اهتزت صورة اللواء المتقاعد خليفة حفتر أمام حلفائه الذين باتوا يبحثون عن سيناريوهات أخرى للحل في ليبيا بعد الدعم التركي لحكومة الوفاق الوطني الذي أفشل الحملة العسكرية الدموية على طرابلس.

ساهمت العمليات التركية الليبية المشتركة الأخيرة في اندحار قوات حفتر إلى مدينة سرت شمالي ليبيا، وسط تأكيدات أن تركيا ستعمل مع حكومة الوفاق الوطني على بسط السيطرة على كامل التراب الليبي.

وأربك الاتفاق الليبي-التركي روسيا التي تقدم نفسها على أنها أحد اللاعبين الأساسيين الداعمين لحفتر وسط تشتت خططها في ليبيا، إذ تعلن موسكو من جهة دعم الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته تقدم الدعم العسكري لحفتر عبر مرتزقة فاغنر الروسية للسيطرة على ليبيا، ومن جهة ثالثة تنادي بالسماح بعودة سيف القذافي إلى الحكم من جديد، إضافة إلى اتهامات لها بالسعي إلى تقسيم ليبيا.

ويسعى حلفاء حفتر عبر طرح مبادرات سياسية للتهدئة وترتيب الأوراق، آخرها إعلان القاهرة في مصر، ومحاولة انتشال مشروعهم في ليبيا بعد الهزائم المتكررة التي تلقاها حفتر بفقدانه السيطرة على اندحار قواته من جنوب طرابلس إلى مدينتي الجفرة وسرت وسط البلاد في مسافة تقدر بنحو 500 كيلومتر.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد ألقى كلمة أمام أفراد الجيش المصري في قاعدة سيدي براني غربي مصر، قال فيها إن تدخل بلاده في ليبيا "باتت تتوفر له الشرعية الدولية".

وتجاهل السيسي ذكر حفتر ممَّا يشير إلى حالة الاستياء من حليفه في ليبيا، واستبعاده من المشهد بعد سلسلة الهزائم المتكررة على يد قوات حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا.

ورفضت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً تصريحات السيسي قائلة: "إن هذا عمل عدائي وتدخل مباشر يرقى إلى إعلان حرب"، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.

وأضافت الحكومة أن التدخل في شؤون دولة ليبيا الداخلية والاعتداء على سيادتها، سواء بإعلانات مثل تصريحات السيسي أو بدعم الانقلابيين والمليشيات والمرتزقة، أمر غير مقبول.

ساهمت العمليات التركية الليبية المشتركة الأخيرة في اندحار قوات حفتر إلى مدينة سرت شمالي ليبيا
ساهمت العمليات التركية الليبية المشتركة الأخيرة في اندحار قوات حفتر إلى مدينة سرت شمالي ليبيا (TRT Arabi)

ويرى محللون وسياسيون أن الدول الداعمة لحفتر، خاصة روسيا والإمارات ومصر، أمام سيناريوهات قد تكون صعبة، بينها اختيار بديل لحفتر بعد فشله العسكري، والتعامل حالياً مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ممثلاً للمنطقة الشرقية، إضافة إلى طرح فكرة التقسيم للأقاليم الثلاثة طرابلس وبرقة وفزان وهذا ما ترفضه حكومة الوفاق الوطني.

من جهتها ترحب حكومة الوفاق بالمبادرات السياسية الداعية إلى حل سلمي للأزمة في ليبيا بعيداً عن فرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح؛ مطالبة بإنهاء الانقسام والإسراع في تنفيذ الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة.

وجود روسي مرفوض

وترى عضوة المجلس الأعلى للدولة آمنة مطير أن الشارع الليبي لن يرضى بوجود قواعد روسية على الأراضي الليبية، مثلما عبر الليبيون مؤخراً عن رفض وجود مرتزقة فاغنر داخل قاعدة الجفرة العسكرية وسط البلاد.

وأفادت مطير بأن الدول الداعمة لحفتر تبحث عن بديل له بعد رفضه شعبياً في العاصمة طرابلس وفي عدة مدن ليبية، بسبب الانتهاكات المتواصلة طوال أكثر من عام كامل من الحرب في العاصمة، وملاحقة مليشياته عسكرياً من مدينة إلى أخرى.

وأكدت مطير في تصريحها لــTRT عربي أن المجتمع الدولي منقسم حول الملف الليبي لتعدد مصالح كل دولة وأطماعها، لكن يستبعد فكرة تقسيم ليبيا إذا لم يظهر لها مناصرون كثر في البلاد.

وأضافت مطير: أن "شعوب اليوم تتطلع إلى الحرية والديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات، وترفض الرجوع إلى حظيرة العسكر والديكتاتورية"، مشيرة إلى أن "الدول الداعمة للحكم العسكري يجب أن تفهم الدرس من التجربتين الليبية والتونسية الرافضتين لحكم العسكر".

خيار التقسيم

وأفاد عضو مجلس النواب في طبرق زياد دغيم بأن خيار التقسيم على أساس الأقاليم الثلاثة قد يفرض نفسه حلاً واقعياً يريح المنطقة من الصراع المستمر.

يرى محللون وسياسيون أن الدول الداعمة لحفتر، خاصة روسيا والإمارات ومصر،أمام سيناريوهات قد تكون صعبة، بينها اختيار بديل لحفتر بعد فشله العسكري
يرى محللون وسياسيون أن الدول الداعمة لحفتر، خاصة روسيا والإمارات ومصر،أمام سيناريوهات قد تكون صعبة، بينها اختيار بديل لحفتر بعد فشله العسكري (TRT Arabi)

وأضاف دغيم لــTRT عربي: "عبرت مع بعض النواب عن تأييدنا لمبادرة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لحل الأزمة الليبية وقبولها حزمة واحدة على أساس الأقاليم الثلاثة، وآلية الاختيار والتوزيع العادل للثروة، وتعيين لجنة من الخبراء لوضع دستور للبلاد".

وأكد دغيم أن الحرب في طرابلس جاءت نتيجة فشل المفاوضات السياسية في المؤتمرات والملتقيات الدولية منذ سنوات مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري.

التقسيم مطروح

واعتبر المحلل السياسي عبد الله الكبير أن فكرة التقسيم مطروحة من قبل بعض الدول، لكنها لم تظهر بشكل كبير رغم وجود أطراف متطرفة تدعو إلى دولة برقة المنفصلة.

وأضاف الكبير لـTRT عربي: "بعد الهزائم المتتالية سيستبعد حفتر من المشهد الليبي، لكن حلفاءه سيبحثون عن بديل يستطيع أداء دوره في المحافظة على عدم تشتت القوات في ظل واقع جديد في جولات الحوار السياسي".

لكن الكبير يرى أن الدول الداعمة لحفتر لن تسمح بإسقاط المشروع بعد فشل حفتر، مشيراً إلى أن هذه الدول إذا أدركت أن الوجود التركي يتعزز في ليبيا في ظل عدم وجود قنوات للتواصل مع الغرب الليبي ستلتجئ إلى تغطية النفوذ عبر دول مؤثرة دولياً.

وصرح الكبير بأن توافقاً تركياً روسياً مع موقف أمريكي مساعد يمكن من خلاله العودة إلى طاولة المفاوضات إذا تهيأت الظروف المواتية للحوار السياسي في ليبيا.

ضبابية المواقف

وأكد المحلل السياسي إسماعيل المحيشي أن ضبابية تعامل روسيا مع المشهد الليبي ودعمها للحرب في ليبيا قد يؤديان إلى تقليص دورها المستقبلي في الأزمة الليبية لمراهنتها على عسكري فاشل.

واعتبر المحيشي أن التطورات العسكرية الأخيرة على الأرض بعد انتصارات قوات حكومة الوفاق في غربي ليبيا كفيلة باستبعاد حفتر عن المشهد، واستبداله من قبل الدول الداعمة له بحليف آخر.

وتابع المحيشي لــTRT عربي: "وفقاً للمحادثات الأخيرة بين الجانبين الروسي والتركي لم يتم التوصل إلى موقف واضح من موسكو حول ماذا تريد من ليبيا؟ وما موقفها ممَّا حدث على الساحة الليبية؟".

واستبعد المحيشي فكرة تقسيم ليبياً قائلاً: "رغم ما يحدث من حروب ونزاعات لكن النسيج الاجتماعي في ليبيا واحد، ولا يوجد اختلاف عقائدي ولا إيديولوجي ولا ديني".

وصرح المحيشي بأن الصراع الليبي ليس بين إقليمين كما يحاول البعض تسويقه بين شرقي وغربي ليبيا، وإنما بين مشروع عسكري دموي يقوده حفتر تريد بعض الدول تنصيبه من أجل أطماعها ومصالحها الضيقة، وبين مشروع دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الانتخابات والديمقراطية والانفتاح على جميع الدول.

المصدر: TRT عربي