انقلاب المذكرة أو "ما بعد الحداثة" وقع عام 1997  (Others)

الخميس 19 أغسطس/آب الجاري وبعد 24 عاماً اعتقلت قوى الأمن التركية 14 جنرالاً متقاعداً بعد إصدار المدعي العام مذكرة اعتقال بحقهم عقب تأييد محكمة الاستئناف العليا مطلع يوليو/تموز الماضي الأحكام الصادرة بالسجن المؤبد عليهم بتهمة ما عرف لاحقاً بـ"انقلاب ما بعد الحداثة" أو "انقلاب المذكرة" أو "حركة 28 فبراير/شباط"، الذي أطاح بحكومة الائتلاف عام 1997، بقيادة الزعيم الراحل نجم الدين أربكان عن حزب "الرفاه" وزعيمة حزب "الطريق القويم" تانسو جيلر.

وبعد قرار محكمة الاستئناف العليا أكدت المحكمة الجنائية العليا الخامسة في أنقرة التي نظرت في القضية، الأحكام الصادرة على الأسماء بما في ذلك رئيس الأركان العامة الثاني في ذلك الوقت الجنرال المتقاعد جيفيك بير ورئيس عمليات الأركان العامة الجنرال المتقاعد شيتين دوغان، وأُرسل الملف إلى مكتب المدعي العام في أنقرة لتنفيذ الأحكام الصادرة بحق المتهمين، الذي لم يرَ أي عقبة أمام تنفيذ القرار، وأصدر مذكرة توقيف بحق المتهمين.

وتنفيذاً لقرار المحكمة سيوضع 14 شخصاً في السجن في الوقت الذي ستقيم طلبات المحكومين بتأجيل قرار الحبس لأسباب صحية بعد صدور توصيات وتقرير من الطب الشرعي. وبجانب ذلك أرسلت المحكمة خطاباً إلى هيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع التركية طالبت فيه بإبطال رتب المحكوم عليهم وإنهاء علاقتهم بالقوات المسلحة التركية.

مسار المحاكمة

بعد مرور أكثر من 17 عاماً على "انقلاب ما بعد الحداثة" الذي أطاح بحكومة رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان وحظر حزبه السياسي حزب الرفاه" ومنعه ممارسة السياسة لـ5 سنوات أصدر القضاء التركي يوم 13 أبريل/نيسان 2014 حكماً بالسجن المؤبد بحق 21 شخصاً من كبار جنرالات الجيش آنذاك أدينوا بـ"المشاركة في الإطاحة بحكومة الجمهورية التركية باستخدام القوة". كما قرر القضاء تبرئة 68 مشتبهاً في القضية وإسقاط الدعاوى القضائية عن 10 متهمين آخرين للتقادم.

وفي ذلك الوقت ولكبر سن المتهمين وحالتهم الصحية قررت المحكمة إبقاءهم في منازلهم شريطة المراقبة القضائية ومنعتهم مغادرة البلاد وأجبرتهم على التوقيع في أقرب مركز شرطة لمحل سكنهم بداية كل شهر، وذلك حتّى تبت المحكمة العليا في طلبات الاستئناف التي قدمها المتهمون بعد صدور قرار المحكمة الجنائية العليا الخامسة في أنقرة.

وفي 9 يوليو/تموز الماضي صدر القرار النهائي عن محكمة الاستئناف العليا الذي أيد الأحكام الصادرة بالسجن المؤبد على 14 متهماً تلاه يوم أمس الخميس صدور مذكرة اعتقال بحق المحكومين من طرف النيابة العامة التي لم ترَ أي عقبة أمام تنفيذ القرار.

ومن بين الـ14 محكوماً الذين أودعوا السجن لتنفيذ عقوبة الحبس المؤبد: قائد القوات الجوية السابق أحمد جوركجي (89 سنة) والجنرالان السابقان جيفيك بير (82 سنة) وجتين دوغان (84 سنة) والجنرال المتقاعد إيلهان قليج (84 سنة) بالإضافة إلى أيدين إيرول (81 سنة) وإدريس كور ألب (83 سنة) وآخرون.

انقلاب ما بعد الحداثة

بعد نجاح حزب "الرفاه" في الانتخابات المحلية (البلدية) عام 1994 وحصوله على نسبة 21% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في ديسمبر/كانون الثاني 1995 ليحصد بذلك 158 مقعداً من أصل 550 في البرلمان التركي، أُعلن عن تشكيل حكومة ائتلافية في 28 يونيو/حزيران 1996 بزعامة أربكان من حزب الرفاه وتانسو جيلر من حزب "الطريق القويم" التي تولت منصب نائبة رئيس الوزراء وزيرة الخارجية.

وما أن تسلم أربكان زمام الأمور حتى بدأت الإزعاجات تعم المؤسسة العسكرية التركية بعد تعالي الأصوات التي ترى أن أربكان وفكره يشكلان تهديداً حقيقياً لعلمانية الجمهورية التركية. وفي اجتماع مجلس الشورى العسكري الذي انعقد في أغسطس/آب 1996 وجه المشاركون في الاجتماع انتقادات قوية إلى الحكومة مُتهمين إياها بممارسة "أنشطة رجعية"، وذلك بسبب زيارات أربكان إلى دول إسلامية مثل إيران ومصر وليبيا ونيجيريا، ومشاركته نهاية شهر يناير/كانون الثاني 1997 في "أمسية القدس" التي نظّمتها بلدية قضاء سنجان بالعاصمة أنقرة ودعت إليها السفير الإيراني في تركيا.

وبدعوى حماية علمانية الجمهورية التركية من الرجعية الدينية وجراء الضغوطات التي مارسها كبار قادة الجيش آنذاك أصدر مجلس الأمن القومي التركي سلسلة قرارات في 28 فبراير/شباط 1997 تمخض عنها إرسال مذكرة إلى رئيس الجمهورية آنذاك سليمان ديميريل تسببت لاحقاً في الإطاحة بالحكومة الائتلافية التي كانت بزعامة نجم الدين أربكان من دون الحاجة إلى حل البرلمان أو تعليق الدستور. وفي 16 أغسطس/آب 1997 صدَّق البرلمان التركي على قرارات التوصية الصادرة عن اجتماع مجلس الأمن القومي لتشهد تركيا بعدها مرحلة "انقلاب ما بعد الحداثة".

حظر حزب الرفاه

على الرغم من استقالة أربكان من رئاسة الوزراء ونقل واجبات مهامه إلى حليفته زعيمة حزب "الطريق القويم" تانسو جيلر فإن رئيس الجمهورية وقتها سليمان ديميريل منح مهمة تشكيل الحكومة الجديدة لمسعود يلماز زعيم حزب "الوطن الأم" الذي شكَّل مع حزب "اليسار الديمقراطي" برئاسة بولنت أجاويد حكومة ائتلافية جديدة في 30 يونيو/حزيران 1997.

وفي أعقاب المذكرة العسكرية وتشكيل حكومة جديدة برئاسة مسعود يلماز أغلقت المحكمة الدستورية حزب "الرفاه" في 16 يناير/كانون الأول 1998 في إطار دعوى قضائية رفعها إلى المحكمة العليا متهمةً قياداته بـ"ارتكاب أفعال مناهضة للجمهورية والعلمانية"، فضلاً عن فرضها حظراً سياسياً لمدة 5 سنوات على أربكان وعدد آخر من قيادات حزب "الرفاه" المغلق.

TRT عربي