ألمحت تركيا على لسان رئيسها رجب طيب أردوغان أن من حقها امتلاك السلاح النووي كغيرها من الدول المتقدمة في هذا المجال.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسط قادة الجيش التركي. 
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسط قادة الجيش التركي.  (Reuters)

"ممنوع علينا ومسموح لهم.. لا أقبل بذلك"، غاضباً ومنتقداً كل الضغوط التي تتعرض لها بلاده لعدم حيازة الأسلحة النووية، قالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمة أمام مئات، فلا دولة متقدمة في العالم حالياً لا تمتلك صواريخ برؤوس نووية.

إذاً لماذا لا تمتلكها تركيا؟

تساءل أردوغان عن ذلك يوم الأربعاء 4 سبتمبر/أيلول 2019، خلال مشاركته في منتدى وسط الأناضول الاقتصادي بمدينة سيواس التركية، وهي ليست المرة الأولى التي يتطرق فيها إلى هذه المسألة، حيث يسعى إلى إنتاج الطاقة النووية في تركيا بشكل كامل، تزامناً مع مئوية تأسيس الجمهورية التركية عام 2023.

هل يمكن لتركيا امتلاك أسلحة نووية؟

من الناحية التقنية، فإن هذا الأمر غير صعب بتاتاً، كما يوضح الدكتور برهان الدين كور أوغلو، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ابن خلدون التركية، لأن تركيا فيها جامعات ومراكز أبحاث تكنولوجية متخصصة قادرة على ذلك.

"وتُعَدّ تركيا دولة تكنولوجية، لا سيما أن واحداً من اهتماماتها الأساسية هو ملف الطاقة، وقد بدأت أنقرة تكسب هذه الخبرة من خلال علاقتها مؤخراً مع موسكو".

ويؤكّد كور أوغلو أن هذه الخطوة ليست صعبة، إلا أنها تحتاج إلى قرار سياسي وموقف استراتيجي داخل الدولة.

نعم من حقها.. لكن هناك عواقب

فتركيا كدولة ذات سيادة من حقها امتلاك أسلحة نووية، ورغم أنه لا يحق لأي دولة الاعتراض على ذلك أو منعها، فإن عواقب مثل هذه الخطوة تدركها تركيا تماماً.

"هناك قوى عظمى مثل أمريكا وإسرائيل وروسيا يمتلكون السلاح النووي، وهؤلاء لا يريدون لأي دولة أن تمتلك هذا السلاح. فإن كانت على تركيا ضغوط بسبب بعض الأسلحة التقليدية، فما بالكم بالسلاح النووي؟"، يكمل أستاذ العلاقات الدولية التركي حديثه لموقع TRT عربي.

فأول رد فعل سيكون من الدول الغربية القوية وكذلك من دول مجاورة لتركيا مثل إسرائيل.

فلماذا تَطرَّق الرئيس أردوغان إلى المسألة الآن؟

يرى كور أوغلو أن تركيا لا تمتلك الآن خطة فعلية لامتلاك الأسلحة النووية، وأن الرئيس أردوغان طرح هذه القضية بانتظار ردود الفعل حولها من الأطراف التي ستصل إليها رسالته، بأن تركيا دولة استقرار في المنطقة وتستطيع الدفاع عن نفسها.

يتوافق المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان مع حق تركيا كبلد كبير ويحتلّ موقعاً استراتيجياً، في امتلاك سلاح نووي والدفاع عن نفسها، مؤكداً في حديثه لموقع TRT عربي أن أنظار كثيرين على تركيا اليوم بهدف منعها من ذلك.

جانب من مشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان في معرض الصناعات العسكرية التركية لعام 2019. 
جانب من مشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان في معرض الصناعات العسكرية التركية لعام 2019.  (AA)

تمتلك تسع دول نحو 9 آلاف سلاح نووي، و1800 منها في حالة تأهُّب قصوى ويمكن إطلاقها في أي لحظة.

هذا وتمتلك الولايات المتحدة وروسيا أكبر ترسانات من السلاح النووي. وتشير أرقام تقريبية وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، إلى أن روسيا تملك 7 آلاف رأس نووي، بينما تملك الولايات المتحدة 6800.

ويتوزّع الباقي على دول النادي النووي، إذ تحوز فرنسا 300 رأس نووي، تليها الصين بواقع 270، ثم بريطانيا التي تمتلك 215، وباكستان 140، والهند 130، أما في إسرائيل فـ80 رأساً نووياً، وأخيراً كوريا الشمالية التي تقدر ترسانتها النووية بـ20 رأساً نوويّاً. هذا مع العلم بأن إسرائيل لا تعترف بامتلاكها سلاحاً نوويّاً، فيما لم تحظَ كرويا الشمالية باعتراف تامّ من دول النادي النووي لتكون عضواً فيه.

"امتلاك الأسلحة النووية شيء واستعمالها شيء آخر"

فهذه الدول النووية لا تريد لتركيا امتلاك الأسلحة النووية، مع أنه "لا أحد يستطيع أن يمنع أنقرة أو يحرمها من امتلاك الأسلحة. لكن امتلاكها شيء واستعمالها شيء آخر كما فعلت أمريكا"، يكمل أوزجان حديثه.

ويرى المحلل التركي قدرات تركيا غير كافية لامتلاك سلاح نووي حالياً، وأن المسألة تحتاج إلى سنوات وربما إلى دعم من الدول المجاورة كباكستان، إن لم تُمارَس عليها ضغوط دولية.

تركيا اليوم لا تمتلك أي سلاح نووي، وهي ملتزمة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1980. لكن حديث أردوغان الجديد وإثارته هذه المسألة، يأتي في الوقت الذي تعزّز فيه تركيا علاقاتها الدفاعية مع روسيا على حساب الولايات المتحدة، الحليف التاريخي لأنقرة في حلف شمال الأطلسي.

وتوطيد العلاقات مع روسيا تزامن مع أزمة منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 التي اشترتها أنقرة وأغضبت واشنطن بشدة.

لكن لن يُغضب حديث أردوغان عن الأسلحة النووية واشنطن فحسب، فدول غربية أيضاً مثل فرنسا وبريطانيا تخيفها مثل هذه الخطوة.

تغيير التوازنات في العالم

"الإشكالية الحقيقية أن العالم لا يُدار بالقانون والأعراف الدولية، بل بالقوة"، يشرح المحلل السياسي المختص بالشأن التركي معين نعيم كيف ستصعّب القوى العالمية المسألة على تركيا في الفترة الحالية وفي المنظور القريب.

ويؤكّد نعيم أن امتلاك الأسلحة النووية لم يعُد قضية تقنية، فهي قضية دولية، مشيراً إلى محاولات الترهيب والتخويف التي ستلجأ إليها واشنطن مثلما تفعل مع إيران حاليّاً.

يُذكر أنه في ربيع 2018 أطلّ الرئيس التركي أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، من العاصمة أنقرة في تدشين حجر الأساس لأول محطة نووية تركية، تقام في ولاية مرسين جنوبي البلاد، على بعد 140 كيلومتراً من ساحل البحر الأبيض المتوسط.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اليسار، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يتفقدان مقاتلةً من طراز Sukhoi Su-57 من الجيل الخامس خلال معرض MAKS-2019 الدولي للطيران والفضاء في جوكوفسكي، خارج موسكو، روسيا، الثلاثاء 27 أغسطس/آب 2019.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اليسار، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يتفقدان مقاتلةً من طراز Sukhoi Su-57 من الجيل الخامس خلال معرض MAKS-2019 الدولي للطيران والفضاء في جوكوفسكي، خارج موسكو، روسيا، الثلاثاء 27 أغسطس/آب 2019. (AP)

المحطة تحمل اسم "أكويو"، وقد تَعرَّض المشروع لتأخيرات متعددة إلى أن رسا عام 2010 على الروس، إذ ستنفذه شركة "روساتوم" الروسية للطاقة النووية، وسيكون على أربع مراحل، في حين سيدخل أول مفاعل عمله الرسمي عام 2023.

"إذاً لا منطق لمنع تركيا من امتلاك هذا السلاح النووي"، يقول نعيم في ختام حديثه مع موقع TRT عربي، وهو يؤكّد أنه من الناحية السياسية فإن أنقرة أذكى من أن تخطو الآن في هذا الاتجاه، لكن يرى أن إثارة أردوغان للقضية هي جزء من عملية لفت الانتباه، وفي كثير من الأحيان يحتاج بعض القضايا إلى فترة لإقناع الأطراف الدولية بها كنوع من تغيير التوازنات.

ردود دولية

قد لا ترى روسيا في تصريحات الرئيس التركي حالياً أي أزمة، لا سيما وأن العلاقات بين موسكو وأنقرة تشهد نوعاً من الازدهار مؤخراً.

رئيس مركز الأمن الدولي التابع لأكاديمية العلوم الروسية ألكسي أرباتوف، يرى أن تحوُّل تركيا إلى قوة نووية أمر غير مستبعد، بخاصة أنه تُبنَى في الوقت الراهن محطة أكويو للطاقة النووية، وذلك يشير إلى العمل على تدريب متخصصين في هذا المجال.

تصريحات أرباتوف جاءت في حديث لصحيفة "فزغلياد" الروسية التي نشرت تقريراً تناولت فيه تصريحات أردودغان الأخيرة حول امتلاك الأسلحة النووية.

الشحنة الأولى من منظومة الدفاع S-400 روسية الصنع عند وصولها العاصمة التركية أنقرة. 
الشحنة الأولى من منظومة الدفاع S-400 روسية الصنع عند وصولها العاصمة التركية أنقرة.  (Reuters)

أرباتوف أوضح أنه "لوجود محطة الطاقة النووية داخل أراضيها، ستكتسب تركيا المعرفة والتكنولوجيا اللازمتين لإنتاج وقود أكسيد مختلط. ومن غير المستبعد أن تحصل أنقرة على التكنولوجيات النووية من باكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك بالفعل أسلحة نووية، في حال رغبت في ذلك".

أما واشنطن فلم تصدر أي ردود رسمية منتقدة لتصريحات أردوغان، مع العلم أن الرئيس التركي ومحللين مختصين بالشأن التركي أشاروا إلى موقف أمريكا من هذه القضية.

الكاتب والمحلل الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي، قال إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يتحدَّى النظام العالمي الحالي بحديثه عن حق بلاده في امتلاك السلاح النووي.

وكتب دورسي في مقال نشرته مجلة "مودرن دبلوماسي"، أن استجواب أردوغان للنظام الدولي يعكس تفكيرًا غير معلن لقادة إقليميين آخرين في عالم انسحبت فيه الولايات المتحدة من معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى مع روسيا، وانسحبت من جانب واحد من الاتفاق النووي مع إيران.

إن دولاً مثل الصين وروسيا على استعداد لبيع التكنولوجيا النووية، حسب قوله، كما فشل المجتمع الدولي في منع باكستان وكوريا الشمالية من أن تصبحا قوتين نوويتين، وتَبنَّى معايير مزدوجة على مدى عقود مع إسرائيل التي طوّرَت ترسانتها النووية الخاصة.

المصدر: TRT عربي