" كل ربيع يبدأ بزهرة "، رسمت كلمات البروفيسور الراحل نجم الدين أربكان مساراً سياسياً طويلاً، كان لا بد فيه من المقاومة ومزيد المحاولة لبناء ثقافة سياسية منيعة ضد منطق الانقلاب على الإرادة الشعبية وافتكاك السلطة.

منذ قيام الجمهورية التركية عاش جيل كامل سلسلة من الانقلابات حتى عرف ثمنها جيداً، فوقف سداً منيعاً أمام محاولة الانقلاب على السلطة الشرعية في 15 يوليو/تموز 2016 وتمكن من إفشال مخطط الانقلابيين، ليكون بذلك انقلاب فبراير/شباط 1997 هو الانقلاب الأخير في تاريخ تركيا.

اضطر رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان إلى الإعلان عن استقالته وإنهاء حكومته الائتلافية بعد قرار القوات المسلحة التركية إزاحته من الحكم، وذلك عقب اجتماع لمجلس الأمن القومي يوم 28 فبراير/شباط 1997 عُرف باسم انقلاب ما بعد الحداثة.

نجم الدين أربكان.. أبو الأرواح السبع

هكذا اختار الأتراك تلقيبه"أبو الأوراح السبع"لاستمراره في المحاولة مراراً وتكراراً رغم كل مساعي التضييق ورغم ما عاشه من سجن في أكثر من مرة، ورغم ما لقي من عقوبات، لم يتراجع أربكان رغم ذلك كله عن مزاحمته في ميادين الممارسة السياسية، فقام بتأسيس 5 أحزاب في فترة زمنية قصيرة، لا يكاد ينشئ فيها حزباً حتى يُواجَه بالحصار والإغلاق.

ولد أربكان سنة 1926 على ساحل البحر الأسود، و نال سنة 1953 شهادة الدكتوراه بألمانيا اختصاص هندسة المحركات، ليتوج بعد ذلك مسيرته الأكاديمية الحافلة بالتميز والنجاحات والاكتشافات، بتولي رئاسة اتحاد غرف التجارة والصناعة التركية عام 1968، وذلك بعد أن قام عند عودته إلى تركيا بتأسيس شركة ومصانع مختصة في صناعة المحركات.

لم يقتصر عطاء نجم الدين أربكان على المجال العلمي والأكاديمي، إذ قام بإنشاء حركة صوفية تعكس أفكاره وسماها حينها "ميلي غورش" وتعني باللغة التركية "فكر الأمة". خاض بعدها أول تجربة له في مضمار الممارسة السياسية، حيث ترشح للانتخابات البرلمانية في مدينة قونيا كمرشح مستقل سنة 1969 وفاز على إثرها باكتساح، ما شجعه على مزيد الانخراط في الحياة السياسية، فأسس سنة 1970 مع مجموعة من رفاقه حزب النظام الوطني، وهو أول حزب سياسي ذي هوية إسلامية منذ زوال الخلافة العثمانية سنة 1924.

ولكن سرعان ما تم إصدار قرار قضائي بحل الحزب، ولم يثن ذلك البروفيسور الراحل عن إنشاء حزب ثانٍ سُمي بحزب السلامة الوطني وذلك عام 1972، ليشارك على إثره في الانتخابات التي تم إجراؤها سنة 1974، ليفوز بعدد كبير من المقاعد ما خوله المشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري، وتولى منصب نائب رئيس الوزراء.

كانت لحظة أربكان لحظة فارقة في السياسة التركية، إذساهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي والإسلامي، وأظهر رفضَه في أكثر من مناسبة للاحتلال الإسرائيلي ودعمَه للقضية الفلسطينية.

أثارت شخصية المفكر والسياسي التركي نجم الدين أربكان ومواقفه جدلاً كبيراً في الأوساط التركية، وحشدت من حوله الجماهير الشعبية.

ومع انقلاب سبتمبر/أيلول 1980 تعرض أربكان للسجن ثم وضِِع تحت الإقامة الجبرية. وبمجرد خروجه أسس من جديد حزب الرفاه الذي ارتقى معه حتى وصل إلى سدة الحكم عام 1996، وواجه الحزب فيما بعد قرار الإغلاق، إلا أن أربكان لم يغادر الساحة السياسية حتى وفاته. فكانت مسيرته ضرباً من ضروب المقاومة المستمرة، وتواصل عطاؤه الفكري والسياسي حتى وافته المنيةيوم 27 فبراير/شباط 2011.

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متحدثاً عنه في ذكرى وفاته"في الذكرى العاشرة لرحيل أستاذنا، البروفيسور نجم الدين أربكان نترحم على رجل دولة وسياسة وعلم، أمضى حياته في النضال والتعلّم والتعليم والخدمة، ولفتح آفاق جديدة للبلاد".

انقلاب ما بعد الحداثة

أثارت سياسة أربكان ومواقفه عند توليه رئاسة الحكومة الائتلافية حفيظة قادة الجيش التركي والنخبة السياسية التركية، فواجهت الحكومة آنذاك اتهامات بـ"تشكيل خطر على النظام" و"دعم الرجعية"، وذلك بعد فترة وجيزة من تسلمها مهام عملها، كما تعرضت لانتقادات من المجلس العسكري الأعلى، واتهامات لأعضائها بممارسة "أنشطة رجعية".

وممَّا زاد في حدة التوتر الزيارة التي أداها رئيس الوزراء الأسبق إلى كل من ليبيا ومصر ونيجيريا في أكتوبر/تشرين الأول 1996.

وإثر تنظيم أمسية القدس في بلدية سنجان التابعة لولاية أنقرة، والتي ألقى خلالها السفير الإيراني لدى تركيا كلمة، فتحت النيابة العامة ونيابة محكمة أمن الدولة بأنقرةتحقيقاً حول رئيس البلدية المنتمي آنذاك إلى حزب الرفاه، وقضت وزارة الداخلية التركية بعدها بإقالته.

بعد تظاهرة سنجان ببضعة أيام توغلت دبابات الجيش وعربات عسكرية في ميدان الأمسية، في تحذير غير مباشر من القوات المسلحة للحكومة، وللتلويح بإمكانية حدوث انقلاب في البلاد ضد الحكومة المنتخبة.

ساهمت هذه الأحداث بالدفع إلى مزيد من التأزم في العلاقة بين رئاسة الحكومة والجيش.

وأدى ذلك كله إلى انعقاد اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 28 فبراير/شباط 1997 برئاسة الرئيس التركي آنذاك سليمان ديميريل، وبحضوررئيس الوزراء نجم الدين أربكان، ونائبته ووزيرة الخارجية طانصو تشيلار، ورئيس هيئة الأركان، ووزيري الدفاع والداخلية، إضافة إلى قادة الجيش، وعدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين.

استمر الاجتماع لأكثر من 8 ساعات وانتهى بإصدار بيان سُمي ببيان انقلاب ما بعد الحداثة، تم التشديد فيه على"عدم التهاون أبداً في تطبيق الدستور وقوانين الجمهورية التركية"،والتحذير من محاولات النيل من علمانية الدولة التركية ومبادئ مؤسس الجمهورية أتاتورك، وضرورة مواجهة المجموعات المعادية لهذه المبادئ تحت أي مسمى كان، واتخاذ التدابير اللازمة من أجل ذلك.

اضطر نجم الدين أربكان إلى التوقيع على بنود البيان، ثم قدم استقالته بعد ذلك وأوكل مهامه إلى نائبته. لكن كان للرئيس التركي وقتها رأي آخر حيث كلف حزب الوطن الأم بتشكيل حكومة جديدة. وتعليقاً على ذلك صرح أربكان في ندوة صحفية أن "مكان تشكيل الحكومة في البرلمان وليس في اجتماعات مجلس الأمن القومي".

عرفت تركيا عقب انقلاب فبراير/شباط 1997 فترة انتهاكات شديدة للحريات، وسارعت المحكمة الدستورية بإصدار قرار يقضي بإغلاق حزب الرفاه سنة 1998، وفرض حظر سياسي لمدة 5 سنوات على أربكان وعدد من قيادات الحزب، جوبه القرار بموجة كبيرة من الاحتجاجات.

وبينما كان العديد من المراقبين يناقشون احتمالية اندلاع حرب أهلية، عقد رئيس الوزراء الراحل أربكان مؤتمراً صحفياً قال فيه: "أرسل هذه الرسالة لجميع أبناء الشعب التركي، فلنحافظ على السكينة والهدوء أكثر من أي وقت مضى كي لا يستغلكم من يجدون في هذا القرار فرصة لإثارة الشغب"، وأضاف معلقاً على قرار إغلاق حزب الرفاه: "هذا القرار عبارة عن نقطة بسيطة في مسيرتنا التاريخية"، وتمكن بهذه الكلمات من تخفيض حدة الشارع.

ووقوفاً عند تداعيات سلسلة الانقلابات التي عاشتها تركيا ومن بينها انقلاب 1997، فإنه من الطبيعي أن يسعى الأتراك اليوم إلى إيصاد الباب أمام محاولات أخرى لتقويض المسار الديمقراطي، وقد خاضوا في ذلك إلى اليوم طريقاً طويلاً وعبّدوا مساراً سياسياً حاولوا عبره إرساء ثقافة ديمقراطية، فتوجوا ذلك بإفشال مخطط 15 يوليو/تموز 2016.

TRT عربي