من احتفالات المقدسيين في المسجد الأقصى في أول أيام عيد الفطر السعيد (Onayli Kisi/Kurum/AA)

فما يُسمَّى "اتحاد منظمات المعبد" الذي يمثل أقصى اليمين المتطرف الإسرائيلي كان قد نفذ دعايةً ضخمةً على مدار شهرين للتحضير لاقتحام المسجد الأقصى المبارك، على شكلٍ أرادته أن يكون نقطة تحول أساسية يتم البناء عليها في تشكيل معادلةٍ جديدةٍ في المسجد الأقصى، عنوانها بدء عملية تحويله عملياً إلى مقدسٍ يهودي.

وكان ذلك يفترض أن يمر خلال عدة مراحل، أُولاها إلغاء ترتيبات التقسيم الزماني الذي كانت تنادي به إسرائيل في السنوات الماضية، وتجاوزها إلى ترتيبات جديدة في مصلحة الجماعات المتطرفة من خلال السماح لهم بأداء الصلوات الجماعية العلنية في المسجد الأقصى، إضافةً إلى إنهاء فكرة قدسية المناسبات الدينية الإسلامية في حال تعارضها مع المناسبات الدينية أو الوطنية الإسرائيلية، بما يجعل التعامل مع المسجد الأقصى يتم قانونياً وفعلياً باعتباره مقدساً يهودياً لا إسلامياً، وهي الخطوة التي تسبق محاولة تقسيم المسجد الأقصى المبارك على الأرض.

هذه الدعاية اليمينية المتطرفة الإسرائيلية كشفت أن هذا اليوم يمثل نقطةً مركزيةً في الصراع، وجعلته يوماً مفصلياً لأنه ارتكز في رمزيته لدى هذه الجماعات على مناسبة وطنية مهمة هي "يوم القدس"، الذي يشير إلى ذكرى احتلال شرقي القدس والأماكن المقدسة وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك عام 1967.

كما اعتمد التحرك على فعاليتين في غاية الأهمية يتم التحضير لهما كل عام واستعراضهما بشكل واسع، وهي عملية اقتحام المسجد الأقصى المبارك لمحاولة إثبات السيادة عليه، وما يُسمَّى "مسيرة الرايات" التي تجوب شوارع القدس حول البلدة القديمة بالذات.

في ما يتعلق بالفعالية الأولى، فإن عمليات اقتحام المسجد الأقصى المبارك تتخذ عادةً لدى الجماعات المتطرفة في "يوم القدس" رمزيةً خاصة تختلف عن الاقتحامات التي تتم خارج هذا التوقيت تبعاً لرمزية المناسبة، ولذلك تسعى هذه الجماعات لجعله كل عامٍ محطةً نوعيةً لاكتساب خطوات إضافية في مسيرة تهويد المسجد الأقصى المبارك، أو إيجاد موطئ قدمٍ دائمٍ فيه للمتطرفين.

ففي عام 2017 على سبيل المثال كان هذا اليوم منعطفاً جديداً تمكنت فيه الجماعات المتطرفة من إدخال ألف مستوطن إلى المسجد الأقصى المبارك، لتكسر بذلك حاجز العدد الذي كانت تعاني منه كثيراً.

ولذلك سعت هذه الجماعات هذا العام 2021 إلى الوصول إلى محطةٍ جديدة متقدِّمةٍ جداً في الموضوع، عنوانها الانتقال من التركيز على الكم فقط إلى التركيز على الكيف مع الكم، وذلك من خلال محاولة إدخال ألفي مستوطن للمسجد الأقصى المبارك مترافقاً مع إقامة صلواتٍ جماعيةٍ علنيةٍ بحجم ضخمٍ لأول مرةٍ في تاريخ الصراع، بما يرسخ معادلةً جديدةً عنوانها أن لا وجود لمقدس إسلامي يحجز بين هذه الجماعات وتنفيذ رؤيتها في المسجد الأقصى، لا في شهر رمضان المبارك ولا في غيره.

إضافةً إلى تجاوز كل الخطوط الحمراء بما فيها تفاهمات جون كيري وزير الخارجية الأمريكي عام 2015 التي قبلتها إسرائيل، وذلك بتجاوز فكرة دخول المسجد الأقصى إلى فكرة الحق في الصلاة فيه علناً وبالتشارك مع المسلمين، لا بل وتقديم الاعتبار اليهودي على الاعتبار الإسلامي في المسجد، وهذا يعني عرفاً وقانوناً التعامل مع المسجد الأقصى المبارك على أنه مقدس يهودي، لا إسلامي.

وأمَّا "مسيرة الرايات" فهي مسيرة سنوية في "يوم القدس" يقوم فيها المستوطنون المتطرفون منذ أكثر من عشرين عاماً بالتجمع بالآلاف في القدس، والسير في مسيرةٍ كبيرةٍ يحملون خلالها الأعلام الإسرائيلية ويطوفون حول أسوار البلدة القديمة بالقدس، ثم يدخلونها من باب العامود باعتباره أوسع وأكبر الأبواب، ويتجولون في مختلف أحياء البلدة القديمة مستفزين المقدسيين بالشتائم والهجوم اللفظي، والجسدي أحياناً، حتى الوصول إلى المحطة الأخيرة في ساحة حائط البراق، حيث تقام احتفالات صاخبة مترافقة مع الأغاني الوطنية والدينية حتى نهاية اليوم.

وتعتبر هذه المسيرة كل عامٍ محطةً خطرةً في وعي المقدسيين بسبب تجمع أعداد كبيرة من المستوطنين الذين لا يتركون فرصةً لاستفزاز المقدسيين وكسر معنوياتهم دون استغلالها، لمحاولة استعراض قوتهم ووجودهم وسيادتهم على القدس. وهذه المسيرة لها دلالات كثيرة، لعل أهمها استعراض القوة على الأرض وتأكيد قوة الوجود اليهودي في المدينة المقدسة، كما أن انتهاءها في منطقة ساحة البراق يعطيها طابعاً دينياً إلى حد ما، حيث كانت الحاخامية الكبرى لإسرائيل قد أعطت هذا اليوم صبغة دينيةً باعتبار أنه تم فيه احتلال حائط البراق بما يمثله من رمزية دينية لدى اليهود.

ضمن هذه المعطيات انطلقت الدعوات المتطرفة لحشد الآلاف لتنفيذ هذه المخططات، وبالمقابل انطلقت الدعوات المقابلة بين المقدسيين والفلسطينيين حتى المستويات السياسية للتصدي لهذا المخطط الكبير، وشرح أبعاده وخطورته وما يمكن أن يؤدي إليه النجاح في تنفيذه من تغييرٍ شاملٍ في طبيعة المنطقة شكلاً ومضموناً.

ولم تفلح الدعاية الإسرائيلية المضادة في ثني المقدسيين عن القدوم بهذه الأعداد والثبات في المكان، سواء كانت هذه الدعاية من الشرطة الإسرائيلية التي ادعت أنها ستمنع الاقتحامات في محاولةٍ لإبعاد المقدسيين عن الأقصى، أو من الإعلام الإسرائيلي الذي حاول بث الدعايات المثبطة للحراك المقدسي من قبيل ادعاء إغلاق المسجد الأقصى وإغلاق الطرق ومنع الوصول إلى المسجد.

النتيجة كانت هزيمةً مدويةً على الصعد كافة وبكل المقاييس للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل، فقد فشل المتطرفون في وضع حتى قدمٍ واحدةٍ داخل المسجد الأقصى المبارك على الرغم من الجهود الكبيرة التي قامت بها الشرطة الإسرائيلية في قمع المقدسيين والهجوم عليهم عبر العنف المفرط، وبقي المسجد الأقصى المبارك عصياً على قبول المعادلة التي أرادت هذه الجماعات فرضها عليه بالقوة.

وقبل ذلك بيومٍ واحدٍ كانت المحكمة العليا الإسرائيلية تتراجع خطوةً إلى الوراء في قضية حي الشيخ جرّاح، وتؤجلها حتى نهاية هذا الشهر سعياً لتخفيف الضغط والمواجهات في المنطقة، وفي اليوم نفسه انكسرت مسيرة الرايات واضطرت قوات الاحتلال إلى إجبار مستوطنيها على تغيير اتجاه المسيرة لتدخل البلدة القديمة من باب الخليل بدلاً من باب العامود.

وبالمقابل انطلقت مظاهرات عنيفة في مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية ومناطق الخط الأخضر، خاصة في عدد من مدن وقرى الداخل كحيفا واللد والرملة والناصرة وكفر كنا.

وتمثلت ذروة تطورات هذا اليوم في دوي صفارات الإنذار في القدس لأول مرةٍ منذ سنوات طويلة، عندما أطلقت حركة حماس رشقاتٍ صاروخية باتجاه القدس، تنفيذاً لتهديد جناحها العسكري للحكومة الإسرائيلية في حال عدم سحب شرطتها من المسجد الأقصى المبارك وحي الشيخ جرّاح، وهذا التطور بالذات هو ما قلب المعادلات بشكل كامل.

اللافت في كل هذه الأحداث أن الجامع لكل التطورات كان تمركزها حول مدينة القدس ورمزها الأهم: المسجد الأقصى المبارك، وهو ما يعيد قضية القدس إلى تصدّر المشهد الفلسطيني، ويعيد إليها رمزيتها باعتبارها الجامع للكل الفلسطيني على اختلاف مناطق وجوده سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو داخل الخط الأخضر.

وهذا ما يشكّل في الحقيقة عنصراً مهماً في معادلةِ ردعٍ جماهيريةٍ فلسطينيةٍ تمنع الاحتلال من الاستفراد بالمسجد الأقصى المبارك، وتُشعِرُ الاحتلال أن الاقتراب من المسجد الأقصى المبارك له ثمن مرتفع لا يستطيع دفعه بأي شكل. لكن الإضافة المهمة لهذا الأمر هي إدخال عنصر جديد في معادلة الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، وهو قطاع غزة الذي دخل لأول مرةٍ جولة صراع مع الاحتلال تحت عنوان المسجد الأقصى المبارك، وهو ما يغير معادلة الردع الجماهيري المقدسي ويضيف إليها الرديف الفصائلي العسكري الذي لم يكن الاحتلال في القدس بالتأكيد يحسب له حساباً.

إن الصورة العامة التي تشكلت في يوم الثامن والعشرين من رمضان تلخصت ببساطةٍ في أن القدس ليست عاصمة إسرائيل، وأن كل محاولات إسرائيل للتعامل مع القدس باعتبارها عاصمتها الموحدة باءت بالفشل الذريع.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي