إثر الاجتماع الذي جمع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج جرى الإعلان عن توقيع مذكرتَي تفاهم حول "التعاون السياسي والأمني" و"ترسيم الحدود البحرية" بين البلدين.

اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا ()

وإذ تمثل الاتفاقيتين خطوة مهمة في تعميق العلاقات الثنائية، فإن انعكاساتهما تتجاوز البلدين للتشابك مع التنافس الإقليمي الحاصل فوق الأراضي الليبية وفوق مياه شرق المتوسط.

ارتدادات ردات الفعل على هذا اللقاء تجاوزت التركيز على تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، الذي يحمل أهمية كبيرة بخاصة لحكومة طرابلس التي تتعرض لحملة مستمرة من قبل خليفة حفتر لإسقاط الحكومة والسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.

إذ شهدت الساحة الليبية في الفترة الأخيرة تطورات مهمة بدخول المرتزقة الروس على خط القتال مع خليفة حفتر. هذا في ظل تعثر مساعي ألمانيا وتأجيلها المستمر لمؤتمرها المرتقب حول ليبيا. وقد كان اللافت في هذا الصدد أن القمة عُقدت بعد أيام من زيارة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للعاصمة القطرية الدوحة، التي تشارك أنقرة الموقف ذاته الداعم لحكومة طرابلس المعترف بها دولياً، في وجه خليفة حفتر الممثل لامتداد مشروع الثورات المضادة في ليبيا.

وعلى الرغم من أهمية اتفاقية التعاون الأمني بين البلدين التي استجلبت ردات فعل منددة من قِبل معسكر الدول الداعمة لحفتر وعلى رأسها الإمارات ومصر، فإن مذكرة التفاهم حول الحدود البحرية نالت النصيب الأكبر من الاهتمام.

إذ بدا من الواضح أن الحديث عن الحدود البحرية بين البلدين يتجاوز العلاقات الثنائية ليؤثر على التوازنات الإقليمية والدولية في منطقة شرق المتوسط، التي تشهد في السنوات الأخيرة تصاعداً مضطرداً في التنافس الإقليمي المدفوع بسباق السيطرة على مصادر الطاقة.

التنافس الإقليمي الذي يختلط فيه الجيوسياسي بالجيواقتصادي، ويستند أساساً إلى عدم التفاهم بين الدول المطلة على البحر المتوسط على تقسيم مناطق النفوذ البحري، كان قد انتقل إلى مرحلة جديدة من خلال تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة في شهر يناير/كانون الثاني الماضي. وقد استثنى المنتدى المذكور الذي جاء كنتيجة لتعزيز التعاون بين كل من إسرائيل ومصر واليونان وإدارة جنوب قبرص، كلاً من تركيا وليبيا فضلاً عن لبنان وسوريا.

وكرد فعلٍ على محاولات عزلها لم تكتفِ تركيا، التي تُعتبر شواطئها الأطول في منطقة شرق المتوسط، بالتنديد بهذه المحاولات، بل قامت باتخاذ العديد من الخطوات على المستويات الدبلوماسية والسياسية والميدانية لتكريس دورها في شرق المتوسط.

فقامت أنقرة على الصعيد السياسي بإرسال رسالة إلى الأمم المتحدة في 18 مارس/آذار 2019 توضح فيها حدود جرفها القاري البحري. كما قامت ميدانياً بإطلاق سفينتَي التنقيب عن النفط والغاز "فاتح" و"ياوز" في مياه المتوسط غربي جمهورية قبرص التركية.

وفي هذا السياق تأتي مذكرة التفاهم الأخيرة بين ليبيا وتركيا متسقة مع السياسة التركية تجاه شرق المتوسط. إذ تسعى تركيا من خلال هذا الاتفاق إلى تحقيق العديد من الأهداف لإثبات دورها في المنطقة في وجه محاولات عزلها الإقليمي.

فتركيا ترى من جانبها أن إدخال ليبيا، التي كانت حتى تاريخ الإعلان عن مذكرة التفاهم خارج الحسابات في ظل التمزق الداخلي الذي تعانيه، إلى المعادلة الإقليمية في شرق المتوسط سيساهم في إعادة خلط الأوراق بما لا يتوافق مع مساعي التكتل المعادي لتركيا مصر-اليونان-إسرائيل. بخاصة في ظل تزايد اعتماد حكومة طرابلس على الدعم السياسي والميداني التركي في مواجهة هجمات حفتر.

كما أن مذكرة التفاهم التركية-الليبية تستهدف بشكل مباشر المطامع اليونانية في شرق المتوسط. ففضلاً عن المشاكل التاريخية بين تركيا واليونان فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في بحر إيجه، شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في التوتر بعد مباشرة تركيا عمليات التنقيب في غرب جمهورية قبرص التركية.

وتمثل هذا التوتر في قيام أثينا بنقل الخلاف مع أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي الذي قام وزراء خارجيته بفرض عقوبات على تركيا. كما أن المنطقة الجغرافية التي تغطيها مذكرة التفاهم تشمل نظرياً جزيرة كريت اليونانية، التي ترتكز عليها أثينا لتوسيع مناطق نفوذها البحري، مستغلة عدم التوافق على الحدود البحرية، ما يعطيها مساحة نفوذ كبيرة في شرق المتوسط. الرد اليوناني على الخطوة التركية-الليبية لم يتأخر وجاء سريعاً من خلال استدعاء اليونان السفير الليبي في أثينا (سفير حكومة التوافق في طرابلس) وطلب توضيحات حول المذكرة الموقعة.

وفضلاً عن اليونان، فإن تثبيت مناطق النفوذ البحرية لليبيا وتأكيد حقوقها في شرق المتوسط لا يقابل بارتياح من قبل النظام المصري، الذي يرى البعض أنه يتطلع إلى التغول على مصادر الطاقة الليبية. يظهر ذلك من خلال تناول السيسي في كلمته أمام الأمم المتحدة في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي قضية إعادة توزيع الثروة في ليبيا.

كذلك فإن القاهرة أعلنت منددة رفضها اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا واعتبرته فاقداً للشرعية. هذا على الرغم من أن الاتفاقية تتوافق مع القانون الدولي. الأمر الذي دفع الحكومة المصرية إلى محاولة الطعن في المذكرة من زاوية أخرى من خلال اعتبار فايز السراج غير مخول للتوقيع على الاتفاقية.

ومن هنا فإن الاتفاق التركي-الليبي لترسيم مناطق لنفوذ البحرية يمثل علامة فارقة في الصراع الإقليمي المستمر في منطقة شرق المتوسط. إذ ساهم الاتفاق في إعادة خلط الأوراق من جديد في وجه مساعي محور اليونان-مصر-إسرائيل عزل تركيا في المنطقة.

وإذ يعزز الاتفاق من حضور تركيا كلاعب في المنطقة، فإنه يحمل فرصاً وتحديات لحكومة طرابلس، إذ سيمثل ذريعة أخرى لتعزيز الموقف العدائي ضدها من معسكر الدول الداعمة لحفتر (مصر والإمارات وفرنسا). الأمر الذي سيفرض على أنقرة استحقاقات حقيقية في الوقوف إلى جانب حليفها الليبي.

كذلك فإن الاتفاق سيساهم أيضاً في تعزيز حدة التنافس الإقليمي على المدى القريب الذي يأخذ أبعاداً دولية، بخاصة في ظل الاستقواء اليوناني المستمر بالمنظومة الأوروبية، ومحاولة أوساط في الولايات المتحدة استغلال تنافس شرق المتوسط لمعاقبة تركيا على شرائها منظومة S-400 الدفاعية من خلال دعم منتدى شرق المتوسط.

أما على المدى البعيد فمن غير المتوقع أن تتراجع حدة التنافس الإقليمي، بخاصة في ظل وجود الأزمة القبرصية المستعصية والمتمثلة في النزاع المستمر في الجزيرة بين القسمين التركي واليوناني. هذه الأزمة التي تمثل أحد أهم محددات العلاقة التركية-اليونانية، تمثل بدورها محدداً مهماً في تشكيل الاصطفافات الجيوسياسية في شرق المتوسط.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي. 

المصدر: TRT عربي