وقع قائد حرس الحدود الإيراني، العميد "قاسم رضائي" وقائد قوات خفر السواحل الإماراتي العميد "علي محمد مصلح الاحبابي"،مذكرة تفاهم لتعزيز العلاقات وترسيخ أمن الحدود (ارنا)

في الوقت الذي لجأت فيه الدول إلى حلفائها وأصدقائها، وتحديداً في شهر مارس/آذار 2020 وسط حالة من الخوف ناجمة عن فيروس كورونا الجديد حينها، نزلت طائرة إماراتية وسط العاصمة الإيرانية طهران بشحنتين من المساعدات الإنسانية لمساعدتها في مكافحة تفشي الوباء.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بعدها بأشهر قليلة ظهر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في محادثة افتراضية مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد وصفها حينها بالودية. كان اللقاء بمثابة عودة حبل الدبلوماسية المقطوع منذ عام 2016.

هذه العودة للعلاقات، جاء معها بالتوازي مسار متناقض تشكله الإمارات، ففي الفترة ذاتها اقتربت أبو ظبي من تل أبيب -العدو الأول لطهران- أكثر، إلى حين تتويج ذلك التقارب إلى اتفاق أمريكي يعرف باسم "أبراهام" طبّع العلاقات بينهما.

اللافت في هذا التطبيع أنه قائم على أساس معاداة إيران في المنطقة، وهو ما طرح المعضلة ذاتها في سياسة الإمارات الخارجية بين حلفائها الرئيسيين في المنطقة -السعودية وإسرائيل- و "عدوهما" الرئيسي إيران.


بين المنزلتين

مطلع عام 2019 وبينما تشير أصابع الاتهام الأمريكية وحلفائها في المنطقة إلى إيران عقب تعرض أربع ناقلات نفط خليجية لهجوم مقابل، كانت الإمارات وحدها من بقيت مُحافِظة على صمتها إزاء الحادثة داعية لضبط النفس.

في السنة ذاتها، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني نقلاً عن مصادر أمنية إماراتية أن مستشار الأمن القومي للإمارات طحنون بن زايد نفذ زيارة سرية لإيران بعد هذه الحادثة، مشيراً إلى أن مهمته جاءت في إطار اتباع أبوظبي نهجاً أكثر ليونة مع طهران.

يشير الموقع إلى أن الإمارات كانت قد أظهرت أكثر من علامة على مواصلة علاقاتها مع إيران، كما أعلنت نيتها سحب قواتها من اليمن، بل وعملت على إرسال ضباط البحرية للقاء نظرائهم في إيران.

ويعتبر الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ستيفان لا كروا أن الإماراتيين الذين يشاركون السعودية في حملتها ضد إيران، غير مقتنعين بذلك، إذ يرى أن طهران ليست في صدر أولويات الإمارات حالياً إلا أن تحالفهم مع السعوديين، والذي يدر عليهم منافع أخرى، يجعلهم طرفاً في هذه العملية.

معهد الشرق الأدنى يرى أن طبيعة التداخل المباشر الصغير بين الموقفيْن الاستراتيجييْن الإسرائيلي والإماراتي إزاء إيران يُظهِر أنّ وجود "عدو مشترك" لا يكفي على الأرجح لتأمين التحالف الاستراتيجي.

ففي حال المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، لا يجوز اعتبار الدعم الإماراتي من المسلّمات، حتى في ظل تشكّل الروابط الجديدة. وإلى ذلك، إذا تمّ تقديم الدعم، قد لا يكون واسعاً بقدر ما يتوقّع البعض حاليًّا داخل إسرائيل.


لذلك، تختلف علاقتا الإمارات وإسرائيل مع إيران بشكلٍ جذري، وتنشأ الاختلافات جزئيّا من المواقف الإقليمية الخاصة بهذين البلدين، إذ ترى طهران وأبوظبي بعضهما بعضاً كخصميْن يناوران لحيازة السلطة في المنطقة، فيما ترى إسرائيل النظام الإيراني على أنه "الشر المطلق" وكخطر وجودي وشيك.


يظهر هذا الاختلاف جلياً في سوريا، حيث تنفذ إسرائيل ضربات عسكرية متواصلة على مواقع إيرانية داعمة لنظام الأسد، فيما تظهر الإمارات دعمها له، والذي توجته بإعادة فتح سفارتها في دمشق.

لم يتوقف الدعم الإماراتي عند السياسة فقط بل شكلت دبي عبر شركاتها وبنوكها أحد أهم الحدائق الخلفية لنظام الأسد مما جعلها هدفاً رئيسياً لقانون العقوبات الأمريكي المعروف باسم "قيصر".

الاقتصاد أولاً

في مارس/آذار الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على خمس شركات إماراتية بتهمة نقل نفط إيراني وتجاوز الحظر الأمريكي، لحقتها جملة من العقوبات كان آخرها على شركتَي ألفا تك تريدينج وبتروليانس تريدينج اللتين تتخذان من الإمارات مقراً لهما، بسبب تسهيلهما تصدير منتجات بتروكيماوية إيرانية بواسطة شركة تريليانس للبتروكيماويات المحدودة التي استهدفتها واشنطن بعقوبات هذا العام.

الإمارات التي تتخذ من إيران عدواً، لم تكتف عند ذلك بل مضت بقوة في دعم حليف طهران الرئيسي في المنطقة بشار الأسد، عبر قنوات مالية من دبي واحتضانها رجالَ الأعمال التابعين له والذين يمولون عملياته العسكرية، مما جعلها عرضة أيضاً للعقوبات الأمريكية.

بالمقاربة ذاتها في تعاملها مع الولايات المتحدة، تؤسس أبو ظبي تصورها للعلاقة مع إيران عقب "تحالفها الاستراتيجي" مع إسرائيل، إذ تضع المصلحة الاقتصادية فوق كل اعتبار رغم كل الشعارات المرفوعة من طرفها.


وقال فرزاد بيلتن، مدير مكتب الشؤون العربية والإفريقية بمنظمة تنمية التجارة الإيرانية، إن صادرات بلاده إلي الدول العربية وصلت إلى 8.5 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الإيراني الجاري الذي بدأ في 20 مارس/آذار.


وكشف بيلتن في تصريح له في سبتمر الماضي، أن الصين والعراق والإمارات في المراتب الثلاثة الأولى من الدولة المستهدفة في الصادرات الإيرانية، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية "فارس".


وأضاف المسؤول الإيراني أن "الدول العربية الخمس في قائمة الدول الـ20 الأولى المستهدفة بالصادرات الإيرانية هي العراق في المرتبة الثانية بنحو 5.3 مليار دولار والإمارات في المرتبة الثالثة بنحو 3.7 مليار دولار وعمان في المرتبة 13 بـ244 مليون دولار".


وتحتل الإمارات المرتبة الثانية في سلم أكبر مصدِّري البضائع إلى إيران بعد الصين بحسب إحصائية الربع الأول من العام الجاري، فيما بلغ حجم التبادل بين الدولتين العام الماضي 11 مليار دولار منها 6 مليارات دولار صادرات إيران إلى الإمارات، حسب وكالة فارس.


وكان رئيس رابطة التجار الإيرانيين في الإمارات عبد القادر فقيهي قد قال في نوفمبر 2020: "لمسنا انفتاحاً في الإمارات لاستئناف أجواء التجارة مع إيران"، مضيفاً أنه وفقاً لتوجيهات المسؤولين في دبي سوف تجري إعادة منح التجار الإيرانيين التأشيرات التجارية.


وأشار فقيهي إلى أن إيران تسعى لزيادة صادراتها إلى الإمارات خلال العام الجاري، لتراجع "صادرات بلاده غير النفطية خلال العام الماضي بنسبة 11% مقارنة مع العام الذي سبقه".

لا للمخاطرة

تأتي التصريحات التي نقلتها قناة I24 الإسرائيلية عن قائد سلاح الجو الإسرائيلي الجنرال عميقام نوركين حول العلاقات العسكرية مع الإمارات مفاجئة، والتي عبر فيها عن "فرصة عظيمة واستراتيجية بالاتفاقيات مع دول الخليج، لن يمر وقت طويل حتى نشهد مناورات مشتركة بين القوات الجوية في الخليج"، في سياق تحالف عسكري يلوح في الأفق بين البلدين.


ورغم موافقة إدارة ترمب بيع مقاتلات F-35 وأسلحة متطورة أخرى للإمارات بقيمة 23.37 مليار دولار، إذ شملت الصفقة 50 مقاتلة من طراز F-35 و18 طائرة مسيرة من طراز إم كيو-9 ريبر (MQ-9 Reaper) وحزمة ذخائر مختلفة، إضافة إلى مجموعة من الذخائر جو جو وجو أرض، أكد نوركين أن هناك ضمانات أمريكية من أجل الإبقاء على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة.


بالنسبة للإمارات التي تفتقر إلى القوة العسكرية والقدرات الدفاعية الفعّالة، تأتي الصفقة من أجل التعويل على نفسها أكثر في المنطقة، إذ تبقى دائماً غير واثقة من المساعدة الأمريكية أو الدفاع الأمريكي في حال المواجهة العسكرية مع إيران وهو ما تبين لها أخيراً إبان الاعتداء على "أرامكو".


ومع تغير الإدارة الأمريكية "الأكثر عدوانية" لإيران، لا يبدو أن الرئيس المنتخب جو بايدن سيتخذ السياسة ذاتها، فضمنت الإمارات الصفقة قبل فوات الأوان، فيما يأتي الحديث عن مناورات مشتركة مع إسرائيل في الخليج كرسالة مفادها أنها اكتسبت المزيد من القوة العسكرية إضافة إلى حليف جديد.


لكن، تاريخياً لا تخاطر الإمارات في علاقتها بإيران أكثر من اللازم، إذ إنها تراعي المسائل الجغرافية والعرقية المتداخلة، كما تخشى تأثير أية مواجهة عسكرية بين أي طرف في المنطقة مع طهران، حيث ستكون أول الخاسرين بحكم موقعها القريب جداً من إيران.


ويعقد القادة العسكريين الإماراتيين لقاءات سرية مع نظرائهم الإيرانيين، كان آخرها سنة 2019 عندما التقى قائد قوات خفر السواحل الإماراتي محمد علي مصلح الأحبابي في طهران قائد قوات حرس الحدود الإيراني قاسم رضائي.


وكان محور حديثهما حسب وكالة الأنباء الإيرانية، تعزيز العلاقات وضمان أمن مياه الخليج وأمن الحدود بين البلدين والتطلع إلى بلوغ مستوى أمني جيد، والنهوض بمستوى العلاقات الثنائية يسهم في توفير الأمن المستدام لشعبَي البلدين".

جغرافيا متداخلة

70 كيلومتراً عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، هي المسافة الفاصلة بين إيران والإمارات في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم وأكثرها توتراً من سنوات.


تتوسط هذه المسافة الصغيرة ثلاث جزر إماراتية تسيطر عليها إيران منذ السبعينيات، وهي طنب الكبرى، طنب الصغرى اللتان تتبعان إمارة رأس الخيمة، إضافة إلى "أبو موسى" التي تتبع إمارة الشارقة، إلا أن ذلك لم يمنع من مساهمة إيران في بناء دولة الإمارات التي أسست سنة 1971.


أتاح قرب الجغرافيا، لحضور إيراني كبير في الإمارات، فبحسب وسائل إعلام إماراتية، يعيش عشرات الآلاف من الإيرانيين في الإمارات، بينما يقدر المسؤولون الإيرانيون عددهم بما يقارب النصف مليون، كما يزور حوالي 350 ألف إيراني الإمارات كل عام.


وتعود أصول العديد من العائلات الإماراتية البارزة إلى إيران، وبعض أفرادها يشغلون وظائف حكومية، منها عائلة قرقاش التي ينحدر منها أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية.

ساهم ذلك في ظهور أكثر من 8000 شركة إيرانية و6000 تاجر إيراني في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة، مما يزيد من احتمال مواجهتهم للموجة المتوقعة من التجار والمستثمرين الإسرائيليين.


وتعتبر الإمارات العربية المتحدة أيضاً موطناً لمجتمع إيراني كبير يمتلك مئات العقارات وقد استثمر بكثافة في البنية التحتية للدولة منذ إنشائها في عام 1971.

TRT عربي
الأكثر تداولاً