نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتعيد الإيكونوميست جذور مسار إعادة التسلح إلى عام 2022، عقب الحرب الروسية-الأوكرانية، حين أعلن المستشار أولاف شولتس “تحولاً تاريخياً” في السياسة الأمنية، وهو المسار الذي سرّع ميرتس وتيرته لاحقاً.
مرحلة جديدة
وفي هذا السياق، قال لورينزو سكارازاتو، الباحث في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد SIPRI، إنه “للمرة الأولى منذ إعادة توحيد ألمانيا، أصبحت أكبر منفق عسكري في أوروبا الغربية، ويرجع ذلك إلى صندوق الدفاع الخاص بقيمة 100 مليار يورو الذي أُعلن عنه في 2022”.
وأضاف سكارازاتو للمجلة أن السياسات الأخيرة في ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية تشير إلى دخول القارة مرحلة من الإنفاق العسكري المرتفع والمتصاعد، يُرجح أن تستمر في المستقبل المنظور.
وتوضح المجلة أن نحو ثلثي النمو المتوقع هذا العام يعودان إلى السياسة المالية، في ظل ارتفاع طلبات التصنيع، مدفوعة على الأرجح بزيادة الإنفاق على الأسلحة والذخائر، إلى جانب معدّات كبرى مثل المركبات المدرعة وأنظمة الدفاع الجوي وتقنيات الفضاء.
وينقل التقرير عن يوهانس بيندر من معهد كيل للاقتصاد العالمي قوله إن الأمر يحتاج إلى مزيد من البيانات لتحديد ما إذا كان ما يحدث مجرد “وميض عابر” أم تحولاً حقيقياً، مع وجود أسباب تدعو إلى التفاؤل الحذر.
لكن الإيكونوميست تطرح سؤالاً محورياً حول قدرة الصناعة الألمانية على تحويل الطلبيات إلى إنتاج فعلي بوتيرة كافية، ويشير أوليفر راكاو من أوكسفورد إيكونوميكس إلى أن شركات السلاح استجابت للطلب المتزايد بصورة معقولة، لكنها لم تتحرك بالسرعة المطلوبة لتجنب تراكم الطلبيات.
وتضيف المجلة أن الاختناقات في الطاقة الإنتاجية، ونقص العمالة، والبيروقراطية، تمثل تحديات هيكلية في الاقتصاد الألماني، بما في ذلك قطاع الدفاع، فيما تشتكي شركات من بطء إجراءات التصاريح الأمنية. ومع ذلك، يشبّه كارستن بريزسكي من بنك ING الاقتصاد الألماني بـ”زجاجة الكاتشب” التي لا ينساب محتواها إلا بعد هزّ طويل، قبل أن يتدفق فجأة.
وتنبه الإيكونوميست إلى أن ارتفاع الطلبيات لا يعني تعافياً شاملاً، إذ لا يزال الإنتاج الصناعي أقل بنحو 15% مقارنة بذروته عام 2018، فيما تعاني قطاعات السيارات والكيماويات ضَعفاً ملحوظاً، وتفقد ألمانيا نحو 14 ألف وظيفة صناعية شهرياً. ورغم احتمال إعادة توظيف بعض العمال أو المصانع لإنتاج معدّات عسكرية، فإن هذا الانتقال ليس متاحاً لجميع العاملين.
وترى المجلة، نقلاً عن قسطنطين هافنر من جمعية فراونهوفر، أن توجيه الإنفاق بذكاء قد يدفع الابتكار في مختلف قطاعات الاقتصاد، خصوصاً مع تلاشي الفجوة بين التكنولوجيا الدفاعية والمدنية، وسيذهب جزء كبير من الأموال إلى شركات راسخة مثل راينميتال، لكن دعم الشركات الناشئة في ميونخ العاملة في مجالات المسيّرات والروبوتات والذكاء الصناعي الدفاعي قد يخلق آثاراً إيجابية أوسع، كما يقترح بيندر تخصيص نسبة معيارية من الإنفاق الدفاعي للبحث والتطوير.
وفي ختام تحليلها، ترى الإيكونوميست أن التعافي الألماني لن يكون فورياً، فبسبب صعوبات تحويل الطلبيات إلى إنتاج فعلي، يتوقع راكاو نمواً بنحو 0.8% هذا العام، أقل من تقديرات الحكومة، قبل أن يتسارع الإيقاع في النصف الثاني من 2026 ويزداد زخماً في العام التالي. وبحسب تقدير المجلة، فإن التعافي ليس وشيكاً تماماً، لكنه أيضاً ليس بعيد المنال.


















