حملة الخليل نموذجاً.. هل بات الاحتلال يعتمد نهجاً جديداً لتفتيت الضفة إلى "إمارات" مفككة؟
الحرب على غزة
7 دقيقة قراءة
حملة الخليل نموذجاً.. هل بات الاحتلال يعتمد نهجاً جديداً لتفتيت الضفة إلى "إمارات" مفككة؟شهدت مدينة الخليل خلال عام 2025 حملة إسرائيلية واسعة، لكنها لم تكن على غرار حملات الاحتلال المعتادة التي تصاعدت خلال العامين الأخيرين بمدن وبلدات الضفة، عبر المبالغة في استخدام فائض العنف والقمع الواسع والضغوط الاقتصادية.
تأتي الحملة العسكرية لتشكيل هندسة مدنية متقنة، بدأت بخلق هدفٍ اجتماعي غير معتاد للحملات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. / Reuters
منذ 5 ساعات

ربما يكون أهم ما ميّز حملة الخليل تلك أنها تجاوزت الذرائع الأمنية وجاءت ضمن مشروع لإعادة هندسة المدينة اجتماعياً واقتصادياً، إذ ارتكزت بالأساس على التواصل المباشر مع العشائر بهدف تهميش السلطة الفلسطينية، تمهيداً لنموذج "إمارة الخليل" كاختبار لتفكيك الضفة.

ماذا حدث في الخليل؟

شهدت محافظة الخليل، خلال صيف 2025، سلسلة تطورات أمنية متلاحقة، إذ أعلن جهاز الشاباك الإسرائيلي اعتقال 60 ناشطاً قال إنهم ينتمون إلى خلايا مقاومة، مع مصادرة أسلحة ومتفجرات. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، نفذ مقاوم من الخليل عملية على مفرق غوش عتصيون أسفرت عن مقتل مستوطن، تلتها في الثاني من ديسمبر/كانون الأول إصابة مجندة إسرائيلية في عملية دهس قرب حلحول، قبل أن ينسحب المنفذ. ورغم اختلاف الأدوات والنتائج، انطلقت هذه العمليات من النطاق الجغرافي نفسه في الخليل.

وعلى الرغم من أن وتيرة الفعل المقاوم في المدينة الجنوبية لم تبلغ مستويات سابقة عُرفت بها مدن أخرى في الضفة الغربية، فقد دفعت هذه التطورات جيش الاحتلال إلى إطلاق حملة عسكرية واسعة منتصف يناير/كانون الثاني الجاري، بمشاركة الشاباك والشرطة وحرس الحدود. واستمرت الحملة أربعة أيام، وشملت اعتقالات ميدانية، وفرض منع للتجوال، وتخريباً واسعاً للبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية.

وبررت سلطات الاحتلال الحملة بالسعي إلى “إنهاء حالة الفلتان الأمني ومصادرة السلاح”، غير أن هذا التبرير لم ينعكس بوضوح في طبيعة النشاط الميداني، الذي خلّف دماراً واسعاً في المدينة.

في المقابل، تشير معطيات ميدانية إلى أن ضغوط المستوطنين في المنطقة الجنوبية، ومطالبهم بجمع سلاح العائلات والعشائر عقب اشتباكات مسلحة أثارت مخاوفهم، قد تكون الدافع الأبرز وراء الحملة.

ولا تقتصر المفارقة بين التبرير والنتائج على أدوات العملية، بل تمتد إلى مآلاتها، التي تشابهت مع حملات سابقة نُفذت في مدن مثل نابلس وجنين وطولكرم، لكنها تأتي هذه المرة ضمن سياق خاص بالخليل، مرتبط بمشاريع إسرائيلية تتعلق بإعادة تشكيل المشهد الاجتماعي في المدينة، وتهيئة الأرضية لترتيبات سياسية وإدارية جديدة.

"الإمارة الخليلية"

ما إن انقشع غبار الحملة الإسرائيلية بعد أربعة أيام، حتى بدت آثارها حاضرة في حجم التخريب الذي طال المنشآت التجارية، وتجريف البنى التحتية، وإقامة بوابات في قلب المنطقة الجنوبية، وتدمير السيارات وإغلاق المصانع، والاقتحام لأكثر من 350 منزلاً من بينها بيوت لناشطين واعتقال آخرين، بعضهم من أسرى المقاومة المحررين في صفقة التبادل الأخيرة.

حجم الاستهداف الكبير والمفاجئ للمنطقة، رغم السيطرة الإسرائيلية الخانقة عليها، وتراجعٍ واضح للعمل المقاوم الصادر منها، ومع انتهاء الحملة من دون اعتقال أيٍ من المسؤولين عن “الفلتان الأمني” -رغم أنهم ذريعة الحملة وأساسها- فتح المجال لإعادة قراءة الحملة من منظورٍ آخر، بالتوازي مع مخططات الاحتلال الإسرائيلي لتفكيك الضفة وضمها.

فبينما سارعت عائلات المنطقة الجنوبية في مدينة الخليل، إبان انسحاب جيش الاحتلال، لإصدار بيانٍ أكدت فيه ضرورة التمسك بوحدة المجتمع وتماسك النسيج الاجتماعي (بين الفلسطينيين) باعتباره "السلاح الأقوى في مواجهة الاحتلال وكل محاولات الاستهداف".

جاء تقرير للقناة الإسرائيلية الرابعة عشرة، ليتحدث عن كواليس الحملة، وما تخللها من جمع الجيش الاحتلال رؤساء العائلات المتنازعة في مكتب الإدارة المدنية، وفرْض اتفاقٍ جديدٍ عليهم برعاية إسرائيلية، قطع الطريق على اتفاقٍ سابق مع محافظ الخليل المعيّن من السلطة، خالد دودين، والذي لم ينجح في فرض النظام وإيقاف نزاع عشائري دموي خرج عن السيطرة.

تقرير القناة زعم أن الاتفاق يؤكد على أن العشائر تُفضّل التعامل مع ضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي بدلاً من محافظي السلطة الفلسطينية، وأن عصر التنسيق الأمني "مع هيئة عاجزة" قد انتهى، بإدراك إسرائيلي أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأنه لا بد من القضاء على ما تبقى من السيادة الفلسطينية.

ورغم أن التقرير الإسرائيلي يشير إلى تأخر المنظومة الإسرائيلية في إدراك هذه المعادلة، فإن تقارير إعلامية سابقة أكدت وجود اتصالات بين عددٍ من زعماء عائلات وعشائر الخليل، تستهدف تفكيك السلطة الفلسطينية وسيطرتها، وتطبيق السيادة الإسرائيلية الكاملة، بالتعاون مع شيوخ المنطقة، بعد تجريدها من الأسلحة.

"الإمارات السبع" 

وفي مطلع يوليو/تموز 2025، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية تقريراً عن سلسلة لقاءات جمعت رئيس مجلس المستوطنات في الضفة، يوسي داغان، ووزير الاقتصاد من حزب الليكود نير بركات، مع خمسة من مشايخ العشائر في الخليل وجبل الخليل، اتفقوا خلالها على رفض الدولة الفلسطينية، والانفصال عن السلطة الفلسطينية، في مقابل "اعتراف إمارة الخليل بدولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، واعتراف دولة إسرائيل بإمارة الخليل كممثل للسكان العرب في قضاء الخليل".

التلميح المحلي إلى هامشية الشيوخ المشاركين في اللقاءات، والتبرؤ الفلسطيني العائلي من عددٍ منهم، لم يمنع صحفاً إسرائيلية عن تأكيد وجود محادثات جمعت الحكومة بشيوخ وقبائل في أنحاء أخرى من الضفة الغربية، بهدف التمهيد لمشروع إمارات محلية، تعترف بإسرائيل، مقابل امتيازات اقتصادية، فيما عُرف بمشروع "الإمارات السبع" الذي يوفر فرصة إسرائيلية لإعلان تفكيك السلطة وإفراغ وجودها من مضمونه دون ثمنٍ سياسي أو إقليمي باهظ.

كما أدرجت وثائق إسرائيلية أسماء 21 شيخاً في المدينة، يمسكون بزمام قيادة أكثر من 550 ألف نسمة في الخليل، وقعوا على رسائل تعهد بالولاء للشيخ وديع الجعبري -عراب السلام مع إسرائيل- وبالسعي لعزل السلطة الفلسطينية وإيقاف التعامل معها.

على أرض الواقع، فإن الجهد الإسرائيلي لتطويع الخليل لم يتوقف يوماً، لكنه تصاعد بُعيد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مدفوعاً بما تمتلكه المدينة من وزن ديموغرافي واجتماعي، فهي المدينة الأثقل في الميزان السكاني الفلسطيني في الضفة الغربية، ولديها بنية عشائرية عميقة كانت ولا تزال عصية على الهضم لمختلف الأنظمة السياسية التي مرت عليها، كما أن تماسها الدائم مع الاستيطان نتيجة تغلغله في قلبها، جعل محاولات إعادة تشكيلها سياسياً مُلحّة، وقابلة للتعميم على مدن أخرى من الضفة الغربية، إذا ما نجحت.

وهو ما أكده وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات، في كلمة له خلال احتفال نظمه مجلس مستوطنات بنيامين، قائلاً: "حان الوقت للذهاب إلى حل، على شكل إمارات، الخليل أولاً"، مستلهماً فكرة موردخاي كيدار، باحث الثقافة العربية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، الذي يعتبر الخليل بمثابة اختبار لفكرة الإمارات، متوقعاً أن تمهد الخليل الطريق للتغيير في مدن الضفة الغربية الأخرى، وربما بيت لحم لاحقاً، حسب قوله.

أدوات الهندسة المدنية

هكذا تأتي الحملة العسكرية، باعتبارها أداة أولى في هذا الجهد، لتشكيل هندسة مدنية متقنة، بدأت بخلق هدفٍ اجتماعي غير معتاد للحملات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. 

أما الأداة الثانية، فهي الاتفاق الإسرائيلي مع العشائر، والذي لم يخف أهدافه في إعادة ترتيب الوجاهة الاجتماعية في المدينة، عبر فتح قنوات تواصل مباشر بين الاحتلال وكبار العشائر والعائلات، والشخصيات الاقتصادية، لخلق مركز نفوذ بديل لا يمر عبر السلطة الفلسطينية، ولا حتى عبر الفصائل، فيما تُعاني "البنية المجتمعية الوسيطة" مثل الشخصيات الاعتبارية النزيهة والأطر الشبابية ولجان الإصلاح، من الملاحقة والاعتقال والتغييب، ما يترك الفراغ ملعباً للاحتلال وحده.

وهو ما تؤكده الكاتبة الفلسطينية لمى خاطر من مدينة الخليل حين تقول، إن الحملة العسكرية التي شنها جيش الاحتلال على المنطقة الجنوبية في الخليل ليست بهدف إنهاء ظاهرة الفلتان وجمع سلاحه، لأن سلاح الفلتان يُشترى ويُكدس ويُستخدم تحت عين جيش ومخابرات الاحتلال.

موضحةَ أن "الخليل في قلب المطامع الاستيطانية الصهيونية، وتأتي بعد القدس في الاستهداف بالتهويد والهيمنة، وأن شل حياة الناس في جنوب المدينة هدفه تهجيرهم، وإحكام السيطرة على المدينة، وهو مقدمة لتطبيق سياسة الكيانات الإدارية المنفصلة المرتبطة بالاحتلال في عموم الضفة الغربية".

يتفق هذا التطبيق مع الضغط الاقتصادي، الذي علا صوته منذ اليوم الأول للحملة، عبر مهاجمة المحال التجارية وتخريبها، وقطع طرق الوصول إلى المزارع والمصانع، وحرمان العمال من الخروج إلى أعمالهم، بالإضافة إلى سياسة قديمة جديدة، يجري من خلالها منح تصاريح العمل وفق الرضا الأمني للاحتلال، وربط التسهيلات الاقتصادية بالهدوء والتعاون المحلي، فيما تختنق البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي بالاستيطان وحملات الإغلاق والمنع، لتهجير التجار من محلاتهم وأبواب رزقهم هناك.

وما بين الأدوات العسكرية، والاجتماعية والاقتصادية، يتراوح المسار الإسرائيلي في التعامل مع الخليل ما بين مسار خنق بُنى المقاومة المحتملة، عبر الاعتقال الاستباقي (جز العشب) وتفكيك الشبكات الاجتماعية، والحرص أن يبقى "سلاح الفلتان" تحت سيطرة الاحتلال، وألا ينتقل لفئات مقاومة.

أما المسار الثاني، فهو التمهيد لمشروع إمارة الخليل، عبر تحييد النفوذ الرسمي الفلسطيني، وإدارة المدينة بوصفها وحدة شبه مستقلة، لكنها منضوية تحت الإشراف الإسرائيلي، وبتعزيز نفوذ عشائري اقتصادي بديل، يستثمر نتائج القمع والعمل العسكري لبناء واقع فلسطيني جديد في الضفة الغربية، يبدأ من الخليل.

بهذا، يتجاوز انطفاء المقاومة المسلحة في الخليل حدود العمل الميداني العسكري، ليغدو شرطاً تأسيسياً لتمرير نموذج "الإمارة الخليلية"، فالتفتيت والتجزئة لا يُنفذ عادة في مساحات مقاومة، بل في مساحات أطفأت شرارة مقاومتها وأعادت ترتيب أولوياتها.

بالمحصلة، فالحملة الإسرائيلية على الخليل ليست أمنية تماماً، وليست عابرة كذلك، بل هي سلسلة متقدمة في مشروع إعادة هندسة مدنية للضفة الغربية، تتموقع الخليل فيه لا كمدينة تحت الحصار، وإنما كعينة اختبار أولية، فهل يمكن تحويل مدينة فلسطينية مركزية إلى كيانٍ مدارٍ بالعشائر والاقتصاد، منزوع المقاومة والسيادة؟

عموماً، نجاح هذا الاختبار أو فشله سيُحدد بدرجة كبيرة شكل المرحلة القادمة في الضفة الغربية، لا في الخليل وحدها.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
استشهاد 4 فلسطينيين في غزة.. وفلسطين تدعو إلى تحرك "فوري" لفرض وقف نار دائم
"أعدموه ببطء".. وفاة أسير فلسطيني أفرج الاحتلال عنه قبل أسبوع في وضع صحي حرج
إعلام أمريكي: ويتكوف وعراقجي سيلتقيان في إسطنبول لبحث اتفاق نووي محتمل
ترمب يعلن عن "اتفاق تجاري" مع الهند يتضمن التوقف عن شراء النفط الروسي
بزعم مهاجمة أهداف لحزب الله.. جيش الاحتلال يشن غارات جوية على قريتين جنوبي لبنان
الصفدي يقول إنّ الأردن لن يكون ساحة حرب ضد إيران.. وعراقجي: مستعدون للمفاوضات الدبلوماسية
فنزويلا تصدّر إلى الولايات المتحدة أول شحنة غاز مسال في تاريخها
قوى الأمن السوري تدخل الحسكة وعين العرب.. واستعدادات لإجراء الانتخابات البرلمانية في الرقة
حماس تؤكد اكتمال الترتيبات لتسليم السلطة.. واستعدادات مصرية لاستقبال جرحى ومرضى من غزة
سوريا تبدأ تنفيذ اتفاق الاندماج.. استعدادات أمنية لدخول عين العرب والحسكة
إسرائيل توسّع عملياتها جنوبي لبنان وتقصف سيارة على طريق صور
بعد نقلهم من سوريا.. العراق يفتح ملفات التحقيق مع عناصر داعش الإرهابي
إيران تدرس مسارات دبلوماسية مع أمريكا وتستدعي سفراء أوروبا احتجاجاً على تصنيف جيشها جماعة إرهابية
الذهب يواصل الخسائر ويهبط بأكثر من 8% والفضة تتكبد خسائر قوية والدولار يستقر
فتح معبر رفح في الاتجاهين وبدء توافد الفلسطينيين وسط قيود لدخول وخروج الجرحى