بين الخيام والحضانات المعطلة.. "حرب ديمغرافية ممنهجة" تستهدف حياة الأمهات في غزة
الحرب على غزة
5 دقيقة قراءة
بين الخيام والحضانات المعطلة.. "حرب ديمغرافية ممنهجة" تستهدف حياة الأمهات في غزةيرصد التقرير تدهور صحة الأمهات وحديثي الولادة في غزة وسط حرب الإبادة الإسرائيلية، مع ارتفاع وفيات الرضع والأجنة وتراجع المواليد، بسبب انهيار القطاع الصحي ونقص الإمكانات، ما يترك أثراً ديمغرافياً عميقاً.
يوضح مدير الإغاثة الطبية في غزة، محمد أبو عفش في حديثه مع TRT عربي أن النساء الحوامل سجّلن نسباً متزايدة من الإجهاض والولادة المبكرة / AA
منذ 2 ساعات

لم تسمع الفتاة ريم صرخة طفلها الأولى، عندما استفاقت من عملية جراحية بعد مخاض طويل وولادة متعسرة في مشفى ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب غزة، أدارت رأسها ببطء فوجدت فراغاً واضحاً، وسألت:" أين ابني؟"، فأجابتها إحدى الممرضات بصوت مكسور: "حاولنا إنعاشه كثيراً.. وضعناه 3 ساعات في الحضانة تحت المراقبة لكنه تُوفي".

فقدت طفلين

في غرفة الولادة، حاول الطاقم الطبي إنقاذ الطفل بما توفر لديهم من جهود، لكن ضَعف الإمكانات وتدهور الوضع الصحي بسبب الحصار الإسرائيلي وتدميره للمرافق الطبية جعلت المحاولات محدودة. الطفل لم ينجُ.

عاشت ريم ثابت (28 عاماً)، وهي نازحة من مدينة رفح جنوب القطاع، حملها بين الخيام والتنقّل القسري. تقول لـTRT عربي: "هذه هي المرة الثانية التي أفقد فيها طفلاً، فقدت الأول في الشهر الثالث من حملي نتيجة الإجهاض، الذي سببه الحصار والحرب الإسرائيلية، وما زال الاحتلال يحرمني من حقّي في الأمومة”.

وتضيف: “انتظرت طفلي الجديد بكل شوق، جهزت له سريراً صغيراً داخل الخيمة، واخترت له ملابس بعناية باللون الأزرق لأنه وَلد، وأسميته (مجد). لكنه لم يُكتب له أن يعيش. لطالما تخيلته معنا رغم الدمار والبؤس الذي نعيشه يومياً، ولو بقي حياً لكان سيكون الأمل الجديد لنا".

لم تكن حالة ريم في غزة مجرد حادثة منفردة، بل هي جزء من واقع جماعي مأساوي يعكس تأثير حرب ديمغرافية ممنهجة يشنها الاحتلال الإسرائيلي على سكان القطاع، على غرار حربه العسكرية.

فقد سجّل عام 2025 وفاة نحو 457 طفلاً حديثي الولادة، بارتفاع وصل إلى 50% مقارنة بما قبل الحرب، إلى جانب 616 حالة وفاة للأجنة داخل الأرحام، أي ضِعف المعدلات السابقة، ما يوضح حجم التأثير المباشر في صحة الأم والطفل، بحسب وزارة الصحة في غزة.

تراجع أعداد المواليد

في المقابل، انخفض عدد المواليد الأحياء إلى نحو 50 ألف طفل خلال العام نفسه، أي بانخفاض بنسبة 11% عن فترات ما قبل الحرب، نتيجة تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية واستهداف البنية الطبية بالقصف والحصار المستمر. وهذا ما يفند ادعاءات الاحتلال الإسرائيلي بتسجيل 60 ألف مولود جديد في قطاع غزة خلال عام 2025.

وشهد القطاع الصحي أيضاً ارتفاعاً حاداً في حالات الولادة غير الآمنة، حيث تم تسجيل 4 آلاف و100 ولادة مبكرة و4 آلاف و900 ولادة بأوزان منخفضة، أي بزيادة تتجاوز 60% مقارنة بما قبل الحرب، نتيجة الضغوط النفسية والجسدية القاسية على الحوامل وغياب الرعاية الطبية الأساسية.

بتاريخ 15 يناير/كانون الثاني 2026، أكدت منظمتان حقوقيتان أمريكية وإسرائيلية في تقريرين منفصلين أن إسرائيل ألحقت أضراراً ممنهجة بصحة النساء والمواليد في غزة منذ بدء الحرب، مشيرتين إلى ارتفاع كبير في وفيات الأمهات والأطفال، وزيادة الولادات في ظروف خطيرة، وتدمير شبه كامل لخدمات الرعاية الصحية المخصصة للنساء في القطاع.

شكوك بتواطؤ إسرائيلي-أوروبي

يشير رئيس معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية رامي الشقرة في تصريحات إعلامية إلى أن انخفاض أعداد المواليد في غزة ليس ظاهرة طبيعية، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال التي تستهدف تعطيل الإنجاب عبر تدمير المستشفيات وحرمان النساء الحوامل من الرعاية الصحية والغذاء، موضحاً أن هذا الوضع يخلق فجوة واضحة ويشوه الهرم السكاني، ويمتد أثره إلى بنية المجتمع، منبهاً إلى أن إنتاج خلل ديمغرافي بهذا الشكل في غزة لا يقتصر على الصحة الإنجابية، ليطال بنية المجتمع نفسها.

تماهياً مع تلك التصريحات، تقول طبيبة ورئيسة قسم التوليد في أحد مستشفيات غزة، في مقابلتها مع  TRT عربي، وفضلت عدم ذكر اسمها: "إن الوضع الصحي في أقسام الولادة يمرّ بأزمة حادة، إذ تعاني النساء من نقص حاد في الفيتامينات، أهمها الفوليك أسيد والمكملات الغذائية ، كما تفتقد النساء حقن البنغ في أثناء العمليات الجراحية في أكشاك الولادة".

وتشير المتحدثة إلى أن عمليات ولادة عدة جرت لنساء دون بنغ ولا مسكنات، خصوصاً بعد أن خرجت أقسام توليد النساء عن الخدمة في أثناء الحرب، ما يزيد خطورة الحمل والولادة.

وتضيف بقولها: "تعاني غرف الحضانة من نقص أجهزة الأكسجين الضرورية لإنقاذ حياة الأطفال حديثي الولادة، في حين يتسبب انقطاع التيار الكهربائي المتكرر في توقف العمل في غرف العمليات والحضانات، مضاعفاً المخاطر على الأمهات والرضع على حد سواء".

وتتابع أن هذه الأزمة ليست طبيعية، بل تأتي في سياق ما وصفته بمحاولة الاحتلال "تقليص أعداد المواليد في غزة لمنع ظهور جيل جديد".

حلم بالأبوة

"كنت أتمنى فقط أن أصبح أباً"، بهذه الكلمات يختصر أحمد جربوع (31 عاماً) رحلته الطويلة مع الحلم المؤجَّل لإنجاب طفله الأول بعد 7 سنوات من محاولاته وزوجته الإنجاب.

يقول جربوع لـTRT عربي:" كنت مستعداً لفعل أي شيء كي أسمع يوماً صوت طفلي ينادي (بابا)، وبعد سنوات من محاولات الإخصاب التي باءت بالفشل، منحني أحد الأطباء بصيص أمل، بأنّ فرصة الأبوة لا تزال ممكنة".

ويشير المتحدث إلى أنه قبل اندلاع الحرب بشهر واحد، خضع لعلاج طبي جديد اعتمد على أدوية حسّنت حالته الصحية، ومكّنت الأطباء من استخراج عينات صالحة، وخضع هو وزوجته لعملية إخصاب صناعي طال انتظارها، بعد سنوات من الترقّب والإنهاك النفسي والمادي، لتنتهي أخيراً بالنجاح الذي لم يكمله الاحتلال الإسرائيلي.

يكمل جربوع: "كان لدينا جنينان في حالة واعدة للزراعة، احتفظنا بهما في مركز البسمة للإخصاب، وكنا نعدّ الأيام انتظاراً لموعد الزراعة، لكن الحلم لم يكتمل، فبعد أسبوع واحد فقط من بدء الحرب، استهدفت إسرائيل العيادة وقصفتها، لنفقد الجنينين معاً".

يضيف بصوت مثقل بالحسرة: "الاحتلال دمّر بيتي وقتل جنينَيّ. كل محاولة زراعة كانت تكلّف نحو 200 دولار، وكنت أنفق كامل راتبي على أمل العلاج، فقط لأصبح أباً. إسرائيل حرمتني من هذه الفرصة". 

ويتنهّد أحمد جربوع وهو يستعيد اللحظة قائلاً: "أُصبت بصدمة مركّبة من الخوف والألم والحزن، كنت على بُعد خطوة واحدة فقط من حلم الإنجاب".

تبعات إنجابية خطيرة

بدوره يوضح مدير الإغاثة الطبية في غزة، محمد أبو عفش، في حديثه مع TRT عربي، إلى أن النساء الحوامل سجّلن نسباً متزايدة من الإجهاض والولادة المبكرة وحالات الوفاة داخل الرحم، إضافة إلى تشوّهات الأجنّة.

ويتابع أبو عفش بالقول إنّ تدمير أجهزة الفحص الطبية، وعلى رأسها أجهزة الموجات فوق الصوتية (الألتراساوند)، عاق القدرة على متابعة الحمل وتشخيص حالة الأجنّة بدقة، ما زاد المخاطر الصحية على الأمهات وأطفالهن.

ونتيجة لهذه الظروف الكارثية، تراجعت رغبة النساء في الحمل خوفاً من التبعات الصحية الخطيرة التي تهدد حياتهن وحياة الأجنّة خلال فترة الحمل.

أفضت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى تفكيك واسع في شبكة الرعاية الصحية الأولية، بعدما توقّف 95 مركزاً عن العمل من أصل 157 مركزاً كانت تخدم السكان عبر الجهات الحكومية والأهلية ووكالة غوث اللاجئين (أونروا).

ومع بقاء 62 مركزاً فقط قيد التشغيل، تتقلّص قدرة النظام الصحي على الاستجابة لاحتياجات النساء الحوامل، في سياق تتجاوز فيه التداعيات البعد الإنساني الآني، لتلامس القدرة الإنجابية ذاتها، بما يعكس مساراً يستهدف البنية السكانية لغزة على المدى البعيد.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
سعد الحريري يعتزم زيارة سوريا ويؤكد خوض الانتخابات المقبلة
توتر في إسرائيل بعد وصف ترمب لهرتسوغ بـ"العار" لعدم العفو عن نتنياهو
قوات الاحتلال تعتقل 19 فلسطينياً في اقتحامات بالضفة وسط استمرار اعتداءات المستوطنين
9 شهداء في قصف إسرائيلي استهدف خيمة نازحين في شمال وجنوبي قطاع غزة
وزير خارجية إيران يصف مؤتمر ميونخ بـ"السيرك".. وطهران تبدي استعداداً لاتفاق نووي مشروط برفع العقوبات
"العدل الأمريكية" تبعث برسالة بشأن تنقيح في ملفات إبستين إلى المشرعين
وزير الصناعة التركي: ماضون في بناء تركيا مستقلة بالكامل في التقنيات الاستراتيجية
غارات إسرائيلية ليلية على بلدات في النبطية وجزين جنوبي لبنان
النيابة الفرنسية تشكّل فريقاً قضائياً خاصاً لفحص ملفات مرتبطة بقضية جيفري إبستين
إلغاء "الجولة الأوروبية" بمسابقة "يوروفيجن" بسبب مشاركة إسرائيل في النسخة المقبلة
خلّف أكثر من 6 آلاف قتيل.. الأمم المتحدة: هجوم "الدعم السريع" على الفاشر يرقى إلى جرائم حرب
جيش الاحتلال يشن غارات جوية ويقصف مناطق شمالي قطاع غزة
بيانات لجيش الاحتلال الإسرائيلي تؤكد امتلاك أكثر من 50 ألف جندي جنسيات أجنبية
روبيو يؤكد عمق الشراكة مع أوروبا ويدعو للانضمام إلى مشروع "التجديد" بقيادة ترمب
لجنة إدارة غزة تتحدث عن المرحلة الانتقالية وعباس يدعو لإزالة معوقات المرحلة الثانية