تشعر باكستان بالغضب جراء العدوان الهندي وأعماله العدائية في كشمير، ومن ثم تريد إسلام آباد من الدول الإسلامية أن تفعل المزيد لتسليط الضوء على محنة المسلمين الكشميريين، ومع ذلك، فإن خبراء يقولون إن استجابتها هي نفسها تفتقر إلى الفاعلية.

كان الخامس من أغسطس/آب 2020 يوماً مليئاً بالتوترات في شبه القارة الهندية. ففي ظل أجواء تعالت فيها الهتافات بالشعارات الدينية، وضع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حجر الأساس لمعبد هندوسي في موقع مقدس متنازع عليه بين المسلمين والهندوس في بلدة أيوديا الشمالية.

وتداولت الوكالات لقطات وصوراً لمودي وهو يضع جبهته على الأرض ويؤدي طقوساً دينية خلال المراسم. ومن المقرر أن يُبنى المعبد فوق أنقاض موقع كان فيه مسجد بابري التاريخي الذي يعود بناؤه إلى القرن السادس عشر.

وكان متطرفون هندوس قد هدموا المسجد في عام 1992، ما أثار أعمال شغب طائفية، قُتل فيها مئات الأشخاص، معظمهم من المسلمين. ولسنوات بعدها، خاض المسلمون معركة قانونية لإعادة بناء المسجد، قبل أن تقرر محكمة هندية العام الماضي تسليم الموقع إلى الهندوس.

ولم يكن الشروع في بناء المعبد الهندوسي، الذي يسمى "رام"، هو السبب الوحيد في إثارة غضب المسلمين. فقد زاد على ذلك أن مراسم الافتتاح جرت في الذكرى السنوية الأولى لإلغاء الحكم الذاتي الصوري لإقليم كشمير الخاضع واقعياً للإدارة الهندية.

تطالب كل من الهند وباكستان بمنطقة كشمير الواقعة جنوب جبال الهيمالايا الخلابة، والتي تشارك باكستان السيطرة عليها أيضاً جزئياً
تطالب كل من الهند وباكستان بمنطقة كشمير الواقعة جنوب جبال الهيمالايا الخلابة، والتي تشارك باكستان السيطرة عليها أيضاً جزئياً (AFP)

وتطالب كل من الهند وباكستان بمنطقة كشمير الواقعة جنوب جبال الهيمالايا الخلابة، والتي تشارك باكستان السيطرة عليها أيضاً جزئياً.

ومع ذلك، فإن كشمير الخاضعة للإدارة الهندية هي الولاية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الدولة التي يبلغ عدد سكانها 1.2 مليار نسمة. ويخشى المسلمون الكشميريون من البوادر التي تنذر بأن حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم الذي يتزعمه مودي يحاول تغيير التركيبة السكانية للإقليم عن طريق تحويل المسلمين إلى أقلية فيه.

اقرأ أيضاً:

كيف أضعفت سياسة القمع لابن سلمان مكانة السعودية الإسلامية؟

تقول الدكتورة شايستا تبسُّم، خبيرة العلاقات الدولية المقيمة في كراتشي: "الشاهد الأساس من الأمر، أن الهند تحاول، من خلال مزامنة الأحداث، أن تقول إنها لم تعد تخشى أي أحد بعد الآن. وهذا يحدث في وقت تفتقر فيه باكستان بدرجة خطيرة إلى إجراءات فعالة للرد. لست متأكدة حتى مما إذا كان لدينا سياسة محددة للتعامل مع قضية كشمير".

لم يعد هناك مساندة أو مشاعر أخوّة

وفي هذا السياق، جاء الأمر مفاجئاً عندما أعرب وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، في نفس اليوم عن مدى إحباطه من ضعف استجابة "منظمة التعاون الإسلامي" والسعودية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في الجزء الخاضع للسيطرة الهندية من كشمير.

وقال وزير الخارجية الباكستاني بالأردية في لقاء تلفزيوني: "إنني أبلغ منظمة التعاون الإسلامي مرة أخرى باحترام أن اجتماعاً على مستوى وزراء الخارجية هو ما نتوقعه. أما إذا لم نتمكن من عقد هذا الاجتماع، فسأضطر إلى مطالبة رئيس الوزراء عمران خان بالدعوة إلى اجتماع للدول الإسلامية المستعدة للوقوف معنا بشأن قضية كشمير ودعم الكشميريين المضطهدين".

تداولت الوكالات لقطات وصوراً لمودي وهو يضع جبهته على الأرض ويؤدي طقوساً دينية خلال المراسم
تداولت الوكالات لقطات وصوراً لمودي وهو يضع جبهته على الأرض ويؤدي طقوساً دينية خلال المراسم (Reuters)

وعندما سأل مضيف البرنامج التلفزيوني الوزيرَ عما إذا كان ذلك يعني المضي قدماً، وتجاوز السعودية، قال قريشي إن إسلام آباد ستواصل "مع أو بدون" داعمها العربي الغني بالنفط.

وفي اليوم التالي، جددت وزارة الخارجية الباكستانية التشديدَ على تصريح الوزير، قائلة إنه يعكس "تطلعات" الشعب الباكستاني.

ضغطت باكستان لشهورٍ لعقد اجتماع للمنظمة المكونة من 57 عضواً، ومقرها مدينة جدة السعودية، على مستوى كبار الدبلوماسيين ووزراء خارجية الدول الإسلامية. ومع ذلك، فقد أخذت السعودية تمنع هذه الخطوة.

ويتزامن تعليق قريشي مع أنباء عن قيام باكستان بسداد قرض بقيمة مليار دولار للرياض قبل أوانه، وكان القرض جزءاً من حزمة مساعدات منحتها السعودية لباكستان، ما أتاح للأخيرة تعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية وتجنب أزمة في ميزان المدفوعات.

يقول روبرت ستون، المحلل لشؤون الشرق الأوسط: "من الممكن بالتأكيد أن تقدم باكستان على المشاركة في اجتماع حول كشمير خارج إطار منظمة التعاون الإسلامي"، مضيفاً أن منتدى قادة الدول الإسلامية الذي عُقد في ماليزيا العام الماضي يمكن أن يكون خياراً.

كان عمران خان قد واجه موقفاً محرجاً في ديسمبر/كانون الأول 2019، بعد أن تراجع عن حضوره اجتماعاً مع زعماء دول إسلامية في كوالالمبور تحت ضغط سعودي.

وقد حضر تلك القمة زعماء الدول من إيران وماليزيا وقطر وتركيا، وهي الدول التي أعلنت دعمها لباكستان بشأن قضية كشمير.

اقرأ أيضاً:

لعبة العروش السعودية: مسؤول استخباراتي سابق هو الهدف الأحدث لمحمد بن سلمان؟

فيما عزّز السعوديون والإماراتيون العلاقاتِ الاقتصادية مع حكومة مودي الهندية.

واكتفت السعودية بالصمت عندما غيرت حكومة مودي وضعَ كشمير العام الماضي، وقللت الإمارات من الأمر، قائلةً إنه "شأن داخلي" يخص الهند.

ثم منح ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد آل نهيان، أعلى وسام مدني إماراتي لمودي الذي كان قد قرر قبل أيام، من جانب واحد، تجريدَ كشمير المتنازع عليها من وضعها الخاص وفرض حظراً على الاتصالات فيها.

كان متطرفون هندوس قد هدموا المسجد في عام 1992، ما أثار أعمال شغب طائفية، قُتل فيها مئات الأشخاص، معظمهم من المسلمين
كان متطرفون هندوس قد هدموا المسجد في عام 1992، ما أثار أعمال شغب طائفية، قُتل فيها مئات الأشخاص، معظمهم من المسلمين (AP)

ويقول ستون: "يبدو أن قمة كوالالمبور قد ضغطت على منظمة التعاون الإسلامي لاتخاذ موقف أكثر استباقية بشأن كشمير، ما يدل على أنها آلية مفيدة لإعادة إثارة القضية".

ومع ذلك، يقول خبراء إن باكستان سينتهي بها الأمر في نهاية المطاف بالقتال وحيدة من أجل كشمير ذاتها.

باكستان وحيدة في هذا الأمر

كشف عمران خان أيضاً هذا الأسبوع عن "خريطة سياسية" جديدة لباكستان. تحدد الخريطة الجديدة الجزء الخاضع للإدارة الهندية من كشمير منطقةً متنازع عليها، وتنص على أن القرار بشأن الوضع النهائي للمنطقة سيُتخذ بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي.

وتتساءل خبيرة العلاقات الدولية، شايستا تبسُّم، لماذا استغرقت إسلام أباد عاماً كاملاً لاستحضار خريطة ترسم حدودها بوضوح.

وتقول تبسُّم إن "عمران خان كان بإمكانه بيان الأمر للعالم عندما تحدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي".

على الجانب الآخر، تشير تبسُّم إلى أن الهند نجحت في حشد الرأي العام الدولي ضد الكشميريين الذين يقاتلون من أجل حقهم في تقرير المصير، وأن "أي شيء تفعله باكستان الآن تصوّره الهند على أنه إرهاب عابر للحدود".

ولطالما أكدت باكستان تاريخياً أن التشدد بين بعض السكان في كشمير الخاضعة للسيطرة الهندية ما هو إلا تعبير عن إحباط السكان المحليين الذين تطلعوا لعقود إلى أن يصبحوا جزءاً من باكستان المسلمة.

يقول خالد رحمن، الرئيس التنفيذي لمعهد الدراسات السياسية في إسلام آباد، إن باكستان يجب أن تكون "أكثر عدوانية قليلاً" فيما يتعلق بموقفها من كشمير.

ويستند رحمن هنا إلى أن "باكستان لديها حجة قوية للغاية، لأن الباكستانيين أنفسهم ليسوا مستعدين لقبول الحكم الهندي. ومن ثم يجب أن نكون أكثر صراحة في إخبار العالم بأن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة"، مضيفاً أن باكستان استثمرت بكثافة، على مر السنين، في قواتها المسلحة.

ويذهب رحمن إلى أن "الدبلوماسية تتدرج بفروق دقيقة، لكن عندما تهدد القيادة الهندية على أعلى مستوى، وعندما تنتهك الحدود وعندما يتعلق الأمر ببقائك نفسه، فإن الحديث وحده لن يحل المشكلة".

المصدر: TRT عربي