"كانت ليلة صيد فراخ (صغار) التمساح".. هكذا وصف مصدر أمني فلسطيني لـTRT عربي العملية التي نفذتها قبل أسابيع وزارة الداخلية في قطاع غزة، حين شنت قوة أمنية خاصة هجوماً منسقاً على أوكار عدد من المشتبهين بالتعاون مع إحدى الميليشيات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.
ليلة صيد فراخ التمساح
في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، وبينما كان شوقي أبو نصيرة، المعروف محلياً بلقب "التمساح" وزعيم إحدى الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال في غزة، منشغلاً باستعراض حضوره على منصات التواصل الاجتماعي، كانت قوة سرية تُعرف باسم "سهم الخاصة" قد أتمّت استعداداتها لتنفيذ مهمة استثنائية في قلب القطاع، وتحديداً في مدينة دير البلح، إذ دهمت القوة عدة منازل بشكل متزامن، بحثاً عن أموال ووثائق ومطلوبين يعملون لمصلحة تلك الميليشيا.
وجاءت العملية استناداً إلى معلومات سبقتْها اعترافات أدلى بها شخص يُدعى (س.ع)، يبلغ 26 عاماً، تربطه صلة قرابة بشوقي أبو نصيرة، هذه الصلة، بحسب التحقيقات، هي التي مهدت الطريق لتجنيده للعمل لمصلحة الميليشيا التي يقودها أبو نصيرة. واعترف (س.ع) بأن شقيقه ثائر أبو عليان (من مواليد 1993)، الذي يُعد الشخصية الثانية في الميليشيا، هو من تولّى تجنيده.
وأضاف المصدر الأمني أن ثائر كلّف شقيقه في البداية البيع والاتجار ببضائع مرتفعة الثمن، مستفيداً من ظروف الحصار والإغلاق المفروضة على غزة، إلى جانب الاتجار بالمخدرات التي كان يهرّبها من منطقة تمركز أبو نصيرة ومجموعته شرق الخط الأصفر. هذا النشاط غير المشروع أدى إلى مظاهر ثراء سريع وفاحش، ما وضع أفراد الشبكة تحت رقابة أمنية لصيقة، انتهت بإلقاء القبض عليهم.
وخلال التحقيق، تبيّن أن الأمر يتجاوز مجرد التجارة. فقد كشف (س.ع) أنه يعمل ضمن شبكة يديرها شقيقه ثائر لاستقطاب مواطنين وإسقاطهم للعمل لمصلحة الميليشيا. كما أدلى بأسماء متورطين آخرين في المخطط، من بينهم أقارب لأبي نصيرة، إضافة إلى شخص يُدعى (أ.ذ)، وكان اسمه قد ارتبط عام 2022 بقضية عُرفت حينها بين سكان غزة باسم "شبكة الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية لشباب قطاع غزة"، والتي كُشف عنها عقب تحقيق استقصائي صحفي.
وأسفرت العملية الأمنية عن اعتقال المشتبهين، ومصادرة مبالغ مالية كبيرة، وضبط وثائق كشفت تفاصيل واسعة عن المخطط. وبحسب المصدر، فإن الضربة وُجهت بدقة إلى قلب طموحات تلك الميليشيا، ما سيؤدي إلى تراجع نشاطها لفترة طويلة نسبياً.
مَن شوقي أبو نصيرة؟
وُلِد أحمد إسماعيل أبو نصيرة المعروف بلقب "شوقي"، عام 1961، وهو ضابط متقاعد وصل إلى رتبة عميد، شغل مناصب أمنية في أجهزة السلطة الفلسطينية. وكان في 2006 ضابطاً كبيراً في إدارة محافظة خان يونس، وهو العام ذاته الذي سيطرت فيه حركة حماس على قطاع غزة.
خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، اعتقل أبو نصيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتهمة الانتماء إلى حركة فتح. وبعد عام 2007، انخرط في أنشطة معارضة لحماس، وارتبط اسمه لاحقاً بعدد من قضايا الفساد، وخلال حرب "طوفان الأقصى"، قُتل ابنه الوحيد أدهم في قصف إسرائيلي.
عملية التجنيد.. مِن ضابط متقاعد إلى زعيم ميليشيا
يشير المصدر الأمني في حديثه لـTRT عربي، إلى أن أبو نصيرة جرى تجنيده للعمل ضمن شبكة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال عبر حسام الأسطل، أحد قادة تلك الميليشيات. وبحسب المصادر، فإن الاتصالات بين الطرفين بدأت بمبادرة من أبو نصيرة أواخر عام 2024، حين طلب الانضمام إلى أنشطة تستهدف مواجهة حماس وقوى المقاومة.
وبعد عدة أشهر، وفّر الأسطل لأبو نصيرة طريقاً آمناً للوصول إلى مقر مجموعته، التي كانت متمركزة آنذاك في منطقة قيزان النجار جنوب شرقي خان يونس. أقام أبو نصيرة هناك لعدة أشهر، قبل أن يُنقل لاحقاً إلى تمركز آخر وسط القطاع، شرق مدينة دير البلح، وهي منطقة تتمتع فيها مجموعة الأسطل بنفوذ ميداني تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ووفق مصدر أمني آخر تحدث لكاتب المقال، فإن الأسطل انسحب لاحقاً من الموقع، وسلّم كامل الصلاحيات لأبو نصيرة، تنفيذاً لأوامر جهاز الشاباك الإسرائيلي في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وهي الفترة ذاتها التي أعلن فيها أبو نصيرة تشكيل مجموعته الخاصة، والتي عُرفت لاحقاً باسم "قوات الوطن الحر"، أو كما تُسمى محلياً "قوات أبو نصيرة" أو "قوات التمساح". وبذلك أصبحت هذه الميليشيا الخامسة من هذا النوع في قطاع غزة، إلى جانب مجموعات أخرى تحمل أسماء قادتها، وهي الأسطل وحلس والدهيني والمنسي.
تتمركز الميليشيا حالياً شرق المنطقة الوسطى من القطاع، وتتخذ من مدرسة "مساعد بن عبد الله العازمي الأساسية المشتركة" جنوب شرقي دير البلح نقطة انطلاق لعملياتها. وتشمل أنشطتها ملاحقة المواطنين، ونهب المساعدات، وتهريب البضائع، إضافة إلى حراسة الخط الأصفر لمصلحة جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وتعتمد الميليشيا في تجنيد عناصرها على الروابط العائلية وعلاقات النسب، إلى جانب استقطاب بعض سكان المنطقة مقابل رواتب شهرية مرتفعة وامتيازات تجارية. كما تُعرف باستخدامها المكثف لأساليب الترهيب والإكراه لإخضاع السكان.
ورغم ذلك، لم تشهد الميليشيا توسعاً كبيراً في حجمها، بفعل حالة الرفض والنبذ الاجتماعي الواسع للميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، التي ينظر إليها سكان غزة بوصفها مجموعات عميلة. وبحسب مصادر أمنية وصحفية متعددة، يتراوح عدد عناصرها حالياً بين 25 و40 عنصراً، معظمهم من أصحاب السوابق الجنائية.
وأوضح مثال على ذلك ما فعلته عائلة أبو نصيرة نفسه عندما أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بياناً أعلنت فيه تبرؤها منه، مؤكدة رفضها لأفعاله التي اعتبرت أنها "تخدم المخططات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وتتعارض مع تاريخ العائلة وانتمائها الوطني وخيار المقاومة".
ماذا تريد الميليشيا؟ وكيف تدعمها إسرائيل؟
أمّا فيما يخص هدف وجود الميليشيا، فوفق ما تعلنه الميليشيا بنفسها، يتركز هدفها الأساسي على محاولة القضاء على حركة حماس وكل قوى المقاومة، وتصف الصراع معها بأنه "صراع حياة أو موت"، وهو موقف عبّر عنه أبو نصيرة مراراً في خطاباته العلنية.
ويُرجع المصدر الأمني الموقف المتطرف لأبو نصيرة إلى عدائه القديم مع الحكومة في غزة على خلفية ملاحقته سابقاً في قضايا تتعلق بمخالفات أخلاقية وفساد مالي وتشكيل خلايا مسلحة خارج إطار القانون. وقد انعكس ذلك في الخطاب العلني للميليشيا، التي بالغت في إظهار ولائها لإسرائيل وجيش الاحتلال، وصولاً إلى المجاهرة بالتعاون معهم والتفاخر به، بل ووصف العلاقة مع الإسرائيليين بأنها علاقة "أخوة".
في مراحلها الأولى، اقتصرت أنشطة الميليشيا على حراسة الخط الأصفر وبعض الممارسات الإجرامية بحق المواطنين، إلا أن تقارير أمنية تشير إلى تحول لافت في نمط نشاطها، بمعنى تنفيذ أنشطة أمنية وتخابرية تعاونية مع الاحتلال، على الجانب الآخر من الخط الأصفر، حيث أعلن أبو نصيرة في ديسمبر/كانون الأول مسؤوليته عن اغتيال الضابط في حكومة غزة أحمد زمزم، الذي كان يتولى ملف مكافحة الميليشيات في جهاز الأمن الداخلي.
كما لوحظ تصاعد ملحوظ في حوادث الخطف والقتل، واتساع نطاقها لتشمل مناطق تقع غرب الخط الأصفر. وكان آخر تلك الحوادث مقتل سائق شاحنة بضائع بدم بارد، إثر كمين نصبته له الميليشيا على طريق كيسوفيم مطلع يناير/كانون الثاني 2026، حيث تُركت جثته ملقاة لأيام، مع منع المواطنين من الوصول إليها.
دعم الاحتلال
تعتمد ميليشيا شوقي أبو نصيرة على دعم مباشر من جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدة أوجه، تشمل السلاح واللوجستيات والتنسيق الميداني، كما أشار أبو نصيرة نفسه في تصريحات للقناة 14 الإسرائيلية، مؤكّداً أنه ينسّق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ميدانياً ومعلوماتياً على نطاق واسع.
في السياق نفسه، فصّل تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، شهر يناير/كانون الثاني الماضي، الدعم متعدد المستويات الذي تقدّمه للميليشيات المتعاونة معها على النحو التالي:
الدعم المعلوماتي: يشمل تزويد الميليشيات بمعلومات استخبارية، تعزز قدراتهم على تنفيذ مهام ضد خصومهم المحليين.
الحماية الميدانية: توفر قوات الاحتلال تغطية لحركات هذه الميليشيات عبر طائرات الدرون، لكشف أي مخاطر محتملة، وتبقى قوات الجيش الإسرائيلي في استعداد دائم للتدخل الفوري لمصلحتهم. وفي هذا السياق، نقل التقرير عن أحد ضباط الجيش العاملين في غزة قوله: "عندما تذهب الميليشيات لتنفيذ أنشطتها ضد حماس، نكون نحن موجودين لمراقبتهم وأحياناً لمساعدتهم".
الإجلاء الصحي: تشمل عمليات نقل جرحى الميليشيات جوياً إلى مستشفيات داخل الأراضي الإسرائيلية لتلقي العلاج.
الدعم اللوجستي العام: يتضمن تزويد الاحتلال تلك الميليشيات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، والذخائر، إضافة إلى المواد الغذائية والملابس وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وبالإضافة إلى السمعة السيئة التي يكتسبها المنضمون إلى تلك الميليشيات، إذ يُنظر إليهم بوصفهم "أشخاصاً انتهازيين" ويصفهم الكثير بـ"الخونة" وتتبرأ منهم عائلاتهم، فقد يرجع أيضاً عدم تجذّر ظاهرة الميليشيات في غزة وحالة النبذ الاجتماعي التي يتعرّض لها عناصرها إلى سبب إضافي آخر، يرتبط بنظرة الاحتلال إليهم واستعداده للتمسك بهم.
فبحسب تصريحات نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال عن ضابط في جيش الاحتلال، فإنه من المرجّح أن الجيش سيتخلى سريعاً عن هؤلاء الأشخاص ويتركهم في العراء من دون دعم عند انسحابه المحتمل في المستقبل، ما سيعرّضهم للملاحقة والقتل، كما حدث مع ما عرف باسم “جيش لبنان الجنوبي” (جيش لحد) بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، وهو ما سيجعل أياً من أولئك الذين يريدون الانضمام إلى تلك الميليشيات يفكرون مرتين، لأنهم على الأرجح يعلمون أن إسرائيل يوماً ستتخلى عنهم.










