استراتيجيات خنق المدن.. كيف يهدّد الدعم السريع مدينة الأبيض؟
العالم
6 دقيقة قراءة
استراتيجيات خنق المدن.. كيف يهدّد الدعم السريع مدينة الأبيض؟منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، أصبحت استراتيجية الحصار التي تنتهجها قوات الدعم السريع على مدن مثل الفاشر، كادوقلي، والدلنج التي فك الجيش حصارها في 26 يناير/كانون الثاني 2026 محوراً رئيسياً في الصراع.
يُظهر مسار الحرب في السودان أن حصار المدن لا يتحدد بالقوة العسكرية وحدها، بل بقابلية المدينة البنيوية للحصار / AA
منذ 2 ساعات

أسلوب قوات الدعم السريع في فرض الحصار اعتمد بشكل رئيسي على إغلاق الطرق الرئيسية ومحاور الإمداد المحيطة بالمدن، وإنشاء تحصينات أرضية وحفر خنادق في الضواحي للتحكم في المداخل والمخارج، ومنع تدفق الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، إضافة إلى الاعتماد على قوات متحركة لمراقبة المناطق المحيطة ومصادرة الإمدادات. 

هذه الأساليب ساهمت في خلق بيئة عسكرية وإنسانية قاسية أدّت إلى نقص حاد في المواد الأساسية داخل المدن المستهدفة، وتسجيل حالات مجاعة وارتفاع معدلات سوء التغذية بين السكان المدنيين، ظهر ذلك في مدينتي كادوقلي والدلنج في ولاية جنوب كردفان ومثلت حالة الفاشر النموذج الأبرز.

وتأتي محاولات قوات الدعم السريع لفرض حصار على مدينة الأبيض امتداداً لهذه الاستراتيجية في حصار المدن، التي واجهت فيها قوات الدعم السريع تحدياً كبيراً  في الأبيض نتيجة عوامل عديدة أهمها طبيعة المدينة الجغرافية والاجتماعية. 

الحصار إلى فك العزلة 

حاولت قوات الدعم السريع منذ البداية فرض حصار عسكري حول الأبيض عبر السيطرة على المداخل والطرق القومية، ولا سيما الطريق الرابط بين الأبيض ومدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، وذلك عن طريق بسط نفوذها في المناطق المحيطة بالمدينة مثل أم روابة والرهد وبارا، ما أعاق وصول الإمدادات والعتاد إلى الجيش وحوّلها إلى هدف رئيس في خط إمداد الجيش، كما عملت على مراقبة ومعاقبة الشاحنات والقوافل العسكرية والتجارية في تلك المحاور. 

هذه السيطرة على الطرق شكلت محاولة لعزل المدينة واستنزافها، بجانب تشديد الحصار الذي بدأ منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، وشمل أيضاً أعمال قصف مدفعي وطائرات مسيّرة على مواقع داخل المدينة، ما أثر في المدنيين والبنية التحتية، بحسب مصادر صحفية وتقارير ميدانية. 

الجيش السوداني بدوره رد على هذا التحدي من خلال تحول إستراتيجي في التكتيكات القتالية وتطوير قواته الميدانية، ومن أبرز أدواته تشكيل قوة متحركة أُطلق عليها اسم "متحرك الشهيد الصياد"، وهي قوة مختلطة تتضمن وحدات من الفرقة الخامسة (الهجانة) وقوات من النيل الأبيض وقوات مكافحة الإرهاب، وغيرها من التشكيلات التي خُصصت لتنفيذ عمليات هجومية عابرة للمناطق. 

هذه القوة المتحركة نجحت في استعادة مدينة أم روابة والرهد، ومن ثم اقتحام محاور قريبة من الأبيض، ما مهد لفتح الطريق القومي بين كوستي والأبيض، وأدى عملياً إلى فك الحصار عنها في 23 فبراير/شباط 2025 بعد ما يقرب من عامين من العزلة. 

فتح هذا الطريق بشكل دائم أعاد سيطرة الجيش على محور الإمداد الحيوي بين النيل الأبيض وشمال كردفان، وهو ما اعتُبر تحولاً إستراتيجياً كبيراً في جبهة الحرب، وقد مكّن الجيش من دعم مواقع دفاعه في الأبيض بشكل أفضل وتوسيع نطاق عملياته نحو مناطق أخرى. 

في أثناء المعارك حول المدينة، لم تقتصر أنشطة الجيش على متحرك الصياد فقط، بل استُخدمت تكتيكات دفاعية هجومية متعددة لتأمين الطرق، ومنع الدعم السريع من إعادة قطع الطريق القومي أو استهداف خطوط الإمداد. 

 أحد مظاهر ذلك يتمثل في دمج الوحدات الميدانية من الفرقة الخامسة مشاة ("الهجانة") مع وحدات خاصة وقوات متنقلة تكون أكثر مرونة في التحرك داخل السهول والأراضي المفتوحة.

قوات الدعم السريع بقيادة حسين برشم وهو أحد القادة المحليين الذين استهدفوا شمال كردفان منذ نهاية عام 2023 إضافة الى بعض القادة المحليين من ولايات كردفان، مثل القائد "شيريا"، استخدمت هي أيضاً عناصر متحركة بسرعة عالية وأحياناً تحركات ليلية لاستهداف نقاط التفتيش والتمركزات على الطرق المفتوحة، بجانب إقامة مئات الحواجز غير الرسمية على الطرق الفرعية التي تؤدي إلى الأبيض، مع استغلال تضاريس السهول لشن كمائن وهجمات مضادة على قوات الجيش وقوافل الإمداد.

 وشكل انتشارها حول بارا وأم روابة وشمال كردفان، وزجها في معارك طويلة زمنية ضغطاً كبيراً على خطوط الجيش، ما اضطر الجيش إلى توظيف تكتيكات جديدة وأنظمة قيادة أكثر تنسيقاً بين وحداته المنتشرة على الجبهة من أجل الاستجابة للتهديدات من عدة محاور. 

السياق الجغرافي والاجتماعي 

يُفسَّر تعثّر أي حصار كامل لمدينة الأبيض من خلال عاملين متداخلين: شبكة الطرق البرية، والتركيب الاجتماعي-القبلي المحيط بالمدينة. هذان العاملان يعملان معاً ميدانياً، فيحوّلان الحصار من عملية عسكرية مغلقة إلى وضع هشّ قابل للاختراق المستمر.

جغرافياً، لا تشبه الأبيض مدناً منغلقة مثل الفاشر. فهي تقع في قلب سهل مفتوح، وترتبط بشبكة واسعة من الطرق القومية والفرعية والمسارات شبه الموسمية.

 الطريق القومي الأبيض–كوستي يشكّل العمود الفقري الذي يربط شمال كردفان بوسط السودان والنيل الأبيض، وتتفرع عنه شبكات نقل ثانوية نحو القرى والمراعي ومناطق الزراعة المطرية. وإلى جانبه، توجد محاور أخرى مثل الأبيض–بارا–أم درمان، والأبيض–أم روابة–الرهد، إضافة إلى مسارات غير معبّدة يستخدمها الرعاة والتجار منذ عقود، ولا يمكن ضبطها عسكرياً بشكل كامل لغياب نقاط العبور الإجبارية.

هذه الطبيعة الشبكية تجعل الحصار عالي التكلفة، إذ يتطلب انتشاراً دائماً لقوات كبيرة لتأمين عشرات المسارات، وليس مجرد السيطرة على طريق رئيسي. لذلك، ورغم نجاح قوات الدعم السريع أحياناً في تعطيل الحركة النظامية عبر السيطرة المؤقتة على بعض المحاور، فإنها فشلت في إغلاق المجال الحيوي بالكامل، إذ كان كل إغلاق يقابله فتح لمسار بديل أقل وضوحاً.

اجتماعياً، تحيط بالأبيض مجتمعات قبلية متماسكة تاريخياً، مثل المجانين والحَمَر والبديرية والكبابيش، وهي مجتمعات تشكّل الامتداد الاقتصادي والاجتماعي للمدينة. تعاملت هذه المجتمعات مع الحصار كتهديد مباشر لنمط حياتها، فمارست مقاومة اجتماعية غير نظامية عبر حماية المسارات، إخفاء الطرق، تأمين الإمدادات، وأحياناً الاشتباك المحدود. هذا التفاعل بين الطريق والمجتمع جعل السيطرة على الطرق مشروطة بالقبول الاجتماعي، وهو ما لم يتحقق، بينما استفاد الجيش من الواقع نفسه بتثبيت طريق الأبيض–كوستي اجتماعياً قبل تثبيته عسكرياً، محوّلاً إياه إلى شريان حياة يصعب قطعه.

لماذا يصعب حصار الأبيض؟ 

يُظهر مسار الحرب في السودان أن حصار المدن لا يتحدد بالقوة العسكرية وحدها، بل بقابلية المدينة البنيوية للحصار. ويبرز هذا بوضوح عند مقارنة حصار الفاشر، الذي انتهى بسقوط المدينة، بمحاولات حصار الأبيض التي تعثرت ولم تصل إلى الإغلاق الكامل. هذا التباين يعود إلى اختلافات عميقة في الجغرافيا، وشبكات الطرق، والبنية الاجتماعية، والتمركز العسكري.

تقع الفاشر في بيئة جغرافية أكثر انغلاقاً، تحيط بها مسارات محدودة وسكان أقل كثافة، ما سهّل التحكم في الطرق المؤدية إليها وإقامة طوق حصار متماسك عبر السواتر والخنادق ونقاط التمركز. ومع الوقت، أدى ذلك إلى عزل المدينة واستنزاف مواردها المدنية والعسكرية، فتحول الحصار إلى أداة خنق بطيء انتهت بانهيار القدرة على الصمود.

في المقابل، تقع الأبيض في قلب كردفان ضمن سهل مفتوح بلا عوائق طبيعية، وترتبط بشبكة كثيفة من الطرق القومية والفرعية والمسارات غير الرسمية.

 الأبيض ليست مدينة طرفية، بل عقدة مواصلات رئيسية تربط عدة أقاليم، ما يجعل أي محاولة حصار بحاجة إلى انتشار واسع ومستمر لقوات كبيرة، وهو أمر مكلف بشرياً ولوجستياً وغير قابل للاستدامة. لذلك، لم تؤد السيطرة المؤقتة على بعض الطرق إلى حصار فعلي، إذ سرعان ما كانت الحركة تُستعاد عبر بدائل متعددة.

العامل الاجتماعي كان حاسماً أيضاً، إذ تحيط بالأبيض مجتمعات قبلية متماسكة، تشكل امتدادها الاقتصادي والاجتماعي، وتعتمد عليها كسوق ومركز خدمات، بينما تمثل في الوقت نفسه عمقها الغذائي والبشري. ومحاولة عزل المدينة اصطدمت بمقاومة اجتماعية غير نظامية، شملت حماية المسارات والإمدادات ورفض التعاون، وأحياناً الاشتباك المباشر، ما حرم قوات الدعم السريع من الاستخبار المحلي، وأجبرها على العمل في بيئة معادية.

عسكرياً، شكّل وجود الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة) عنصر توازن، إذ اعتمد الجيش نمط دفاع نشط قائم على قوات متحركة وعمليات فتح الطرق وضرب أطراف الحصار، وبذلك اصطدم أي حصار محتمل للأبيض بأربعة عوائق متزامنة: جغرافيا مفتوحة، شبكة طرق مرنة، محيط اجتماعي متماسك، وتمركز عسكري قابل للتكيّف، ما حوّل الحصار إلى استنزاف غير مضمون بدل أن يكون أداة حسم.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
ترمب يعلن عن "اتفاق تجاري" مع الهند يتضمن التوقف عن شراء النفط الروسي
بزعم مهاجمة أهداف لحزب الله.. جيش الاحتلال يشن غارات جوية على قريتين جنوبي لبنان
الصفدي يقول إنّ الأردن لن يكون ساحة حرب ضد إيران.. وعراقجي: مستعدون للمفاوضات الدبلوماسية
فنزويلا تصدّر إلى الولايات المتحدة أول شحنة غاز مسال في تاريخها
قوى الأمن السوري تدخل الحسكة وعين العرب.. واستعدادات لإجراء الانتخابات البرلمانية في الرقة
حماس تؤكد اكتمال الترتيبات لتسليم السلطة.. واستعدادات مصرية لاستقبال جرحى ومرضى من غزة
سوريا تبدأ تنفيذ اتفاق الاندماج.. استعدادات أمنية لدخول عين العرب والحسكة
إسرائيل توسّع عملياتها جنوبي لبنان وتقصف سيارة على طريق صور
بعد نقلهم من سوريا.. العراق يفتح ملفات التحقيق مع عناصر داعش الإرهابي
إيران تدرس مسارات دبلوماسية مع أمريكا وتستدعي سفراء أوروبا احتجاجاً على تصنيف جيشها جماعة إرهابية
الذهب يواصل الخسائر ويهبط بأكثر من 8% والفضة تتكبد خسائر قوية والدولار يستقر
فتح معبر رفح في الاتجاهين وبدء توافد الفلسطينيين وسط قيود لدخول وخروج الجرحى
توقيف عشرات المحتجين على ممارسات وكالة الهجرة في لوس أنجلوس
ترمب يكشف عن محادثات مع كوبا ويُعرب عن تفاؤله بإبرام اتفاق معها
رسائل أمريكية إلى طهران لعقد مفاوضات.. وعراقجي: واثق بإمكانية التوصل إلى اتفاق