شكل إعلان الدوحة الثلاثي، عن إطلاق آلية تشاور دولية جديدة حول الملف السوري، بمشاركة كل من تركيا وروسيا وقطر مفاجأة للمراقبين، نظراً لكونه جاء دون تمهيد إعلامي سابق، كما أنه جاء في وقت دخلت جميع المسارات القائمة لمعالجة الأزمة السورية انسداداً واضحاً.

تتسم الآلية الجديدة بأنها ثلاثية، تضم اثنين من الضامنين الثلاثة لمسار أستانة، وهي صيغة توحي للوهلة الأولى بأنها منافسة لصيغة أستانة باستبعاد إيران وضم قطر عوضاً عنها، إلا أن هذا السيناريو تم نفيه على لسان المشاركين في اجتماع الدوحة، مؤكدين أنه مسار متمم وليس بديلاً عن أستانة وبقية المسارات.

ويعد المسار الدولي الذي يقوم على جمع طرفي الصراع السوري في جنيف عبر جولات تفاوض بتيسير من الأمم المتحدة هو المسار المعتمد من مجلس الأمن وجميع القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً، وهو مسار ذو طابع سياسي في المقام الأول. فيما يعد مسار أستانة الذي يضم روسيا وتركيا وإيران آلية موازية للمسار الدولي، لكنها لا تتعارض معه كما يصرح ضامنوه، وهو مسار يتصدى في الأساس للجوانب العسكرية، أي أن أستانة يحاول إتمام مسار جنيف عبر التركيز على الجانب العسكري من الصراع، وهو بذلك يفترق عن مسار جنيف بأنه مسار ذو طابع عسكري، فهل يأتي المسار الثلاثي الجديد الذي انطلق باجتماع الدوحة ليكون مساراً متمماً أيضاً للمسار الدولي ولكن بطابع إنساني هذه المرة؟

لمعرفة جواب هذا السؤال، ينبغي النظر أولاً في السياق الذي جاء فيه اجتماع الدوحة. فالاجتماع يأتي ضمن أجواء جديدة في الشرق الأوسط فرضها وصول إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض، وهي أجواء غير مواتية للتطبيع العربي المجاني مع النظام السوري، كما أنها لا تنسجم مع السياسة الروسية القائمة على مطالبة المجتمع الدولي بتعويم الأسد والبدء بإعادة إعمار البلاد بدون مقابل يتجلى في العملية السياسية على أقل تقدير.

في حين يدفع الانهيار الاقتصادي المتواصل في سوريا موسكو إلى الخشية من فشل النظام في تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية للمواطنين الخاضعين لسلطته، ما قد يهدد بانكشافه أمنياً وعسكرياً من الداخل، وبالتالي تضييع المكتسبات الروسية في البلاد.

كما أن اجتماع الدوحة يأتي في وقت شمّرت فيه قطر عن ساعد العودة إلى ممارسة دور إقليمي تقليدي تنخرط بموجبه في قضايا المنطقة على نحو كبير، وذلك بعد المصالحة الخليجية. ومن المعروف عن قطر امتلاكها للقدرة والرغبة في الانخراط في الجوانب الإنسانية من الصراعات الإقليمية كبوابة لممارسة دور فاعل.

أبعاد سياسية

لم يحدد البيان الختامي لاجتماع الدوحة الذي شارك فيه وزراء خارجية روسيا سيرغي لافروف وتركيا مولود جاوش أوغلو وقطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ماهية الإضافة التي سيقدمها المسار الجديد إلى المسارات الأخرى، وإن كان قد أكد أن الاجتماع يهدف إلى بحث سبل التعاون التي من شأنها الإسهام في حل سياسي دائم في سوريا. كما أكد الالتزام بحماية سيادة سوريا واستقلالها، والاتفاق على عدم وجود حل عسكري للصراع، ومحاربة الإرهاب بجميع أشكاله، ومواجهة المساعي الانفصالية.

في الوقت ذاته، جاء الحديث عن الجانب الإنساني للمسار الجديد في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عُقد عقب الاجتماع، إذ أوضح وزير الخارجية القطري أنه بحث مع نظيريه "إمكانية وصول المساعدات الإنسانية لكل الأراضي السورية"، فيما رحب وزير الخارجية الروسي برغبة قطر في "خلق ظروف لتجاوز الأزمة السورية". أما وزير الخارجية التركي فقد لفت في تصريح له باليوم التالي إلى أنه سيتم الإقدام على خطوات متعلقة بإيصال المساعدات الإنسانية والتعليم.

على الرغم من ذلك لا يمكن أن ينشأ مسار يتصدى لتقديم المساعدات والمبادرات الإنسانية بما يشمل الأراضي التي يسيطر عليها النظام دون أن يستدعي الجانب السياسي، وبالتالي تنازلات متوقعة من جانب روسيا والنظام في ما يتعلق بجهود الحل السياسي.

وبالفعل أشار الوزراء في بيانهم الختامي إلى أهمية اللجنة الدستورية السورية، وضرورة التزام الأطراف المشاركة فيها مبادئ عملها الأساسية، كما أعربوا عن دعمهم للجهود التي يبذلها المبعوث الأممي إلى سوريا "غير بيدرسون" في هذا السياق.

وأشار وزير الخارجية التركي جاوش أوغلو إلى أن النظام السوري لا يؤمن بالحل السياسي، ويريد أن يكون الحل عسكرياً، داعياً الدول العربية والمجتمع الدولي إلى اتباع مسار سياسي "يرضي الشعب وليس اتخاذ خطوات تدعم نظام دمشق"، ملمحاً بذلك إلى دعوات التطبيع مع النظام قبل إنجاز التحول السياسي.

نجاح مشروط

ويشكل اجتماع كل من روسيا وتركيا وقطر على طاولة واحدة في الدوحة لمناقشة الملف السوري "خطوة كبيرة يمكن أن تساعد في حل هذه الأزمة المستعصية"، كما يرى مدير مركز مينا للأبحاث في واشنطن خالد الجابر، الذي لفت إلى أن الأزمة السورية ما تزال معضلة كبيرة، وأصبحت أشبه بكرة الثلج تكبر مع الوقت ولا تجد حلاً.

واعتبر "الجابر" في حديث مع TRT عربي أن البيان الذي صدر عن الاجتماع الثلاثي كان "عقلانياً موضوعياً"، ويحاول أن يصنع مساراً جديداً لحل الأزمة.

وأشار المحلل القطري إلى أن قناعة الجانب الروسي بالدخول في مفاوضات برؤية عقلانية لمساعي الوصول إلى حل وطرح مبادرات "ستفيد كثيراً". ونوه في الوقت نفسه بأهمية انضمام قطر إلى المسار الجديد، مستشهداً بعلاقاتها "الجيدة جداً" مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وكذلك علاقاتها مع الذين يمثلون أطراف الصراع في سوريا.

من جهته، اعتبر الوزير السابق في الحكومة السورية المؤقتة، محمد ياسين نجار، أن نجاح مسار الدوحة مرهون بتحقق عدد من الشروط. وأوضح "نجار" في تصريحات لـTRT عربي أن هذه الشروط تتضمن اقتناع روسيا أن "الأسلوب التفاوضي السابق المبني على المماطلة لم يعد مجدياً، وأن الحسم العسكري مرفوض دولياً، وأن عليها ممارسة ضغط حقيقي على النظام لتقديم تنازلات هامة والانخراط الحقيقي في العملية السياسية.. وأن ليس هناك مساعدات إنسانية مجانية".

وأضاف المعارض السوري أن المطلوب أيضاً "لنجاح مسار الدوحة توفر دعم أمريكي مباشر أو غير مباشر، خاصة أن واشنطن تركز حالياً على الملف النووي الإيراني وملف اليمن، وتدرك قدرات قطر على الصعيد الدبلوماسي، مع معرفتها العلاقات المميزة بين قطر وتركيا والهامة لنجاح إدارة الملف مع علاقات متوفرة مع كل الأطراف المؤثرة في الملف".

المشاركة التركية "صمام أمان"

ومن اللافت للانتباه في مخرجات اجتماع الدوحة أن تركيا أصبحت فاعلاً أساسياً في المشهد السوري، بحيث لا يمكن تأسيس آلية تشاور إقليمية أو دولية دون مشاركتها، وذلك نتيجة انخراطها المباشر في الشأن السوري، في الوقت الذي أحجمت جميع العواصم الغربية عن مد يد المساعدة ميدانياً للشعب السوري وتوفير الحماية له من بطش النظام.

يقول وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، في تصريح لاحق تعليقاً على اجتماع الدوحة، إن الدول الثلاث المشاركة في الاجتماع "لديها ما تفعله على الأرض"، ولهذا تم إطلاق الآلية الثلاثية الوزارية.

كما لفت إلى أنه "من المهم" في هذا المسار "البصمة العربية (قطر)، إذ إن سوريا حالياً بحاجة إلى دور عربي فاعل على الصعيد السياسي والإنساني"، مشيراً إلى أنه "بالتعاون مع تركيا، من الممكن أن نرى خطوات عملية على الأرض في المدى القريب للتخفيف من معاناة الشعب السوري".

TRT عربي
الأكثر تداولاً