تشهد العلاقات بين الجزائر والمغرب توتراً غير مسبوق في تاريخهما الحديث (Others)

ورغم نفي الرباط تلك الاتهامات إلا أن الأزمة تصاعدت وصولاً إلى القطيعة التامة وحتى إيقاف تشغيل الخط الذي ينقل الغاز الطبيعي من الجزائر إلى أوروبا عبر الأراضي المغربية، الأمر الذي سيؤثر سلباً وإن بدرجات متفاوتة على الأطراف ذات المصلحة وتحديداً المغرب وإسبانيا في مرحلة التعافي من جائحة كورونا، مع تأثير سلبي أيضاً، ولكن محدود على الجزائر التي تملك خطاً آخر- ميد غاز- لنقل الغاز مباشرة عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.

إضافة إلى البعد الثنائي المتعلق بالخلافات السياسية ذات الطابع التاريخي حول قضية الصحراء الغربية، يمكن ملاحظة مُعطَيين مهمين في الأزمة الأخيرة: هما حضور العامل الإسرائيلي فيها مع اتهام الجزائر لتل أبيب بتأجيج الخلافات والرباط بالاستقواء بالدولة العبرية عليها، إضافة إلى الغياب التام للوساطة العربية مقابل حضور جدي للجهود الأوروبية تحديداً من قبل إسبانيا باعتبارها متضررة مباشرة من الأزمة الواقعة في محيطها الجغرافي والجيوسياسي المباشر.

في العامل الإسرائيلي؛ لا يمكن القفز أو تجاهل حقيقة التزامن بين التطبيع المغربي- الإسرائيلي وتسخين العلاقات بين الجانبين في سياقات مختلفة، والأزمة الأخيرة التي أخذت طابع القطيعة بين البلدين العربيين.

تاريخياً؛ اعتبرت الجزائر دعم ومساندة الشعب الفلسطيني أحد سمات أو معالم الجمهورية منذ الاستقلال. ومن هنا لم يكن مفاجئاً أن تتخذ موقفاً مبدئياً من التطبيع المغربي مع إسرائيل بعيداً عن توافق الحد الأدنى العربي، المتمثل في مبادرة قمة بيروت 2001 التي ربطت العلاقات مع الدولة العبرية باتفاق سلام نهائي يرتضيه الفلسطينيون ويضمن لهم دولة مستقلة كاملة السيادة عاصمتها القدس مع حلّ عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الأممي رقم 194.

في السياق الثنائي المباشر اعتقدت الجزائر أن المغرب سعى أساساً إلى الاستقواء عليها تحديداً في قضية الصحراء الغربية التي حضرت بشكل مباشر في اتفاق التطبيع الثلاثي مع أمريكا وإسرائيل أو حتى عبر التزود بخبرات أمنية وعسكرية إسرائيلية قد تدفع الرباط نحو مواقف أكثر تصلباً وتشدداً تجاهها.

هنا تجب الإشارة أيضاً إلى الأخبار المتداولة عن اختراق المغرب عبر برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس" هواتفَ مسؤولين ونواب ونشطاء وصحفيين بارزين في الجزائر.

من جهته سعى وزير الخارجية الإسرائيلي يئير لبيد وبشكل علني إلى تأجيج الخلاف وصبّ الزيت على نار الأزمة عبر انتقاد الجزائر والتحريض عليها أثناء زيارته المغرب، وفي مؤتمر صحفي مشترك، الأربعاء 12 أغسطس/آب الماضي، مع وزير خارجيته ناصر بوريطة دون أي ردّ فعل من الأخير.

إلى ذلك لا يمكن أيضاً استبعاد القلق الجزائري حيال استغلال إسرائيل علاقاتها مع المغرب للتغلغل في إفريقيا بما يؤثر سلباً على المصالح الجزائرية بإطارها الواسع.

ومن هنا يمكن تفهّم رفض عضوية إسرائيل كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي وقيادة الجزائر الجهود لإلغائها.

فيما يتعلق بالعامل الإسرائيلي، يتحدث معارضو ومناهضو التطبيع في الجزائر وحتى في المغرب نفسه عن خطط إسرائيلية لتأجيج الخلافات بين البلدين لإضعافهما وحتى تقسيمهما على المدى البعيد وفق السياسة الإسرائيلية التقليدية التي تعتبر الدول العربية خطراً بالمعنى الاستراتيجي عليها.

من جهة أخرى، رفض المغرب الاتهامات والمعطيات السابقة مؤكداً جزئية أن التطبيع مع إسرائيل موقف سيادي لا يستهدف الجزائر، كما لا ينال من دعم المغرب للقضية الفلسطينية العادلة، وكان لافتاً حرص الرباط على استقبال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" إسماعيل هنية منتصف يونيو/حزيران الماضي لتأكيد ذلك والإيحاء بأن التطبيع لا ينال أبداً من الدعم المغربي للشعب الفلسطيني.

رغم حضور العامل الإسرائيلي واحتدام الأزمة الجزائرية المغربية ووصولها إلى حد القطيعة إلا أن العامل الآخر وهو الغياب العربي عنها جاء مدوياً ولم نشهد وساطة أو حتى رغبة نظرية فيها، باستثناء بيان إنشائي تقليدي معتاد من الجامعة العربية ومواقف خجولة ومتناثرة هنا وهناك.

يمكن إرجاع هذا الأمر إلى عدة أسباب، منها حالة الضعف وتعدد ملفات الخلاف والانقسام الحاد في العالم العربي، وحضور مختلف أنواع التدخلات والوساطات فيها ما عدا العربية، كما نرى مثلاً في ليبيا وتونس والعراق واليمن وأخيراً في السودان.

تجدر الإشارة أيضاً إلى انحياز دول عربية عديدة ولو ضمنياً إلى المغرب، ما يحول دون تأديتها وساطة نزيهة وفاعلة، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كانت الإمارات وسيطاً مركزياً في التطبيع المغربي- الإسرائيلي الذي أيّدته سرّاً وعلانية دول عربية مركزية ومهمة أخرى مثل السعودية ومصر والأردن.

إلى ذلك تبدو الدول والحواضر العربية المركزية مختطفة أو محتلة بشكل مباشرة أو غير مباشر، وعاجزة عن أداء دورها التاريخي الإيجابي في القضايا العربية، فالقاهرة تائهة ومستنزفة ومرهقة وفقدت ألقها وحضورها حتى في محيطها الجيوسياسي المباشر، وعجزت عن التدخل ولعب دور إيجابي في قضايا تمس أمنها القومي بشكل مباشر في ليبيا والسودان، بينما تتوسط لأسباب فئوية ومصالح ضيقة ووفقاً لأجندة أمريكية- إسرائيلية في فلسطين.

حال بغداد ودمشق أسوأ من القاهرة والسلطات فيها فاقدة للشرعية بدرجة أو بأخرى، وكذلك للتدخل الإيجابي حتى في قضايا داخلية تخصها مباشرة حيث تحضر أيضاً وساطات خارجية فيها، وحتى جيوش وقوى أجنبية.

أما السودان الذي كان صاحب أيادٍ بيضاء في حل المشاكل والأزمات العربية من أيلول الأسود في الأردن إلى الحرب الأهلية في لبنان، وحاضراً دائماً في لجان المصالحة العربية فيعاني الآن أيضاً، والوساطة العربية غائبة عن أزماته ومشاكله الداخلية مقابل حضور إفريقي ودولي فيها.

مقابل الغياب العربي تحضر الوساطة الأوروبية عبر إسبانيا التي تسعى في الحد الأدنى إلى التقليل من حدة الأزمة وتخفيف تداعياتها، غير أن مدريد تعي مدى تعقيدها وافتقادها التأثير الكافي لحلّها، كما أن وساطتها تهدف أساساً إلى الدفاع عن مصالحها وضمان عدم انفجار الأزمة بما يرتد سلباً عليها في السياق الاقتصادي والاجتماعي من جهة توقف إمدادات الغاز الجزائري على أبواب فصل الشتاء وفي مرحلة التعافي من جائحة كورونا وعودة العجلة الاقتصادية إلى الدوران.

بناء على المعطيات السابقة يمكن استشراف آفاق الأزمة والقول إنه ليس من حلول لها في المدى المنظور، وربما حتى ستتصاعد أكثر وصولاً إلى الصدام العسكري، مع اعتبار ذلك مستبعداً واحتمالاً مطروحاً نظرياً فقط، مع الإشارة الضرورية إلى غياب الانفتاح والعامل الديموقراطي الداخلي في البلدين، حيث سيطرة السلطات الأحادية على القرار والسياسات الداخلية والخارجية وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، ما يمنع تحقيق قاعدة أن الديمقراطيات لا تتقاتل.

وعموماً وفي غياب الوساطات الجدية والرفض الدولي للتصعيد بخاصة العسكري كي لا تفيض الأزمة على المحيط الإفريقي والأوروبي والدولي فإن الأمر يعني بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه على الأقل في المدى المنظور.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً