نظام "التعليم عن بعد" أحد الترتيبات التي فرضها تفشي فيروس كورونا المستجد، فما جدوى فعاليته بالنسبة للطلاب الأطفال وعائلاتهم، وكذلك بالنسبة إلى المعلمين، وماذا عن مستقبل هذا النظام بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر من تطبيقه.

طالبة تتابع دروسها عبر محطة تلفزيونية تابعة لوزارة التعليم
طالبة تتابع دروسها عبر محطة تلفزيونية تابعة لوزارة التعليم (AA)

بعد مرور نحو أكثر من ثلاثة أشهر على تجربة معظم دول العالم لنظام "التعليم عن بعد"، كأحد الترتيبات التي فرضها تفشي فيروس كورونا المستجد، نتحدث عن مدى نجاح التجربة بالنسبة إلى الطلاب الأطفال وعائلاتهم، وكذلك بالنسبة إلى المعلمين، وعن مستقبل هذا النظام.

كيف يقيم الأهالي تجربة التعليم عن بعد؟

تقول رشا جمال في حديثها مع موقع TRT عربي، وهي أم لطفل في المرحلة الابتدائية: "إن هذه التجربة لها إيجابيات وسلبيات على حد سواء، فلقد لاحظت تطور طفلي على صعيد تطوير مهاراته الشخصية الخاصة في التعلم المستقل والذاتي، ولكن كان هناك تراجع ملحوظ في مستواه الأكاديمي، فمهما كان الطالب ذكياً فإنه يحتاج إلى المتابعة المباشرة من معلميه".

للمزيد حول الموضوع يمكنك قراءة:

الأطفال أثناء الحجر المنزلي في زمن كورونا.. نصائح وإرشادات

أما هالة سليمان، وهي أم لطفلين في المرحلة الابتدائية والإعدادية، فترى أن هذه الطريقة مفيدة من ناحية تقليل التكاليف الدراسية المرهقة على الأهالي، كذلك من ناحية التحصيل العلمي للأطفال الذين يتعلمون تخطيط وتنظيم جدول يومهم الدراسي في المنزل، ولكنه "غير مفيد من ناحية خلق الطفل للدوائر الاجتماعية من حوله"، حيث إنها تُعاني الآن من رغبة أطفالها عدم ترك المنزل.

في حين يرى خالد حسين، والد طفلة في الابتدائية، أن هذه التجربة صعبة جداً وتزداد صعوبتها، على الأطفال والأهالي على حد سواء، "بسبب حالة الملل والإرهاق التي تصيب الجانبين من خلال المتابعة اليومية لأكثر من درس"، إضافة إلى صعوبة استيعاب الطفل بعض المواد التي تحتاج شرحاً وتفصيلاً أكثر، كالمواد العلمية.

وفي هذا السياق يقول د. داوود حلس الاختصاصي التربوي، في حواره مع TRT عربي: إنه "من الملاحظ عبر مواقع التواصل الاجتماعي تذمر الكثير من أولياء الأمور بسبب كثرة الأنشطة التي يكلف بها المعلمون أبناءهم عبر التعليم الإلكتروني، وتشتت تركيز الأطفال، وهذا يعود إلى أن الطفل في المراحل الأولى لا يمكنه التركيز أكثر من 15 دقيقة، ولذلك فإن كثرة الأنشطة تؤدي إلى تشتته".

ولذلك ينصح حلس بأن تتنوع الأنشطة الدراسية، وتكون على فترات بدلاً من إنجازها في وقت محدد، موضحاً أنه لا بد أن يكون للطالب وقت للراحة والاستجمام، ولا سيما أن فكرة الواجبات المدرسية ملغاة في كثير من الدول، واستعادتها تعتبر عبئاً على الطالب وذويه.

كيف يصف المعلمون تجربة التعليم عن بعد؟

تجيبنا معلمة المرحلة الابتدائية رويدا عامر، في حديثها مع موقع TRT عربي، بأنه في البداية من الضروري التنوع في أساليب التدريس وطرقه وتوصيله بكافة الوسائل، وهذا تجربة مستخدمة في الدول المتطورة، ولكن أغلب الدول العربية بدأت بها خلال حالة الطوارئ الناجمة عن جائحة كورونا، "وهذه التجربة مميزة لها جوانب سلبية وايجابية بالنسبة إلي، من ناحية التغيير في تقديم المعلومة وطريقة تفاعل الطلاب بشكل محبب لاستخدامهم التكنولوجيا".

للمزيد حول الموضوع يمكنك قراءة:

كيف حرمت الحرب السورية الأطفال من طفولتهم؟

أما الجانب السلبي بحسب رأي عامر، فيكمن في زيادة الإرهاق على المدرس، إذ يقوم المعلم عادة في الدوام المدرسي بتدريس أربع حصص أسبوعياً، وكل حصة مدتها 45 دقيقة، ولكن في التعليم عن بعد يتم إعطاء الحصة بشكل يومي لمدة ساعة أو أكثر، كما يزيد العبء بالمتابعة اليومية مع جميع الطلبة على الإنترنت.

يُحدثنا معلم الابتدائية إياد صبري عن أبرز المعوقات التي تواجه المعلم في نظام التعليم عن بعد، والتي تكمن في أمور عديدة أبرزها عدم توفر الإنترنت بالجودة المطلوبة لدى جميع الطلاب، وكذلك ضعف خبرة المعلم في التعامل مع برامج الإنترنت الخاصة بالتعليم عن بعد، بالإضافة إلى تراكم الأمور المطلوبة من الطلاب لإنجازها، ممَّا يؤدي بالطالب إلى التركيز على مادة دون الأخرى، لتزيد صعوبة المدرسين في كل مادة.

ويضيف صبري: "رغم هذه المعيقات فإنني مع استمرار العمل بنظام التعليم عن بعد للأطفال، في حال تطوير نقاط الضعف في النظام وتقويتها، وذلك لأن هذا النظام هو الحل الوحيد الذي يمكن اللجوء إليه في ظل الأزمات".

من وجهة نظر تربوية.. هل تعتبر تجربة التعليم عن بعد ناجحة؟

يجيبنا حلس أن للتعليم الإلكتروني إيجابيات منها التغلب على مشكلة إغلاق المدارس، وإدراك ما تبقى من المنهج الدراسي للمدارس إلكترونياً، فضلاً عن أنه في الوقت الراهن أصبح لدى وزارات التعليم في جميع الدول العربية والعالم أيضاً استعداد لاستقبال العام الدراسي في ظل جائحة كورونا.

لكن التجربة قد تكون غير ناجحة، لا سيما بالنسبة إلى طلبة الصفوف الثلاث الأولى، لكون الطفل بحاجة إلى إتقان مهارة القراءة والكتابة والتي هي بدورها بحاجة إلى أن يكونوا على مقاعد الدراسة ليكتسبوها فهي ليست معرفة يجب المرور عليها فقط، من وجهة نظر حلس.

ولذلك فإن كثيراً من دول العالم كألمانيا والسويد أعادت الطلبة إلى مدارسهم في ظل جائحة كورونا لكن بأعداد قليلة، بعدما قسمت الفصل إلى نصفين وكل مجموعة لديها دوام يومين من أجل اكتساب المهارات التي يحاكي فيها المعلم، حيث إن المراحل الأعلى تتفاوت فيها النسبة في نجاح التجربة لكون الأمر يعود إلى المعلم ومهارته في التواصل.

متطلبات نظام التعليم عن بعد

يرى حلس أن التعليم عن بعد له متطلبات كثيرة، أبرزها "توفير اتصالات سريعة بالإنترنت، خاصة أن الطلاب يدخلون إلى الشبكة في وقت واحد تقريباً لمتابعة دروسهم، ولا تتوفر في جميع الدول البنية التحتية اللازمة لدعم هذا الاستخدام الكثيف، حتى في كبرى الدول المتقدمة".

كما يجب أن يكون المعلم على دراية بالتعليم عبر الإنترنت، وبحاجة لمزيد من الدورات التدريبية، الأمر الذي جعل الكثير من الوزارات في العالم العربي في مأزق لعدم قدرتها على تدارك الأمر فوراً لأن الجائحة كانت مفاجئة، مشيراً إلى أنه في ظل استمرار وجود فيروس كورونا يجب على وزارات التعليم إعداد استراتيجيات من أجل تدريب المعلمين على التعليم الإلكتروني، لكونه يحتاج إلى إعداد أكبر مقارنة بالتعليم وجهاً لوجه.

اختتم حلس حديثه بأنه "لا يمكن تحديد إن كانت الدول ستتجه إلى اعتماد نظام التعليم عن بعد في بنيتها التحتية التعليمية الآن، ولكن على الحكومات معالجة المشكلات التي أظهرها هذا التحول السريع من التعليم التقليدي إلى التعليم عن بعد عبر الإنترنت، عبر حلول مؤقتة وأخرى طويلة الأمد، وإجراء نقاشات ودراسات موسعة لتحديد مدى جدارة منصات التعليم عبر الإنترنت والمؤهلات والمهارات التي يتعلمها الطلاب بالاعتماد عليها، ووضع خطط وبرامج في حال تم إغلاق المدارس مرة أخرى".

المصدر: TRT عربي