صورة من العام 1900، ويظهر مسجد الشيخ جراح في الخلف (مكتبة نيويورك العامة). الصورة من موقع المدن (Others)

ومع ذلك فقد اتخذها أحد القادة العسكريين الكبار في جيش نور الدين زنكي، وأحد رفاق صلاح الدين الذي عمل تحت إمرته لمّا استتبّ الأمرُ له، اتخذها موضعاً يُدفَن فيه في ظاهر المدينة المقدّسة لأسباب لا نعلمها، ثم دُفن حوله في تربته نفر من رفاقه العسكريين المجاهدين ضد الصليبيين بعد إكمال تحرير القدس وإحكام العمل الدؤوب في حراسة الثغور المطلة على البحر التي لا تزال تحت سيطرة الصليبيين. وربما أراد هذا القائد حسام الدين الحسين بن شرف الدين عيسى الجرّاحي أن يكون مرقدُه على ذلك الطريق ليروي عطش القوافل والعابرين وزوار المسجد الأقصى القادمين من نابلس وما وراءها أو الخارجين إليها فيكون ذلك له صدقة جارية وإسناداً متصلاً.

لم يكن هذا القائد العسكري طبيباً كما نقل العديد من المنصات الإلكترونية اعتداداً بنسبته إلى "الجرّاح"، فنِسبتُه هذه تعود إلى قلعة الجرّاحية في جزيرة ابن عمر من أعمال الموصل بين تركيا والعراق اليوم، حيث بدأت مراحل جندية هذا القائد كما هي حال الكثيرين من قيادات الدولة الزنكية والأيوبية الذين قدِموا من هذه المناطق، ولا ندري هل كان تركمانياً أو كردياً.

هذا المدفن العسكريّ منحته العامّة رمزيّة الدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته لا سيما أنه ارتبط بفتح القدس العظيم، ومع مرور الزمان ظنّت فئة من العامة أن صاحبه وليّ صالح ذو كرامات، وبالَغ بعضهم فنسبه إلى النبوة وأنه أحد الأنبياء المجهولين الذين لم يذكر القرآن ولا السنّة أسماءهم، أو أنه من الصحابة غير المذكورين من زمان الفتح العمري.

ثم تطاول الأمر فتحول هذا المرقدُ مع اقتراب الحياة إليه -ولا سيما من أبناء الريف المقدسي الشماليّ- إلى مدرسة صغيرة لها غُرفها المخصصة لتعليم القراءة والكتابة والتلاوة، وعندما زار الرحّالة الصوفيّ عبد الغني النابلسي هذا المكان بعد نحو أربعمئة عام من دفن صاحبه فيه عام 598هـ/1201م وصف المكان بأنه مَزار وأنه مدرسة، ووصف صاحبه بأنه شيخٌ، مما يعني أن وصف هذا الأمير بأنه شيخ كان قديماً.

وكانت زيارة الشيخ النابلسي عام 1101هـ/1689م في ذروة نفوذ الدولة العثمانية وحضورها في الشام، وحكى في كتابه "الحضرة الأنسية في الرحلة القدسيّة" أن جماعة من أشياخ أعيان القدس تلقّوه في المكان ناشرين الأعلام الصوفية، يرتّلون الأذكار والصلوات، حتى دخلوا القدس من باب العامود.

وقد وقف الأميرُ هذا المكانَ، ولا نعرف بالضبط صيغة الوقف وتفاصيله والمستفيدين منه، وحسب كلام مجير الدين الحنبلي العُلَيمي في كتابه الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل فإن هذه الزاوية أُلحِق بها وقفٌ ووظائف مرتبة، بمعنى وجود مورد مالي ينفق على صيانته والتدريس فيه وعلى احتياجاته وعلى العاملين فيه، وربما كان هذا المورد الوقفيّ بستاناً كما هو المعتاد. وبالنظر إلى تسميته بالزاوية فإن ذلك يفيد بأنه محلّ عبادة، ونحن نعلم أن مدلول الزاوية هو مكان صغير محدود المساحة يتّخذونه لصلاة الفرائض الخمس ولا تقام فيه الجمعة، وأيّ محل عبادة في طريق قوافل وأسفار سيكون فيه مُستَراح صغير ومورد ماء للوضوء والاغتسال والشراب.

ويذكر بعض مؤرخي القدس المعاصرين أن الزاوية الجرّاحية يتولّاها شخص من عائلة الديسي المقدسيّة؛ ويبدو أن ولايتهم على الوقف الجرّاحي قديمة فقد استشهد عدد من أبناء عائلة الديسي وهم يدافعون عن الزاوية في حروب النكبة عام 1948، ولا يزال الأمر بيد ذريتهم إلى اليوم، ولا ندري سبب اختصاصهم بتولّي هذا الوقف.

ويبدو أن الطريقة الرفاعية الصوفيّة تمكّنت في هذه الزاوية واتخذت منها دارة علم وتصوّف لمريديها على يد الشيخ عبد السلام الرفاعي العناتيّ أحد خطباء المسجد الأقصى في زمان السلطان عبد الحميد، إذ كانت الطريقة معروفة بشدة ولائها للحكم العثماني في مواجهة أسرة محمد علي باشا المصرية، وتُظهر الآثارُ إضافةَ مئذنة وساحة وأبنية في العصر العثماني المتأخر عام 1313هـ/1896م ليحمل اسم "جامع الشيخ جرّاح" قد يكون مرتبطاً بمدّ نفوذ هذه الطريقة إلى هذا الموضع واستقطاب الناس للسكن حوله.

وقد بدأ المكانُ في ظاهر المدينة المقدسة بالعصر العثمانيّ المتأخر بالتحوّل إلى نموذج عمرانيّ حداثيّ تسكنه طبقة اجتماعية ثريّة بعدما أنشأ إقطاعيّ ضرير اسمه عبد القادر العمّاوي قصراً باذخاً أشبه بالقلعة مقابل هذه الزاوية، وقد ترافق إنشاء القصر وبناؤه مع حكاية شعبية تداولها المقدسيّون بأن هذا الرجل كان يمتلك أراضي شاسعة في المكان ومطحنة قمح أسفل قصره، ولأن المكان شبه خاوٍ حينها فقد كان يحمل بندقيته ترافقه زوجته البصيرة، فإذا سمع صوتاً يقترب من المكان دعاه للتعريف بنفسه وغرضه وإلا أطلق عليه النار.

ظل هذا الصرحُ الحجريّ ذو النقوش المحفورة الجميلة قائماً حتى اشتعال معارك النكبة حيث هُدم نتيجة المعارك الشرسة، ولكنه حينها كان واحداً من قصور كثيرة اختارت النخبةُ المقدسيّة أن تجعله جنّة خاصة تحيطها الأشجار والطرق الحجرية المعبّدة والبساتين الخضراء الغنّاء والأبنية الحجرية الفاخرة، وصار أشبه بالحيّ الدبلوماسي والأحياء الراقية لكثرة البعثات القنصلية والفنادق ورجال الأعمال من عشرات رجال الاقتصاد والسياسة والثقافة المقدسية.

وقد دفع الحيّ ثمن موقعه الحسّاس لوقوعه بخط التماس بين القوات الأردنية والعصابات الصهيونية عام 1948، وتعرّضت قصوره وأبنيته الفاخرة للعبث والدمار والنهب المنظّم والنسف المتعمّد؛ كما شهد واحدة من أعنف المعارك بين الفلسطينيين وهذه العصابات لا سيما بعد استشهاد قائد قوات الجهاد المقدس عبد القادر الحسيني بمعركة القسطل الشهيرة، وقد دوّن المناضل بهجت أبو غربيّة في مذكراته مواقف هذه المعارك بقيادة المناضل محمد عادل النجار.

وطالت هذا الحيّ تشويهات التاريخ المزوّر الذي أتى به المحتلّون الجدد، فحوّلوا مقام الشيخ السعديّ الفلسطيني القريب من الشيخ جرّاح إلى مقام يهودي حمل اسم الصدّيق شمعون، وحولوا الأبنية حوله إلى بؤرة استيطانية، واستطال هذا الأمر بسياسة ممنهجة تريد إلغاء الوجود العربي الفلسطيني من المكان وإشباع الوجود اليهودي وتهويد رموز المكان، حتى إن هذا الموضع مع مغاراته اقتطعوه من الشيخ جراح وسموه حي الحاخام شمعون، هذا الحاخام الذي مات قبل قرون من إنشاء قبره المزعوم لأنهم أرادوه واحداً من مسامير جحا التي انتشرت بكل نواحي القدس، وهم يرون هذا الحيّ التاريخيّ تهديداً استراتيجياً لمقر الجامعة العبرية المرتبط بالهجرات اليهودية زمان الاحتلال البريطاني، وتهديداً للطريق الاستيطانية الموصلة إلى "معاليه أدوميم" المستوطنة السمينة الواقعة شرقي القدس.

وهذه الموجة الجديدة من الاستيطان التي فجّرت الأحداث الأخيرة لم تكن جديدة، فقد سبقها طرد 43 فلسطينياً من بيوتهم عام 2002، وطُردت عائلة الكرد منها عام 2008، وأُجبرت عائلتا الغاوي وحنون على ترك بعض بيوتهم في 2009، وطردت عائلة شماسنة عام 2017، ولا يزال نفَسُ التهويد سياسة ثابتة يتمازج فيها الهوسُ الاستيطاني الديني والرؤية السياسية الإسرائيلية.

إن هذا المَعْلم الكبير بكتلته البشرية الفلسطينية النوعيّة أصبح علامةً فارقة بتاريخ القدس وسيرتها السياسية والاجتماعية والدينية، وكان شاهداً على أحداث كبيرة، وهو اليوم يسجّل حضوره مجدداً بقائمة الصمود والتحدّي والاشتباك، ويترافق معه حدث كبير حمل عنوان "سيف القدس" بمنازلاته الصاروخية التي وصلت إلى كل تحصين إسرائيلي على امتداد فلسطين.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً