متطرف انفصالي ويسعى لإشعال المذابح ضد مسلمي البوسنة... من هو ميلوراد دوديك؟ ((Reuters))
تابعنا

ليست خطة الانفصال الخطيرة التي يعمل على تنفيذها رئيس جمهورية صرب البوسنة، ميلوراد دوديك، بسحب الصرب البوسنيين من ثلاث مؤسسات مشتركة أساسية لجمهورية البوسنة والهرسك، إلا واحدة من بين سنوات قضاها في محاولة الإجهاز على سيادة البلاد الكاملة على أراضيها بموجب اتفاق دايتون سنة 1995.

وتباعاً لتلك الخطة، أقرَّ برلمان جمهورية صرب البوسنة يوم الجمعة سحب صلاحيات إدارة البلاد من يد السلطة المركزية بسراييفو، بتمرير قرار انسحاب المسؤولين الصرب من مؤسسات الجيش والقضاء والضرائب. الأمر الذي وصفته تقارير دولية بأنه "أخطر تهديد وجودي" بالعودة بالبلاد خطوة نحو الوراء، إلى مستنقع الاقتتال العرقي والطائفي (1992- 1995).

فيما الرئيس دوديك، المعتدل الإصلاحي سابقاً والمتطرف القومي حالياً، لا يبدو أنه يعبأ لهذه المخاطر بنفس القدر الذي يحرص فيه على مصالحه الانتخابية والسياسية الضيقة. مفضلاً تفكيك البلاد ودفعها نحو منزلق الاقتتال، لاعباً في ذلك دور اليد الفاعلة لصالح أطراف خارجية، تدعمه هي الأخرى تلبية لمصالح استراتيجية خاصة بها.

دوديك نحو التطرف القومي

في فترة الحرب البوسنية لعب دوديك دوراً سياسياً معتدلاً، فمثَّل المعارضة المعتدلة داخل برلمان صرب البوسنة، مقابل "الحزب الديمقراطي الصربي" الحاكم ذو التوجه القومي الداعم لجرائم الإبادة التي كانت تجري على الأرض في حق مسلمي البوسنة. هذه المعارضة التي سينبثق منها سنة 1996 حزب "تحالف الديمقراطيين الاجتماعيين الأحرار" الذي يقوده دوديك إلى الآن.

تبنى "تحالف الديمقراطيين الاجتماعيين الأحرار"، كما هو بارز من خلال اسمه، التوجه الديمقراطي الاجتماعي الإصلاحي. أكد من خلاله دوديك السمعة التي كانت لديه كاسم مختلف عمَّن تلطخت أياديهم بالدماء، ما جعله يحظى بدعم غربي خلال فترة ما بعد الحرب. وجعله يفوز برئاسة وزراء جمهورية صرب البوسنة سنة 1998، حيث سيحظى بدعم غربي كان يهدف إلى تهميش خصومه القوميين.

وسيصبح عراب الدعم المالي الأوروبي للجمهورية الوليدة. هكذا نجد الصحافة الدولية تصفه أثناء لقائه وقتها، 8 مايو/أيار 1998، بقيادات الدول المانحة في بروكسيل بأنه "الرجل الذي شكل المعارضة داخل برلمان صرب البوسنة وقت الحرب، وحافظ على علاقاته مع المعارضة المسلمة في البلاد، وها هو الآن يجني ثمار اعتداله".

خلال الولاية الثانية له في رئاسة الوزراء (2006- 2010) بدأ التحول الأيديولوجي لدوديك يطغى على السطح، إذ اتخذ منعطفاً حاداً نحو تبني الأفكار القومية، لدرجة أصبح يزايد على القوميين في ساحة نشاطهم.

دوديك وقتها أصبح السياسي الأقوى بالبلاد، فيما سيبرز هذا التحول نحو القومية المتطرفة أكثر مع فوزه بالانتخابات الرئاسية سنة 2010، إذ سيعمل جاهداً على تقسيم البلاد والاستقلال بجمهورية صرب البوسنة لنفسه. حيث دعا في أكثر من مرة إلى إقامة استفتاء استقلال جمهوريته ذات الحكم الذاتي، دعوات قوبلت برفض الدولة المركزية في سراييفو، وإدانة المجتمع الدولي الغربي كونها تهدد السلام بالمنطقة.

عاد لفرض الأمر الواقع بدعوته إلى انسحاب الصرب من المؤسسات المشتركة الأساسية للبلاد، وفقاً لما تعهد به ميلوراد دوديك، زعيم صرب البوسنة، في خطابه يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بإنشاء جيش "جمهوري صربي"، مشدداً على أنه "لم يعد لدولة بوسنية موحدة وجود". الأمر الذي وصفه المبعوث الأممي للبوسنة والهرسك كريستيان شميت بأنه "أخطر تهديد وجودي تواجهه البلاد خلال مرحلة ما بعد الحرب (الأهلية)".

إنكار سربرنيتسا وتمجيد سفاحها

ومنذ الولاية الثانية لدوديك في رئاسة الوزراء وهو يبرز عداءه الصريح للمسلمين. إذ كانت من بين القرارات التي اتخذها تلك الفترة (سنة 2008) عدم ممارسة القضاة البوشناق مهامهم في محاكم الجمهورية مبرراً ذلك بأنه "من غير المقبول لصرب البوسنة السماح للقضاة المسلمين بالبت في القضايا.. فقط لأنهم مسلمين هم يحملون نظرة عداء لنا ويتآمرون علينا". ادعاءات أدانتها سفارة الولايات المتحدة بأنها "شوفينية متطرفة".

غير أن هذا العداء اتخذ نبرة أكثر تصعيداً بسعيه إلى طمس معالم مذبحة سربرنيتسا التي ارتكبتها وحدة صربية معروفة باسم "العقارب" تحت قيادة مجرم الحرب راتكو ملاديتش، وراح ضحيتها أكثر من 8 آلاف بوسني تحت سمع وبصر القوات الأممية.

حيث ينكر رئيس صرب البوسنة حدوثها، قائلاً إن "صرب البوسنة لن يعترفوا أبداً بأن سربرنيتسا كانت مذبحة". وردد كذلك في تصريحات صحفية أخرى سابقة أنها "أسطورة" وأن البوسنيين "في حاجة إلى تلك الأسطورة لبناء هويتهم ولهذا اصطنعوها". بل ونصَّب سنة 2019 لجنة تحت اسم "الاستقصاء التاريخي" في حقيقة ما حدث من أجل إثبات إنكاره ذاك بتقارير أكاديمية.

لجنة كان على رأسها الأكاديمي الإسرائيلي، جدعون غرايف، الذي خلص إلى ما يحابي الرئيس بأنه "لم تكن أي مذبحة"، مبرراً بأن "التقرير أساساً أتى بهدف تحقيق المصالحة. فالحقائق تأتي في خدمة السلام بين كل أطراف القضية". تقرير حظي باستهجان دولي واسع النطاق ومطالبات بتجريد غرايف من وسام الاستحقاق الألماني لأبحاثه حول الهولوكوست.

ولم يقف دوديك عند ذلك الحد، بل تخطاه ليمدح في المجرم راتكو ملاديتش، واصفاً إياه عقب إدانته من قبل المحكمة الدولية بأنه "أصبح بطلاً ميثولوجياً للأمة الصربية" و علق على حكم لاهاي بأنه "مهزلة ومُسيس، وقد أظهرت المحكمة في لاهاي أنها تريد شيطنة الصرب".

دعم روسي وتلاعب أطراف خارجية

هذا ويربط ميلوراد دوديك علاقات جيدة مع كل من روسيا والصين، حسب ما اعترف به مؤخراً في مقابلة صحفية أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إذ قال: "عندما أذهب إلى بوتين لا أكون بحاجة لتقديم مطالب، بل هو الذي يسألني عما يمكن فعله لمساعدتي". مضيفاً أن "الرئيس الروسي لم يخذلني قط عندما قدم لي وعوده، وعلى هذا الأساس ثقتي فيه كبيرة".

وأضاف: "نفس الشيء بالنسبة للصين، فتشي جين بينغ دائماً يقول لي إذا هناك أي شيء لأساعدك به فأنا بالخدمة".

الأمر الذي يوضح المساعي الروسية السابقة من أجل عرقلة تقرير المبعوث الأممي للبوسنة، كريستيان شميت، والذي يحذر من أن "الانقسامات بين الأطراف البوسنية آخذة في الاتساع، وخطر الحرب أكثر جديَّة، في حين أن أي ضعف في الاستجابة إلى هذه الوضعية قد يهدّد اتفاق دايتون، في وقت يتزايد فيه التدخل الخارجي في شؤون البوسنة والهرسك". مثل تهديد الروس بتعطيل التصويت على تجديد مهامّ القوات الأوروبية بالبوسنة والهرسك "يوروفار" إن لم يسحب شميت اتهاماته للمسؤولين الصرب.

بالمقابل يأتي هذا في وقت تعيش فيه العلاقات الروسية الغربية أسوأ حالاتها منذ الحرب الباردة، إثر التصعيد الحاصل في النزاع شرقي أوكرانيا وتزايد المخاوف من اجتياح قوات موسكو جارتها الشرقية. يضاف إليه استخدام ألكسندر لوكاشينكو، حليف بوتين البيلاروسي، ورقة المهاجرين للضغط على الاتحاد الأوروبي، ما اعتبره الأخير "هجوماً هجيناً" على حدوده.

ويرجح مراقبون صلة ما تشهده البوسنة والهرسك بكل ما ذكر، خصوصاً وأن مجموعة "G7" (الاتحاد الأوروبي، أمريكا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وإيطاليا) أدانت في بيان مشترك لها يوم السبت قرار برلمان صرب البوسنة بالانسحاب من المؤسسات المشتركة، وحذرت حكومة البلاد من "الاستمرار في النفق المسدود". ودعت وزيرة الخارجية الألمانية الجديدة أنالينا شارلوته بيربوك الاثنين الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على زعيم صرب البوسنة الانفصالي ميلوراد دوديك لكبح مساعيه في إقناع سكان المناطق التي يسيطر عليها الصرب بالانفصال.

ويذكر أنه سبق للخزانة العامة الأمريكية أن فرضت عقوبات اقتصادية على ميلوراد دوديك لتحديه الدستور البوسني في مسألة السيادة على الأرض. كما منعت سنة 2017 واشنطن رئيس الجمهورية من دخول الأراضي الأمريكية.

TRT عربي