تعد كل من ساحل العاج وغانا أكبر مصدرين لمادة الكاكاو في العالم (Sia Kambou/AFP)

منهم من لم يتعدَّ عمره خمس سنوات، محرومون من التعليم، ينخرهم الجوع والفقر، والمبيدات السامة وسوء المعاملة داخل مزارع الكاكاو بإفريقيا الغربية. عزيزي القارئ تذكر: كلَّما ركنت إلى قطعة شوكولاتة تتلذذ بها بعد يوم منهك من العمل، تحلي بها احتفالاتك، أو تكسب بها مودة شخص عزيز عليك.. بأن الكاكاو الذي تحتويه، باحتمال 60%، مرَّ على أيدي أطفال يسامون سوء العذاب خلال عملية جنيه ومن أجل راتب دولار واحد لليوم!

هي مأساة الأطفال العاملين في مزارع الكاكاو بكل من ساحل العاج وغانا، والذين من أجلهم وقعت حكومة الدولتين اتفاق تعاون للحد من تلك الظاهرة. حيث تتحدث الأرقام عن أن 45% من العمالة بتلك الزراعة لم تتعدَّ سن 17 سنة، كما دقت سنة 2020 وما عرفته من أزمة صحية ناقوس خطر ازدياد تلك النسبة. في حين تبقى جهود المهتمين سواء الحكومتين أو كبار مصنعي الشوكولاتة، أو حتى الـ"يونيسيف" محدودة في التعاطي مع المشكلة.

شوكولاتة بطعم العبودية!

تعد كل من ساحل العاج وغانا أكبر مصدرين لمادة الكاكاو في العالم، حيث تمثل صادرتهما تباعاً 40% و20% من مجموع الإنتاج العالمي من المادة. كما يعرف هذا القطاع في البلدين الإفريقيين باستغلاله الأطفال للعمالة في المزارع الاستوائية للكاكاو، في ظروف تصفها منظمة "مشروع تدعيم الغذاء" غير الحكومية الأمريكية بـ"العبودية" التي تتضمنها صناعة الشوكولاتة.

يكشف تقرير المنظمة المذكورة بأن زراعة الكاكاو بساحل العاج وغانا تشغل أزيد من 2.1 مليون طفل، تتراوح أعمارهم ما بين 5 و16 سنة، 40% منهم إناث. حيث يواجه هؤلاء الأطفال شتى المخاطر، وفي ذلك السن الصغير يستعملون أسلحة حادة أدت في كثير من المرات إلى بتر أحد أطرافهم أو إصابتهم بعاهات دائمة، ويرغمون على تسلق أشجار الكاكاو العالية حيث السقطة من هناك كفيلة بالقضاء نهائياً على حياتهم. إضافة إلى تعرضهم اليومي، ولأزيد من 12 ساعة عمل، دون أي قفازات أو ملابس واقية، إلى المبيدات السامة التي يرشها المزارعون على المحصول، أغلبها مسرطنة كما تسبب أمراضاً تنفسية وبصرية وجلدية.

كل هذا براتب يومي ما بين 0.5 و1.25 دولار أمريكي. ومنهم قطاع كذلك يعمل دون مقابل مالي، يتاجر بهم في شبكة رق من مزرعة إلى أخرى بين البلدين. تؤكد ذلك آبي ميلز، مديرة مشاريع بالمنتدى الدولي لحقوق العمال، بأن "كل الدراسات التي أجريت على زراعة الكاكاو بإفريقيا أثبتت وجود شبكات اتجار بالبشر تنشط في توفير اليد العاملة من الأطفال، خاصة في ساحل العاج". بكل ما تحمله هذه الممارسة من عنف بدني، وتجويع واضطهاد دائم، وأخطار تزيد عن أقرانهم من العمال الآخرين. يقول إدريسا، وهو أحد العبيد المحررين من تلك المزارع بساحل العاج، بأنه "على الناس عندما يأكلون الشوكولاتة أن يتذكروا بأنهم يأكلون لحمي".

فيما لا يبدو لهذه الوضعية من نهاية في آجال قريبة، بل تزيد اتساعاً تزامناً مع الأزمة الصحية التي تجتاح العالم. حيث يؤكد تقرير اليونيسيف للسنة الماضية بأن "عدد الأطفال العاملين بمزارع الكاكاو زاد بـ21% خلال سنة 2020، وهذه النسبة مرجحة للاتساع مع استمرار إجراءات الإغلاق وانعدام الأمن الاقتصادي الذي صحب تفشي وباء كورونا".

جهود.. غير كافية!

يوم الخميس 5 أغسطس/آب الجاري، وقعت كل من حكومتي ساحل العاج وغانا على اتفاق إنشاء آلية تعاون بخصوص حول عملية تسعير إنتاج الكاكاو ومكافحة عمالة الأطفال في هذه الزراعة. حيث أكدت الحكومتان سعيهما لاستخلاص الحصة الكبرى من عائدات صناعات الشوكولاتة، إزاء ذلك أوضحت وزيرة الخارجية الغانية شيرلي أيوركور بوتشواي أن بلادها توافقت مع ساحل العاج على إنشاء هيئة مشتركة للتعاون في مجال الأبحاث وتحديد الأسعار وعمالة الأطفال. مضيفة بأن البلدين "قاما بالتنسيق سابقاً في شأن بعض هذه القضايا، لكن الهيئة الجديدة تمثل خطوة رسمية نحو شراكة أكثر فاعلية".

هذه الجهود تتمحور أساساً في برامج أمنية، ترصد لها الدول المعنية قواتها لمطاردة شبكات تهريب الأطفال، وتتابع قضائياً المزارعين الذين يقومون بتشغيلهم، وتجميع الأطفال في مراكز إعادة تأهيل حيث يعادون إلى المدارس من جديد، حيث أغلب الأطفال العاملين هناك أميون، بالمقابل تجهد تلك الدول في بناء المدارس وتوظيف المعلمين. لكنها تبقى جهوداً من الصعب أن تحقق أهدافها، وذلك راجع لضعف الموار المالية لتمويل تلك المشاريع، واستشرء الفساد في سلطات البلدين، وعوز الآباء ممَّا يعني أن مصادرة ابنهما انقطاع مصدر رزق لعائلة قد تتسع لعدة أفراد.

بالمقابل توصي منظمة اليونيسيف في تقريرها المذكور من أجل فك تلك المعضلة بـ: تقديم مساعدات مالية للعائلات بالقدر الذي يغنيها عن الاعتماد على الأبناء في إطعامها، وربط تلك المساعدات بتمدرس الأبناء ووقف توججهم للمزارع، وتحسين جودة النظام التعليمي والبنى التحتية الدراسية في المناطق المعروفة بزراعة الكاكاو بالبلدين.

فيما يحقق سوق الشوكولاتة العالمي رقم معاملات يرجح أنه قد يصل إلى 200 مليار دولار في ظرف السنوات الخمس القادمة، تسطر على الجزء الأكبر منها ثلاث شركات عالمية كبرى. هذه الشركات التي تحدثت تقارير حقوقية سابقة عن تورطها في مآسي أطفال مزارع الكاكاو، حيث لم تتخذ أية إجراءات أو خطوات حقيقية لمعالجة تلك القضية. بل فشلت في التزاماتها مع الحكومة الأمريكية في هذا الصدد، بحسب بروتوكول 2001 للحد من عمالة الأطفال في تلك الصناعة. بالمقابل تستمر هذه الشركات في استغلال الأطفال في صناعتها، مستفيدة من الأسعار المنخفضة للمواد الخام جراء ذلك النوع من العمالة، متملصة من مسؤوليتها في ذلك.

TRT عربي