أنهكت هجمات النظام السوري كل شيء شمالي البلاد، سواء المدنيين الذين نزحوا إلى مخيمات تفتقر إلى أدنى متطلبات الرعاية الصحية، أو المشافي التي لم تعد تستطيع استقبال أي وباء.

تسعى منظمات دولية لمنع انتشار وباء كورونا في المخيمات السورية على الرغم من البنية الصحية الضعيفة
تسعى منظمات دولية لمنع انتشار وباء كورونا في المخيمات السورية على الرغم من البنية الصحية الضعيفة (نيويورك تايمز)

لم تسلم سوريا التي أنهكتها الحروب وأجبرت المواطنين على النزوح إلى مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والصحة، من وباء كورونا الذي انتشر في جميع أنحاء العالم، إذ أعلن النظام السوري الأحد، تسجيل أول إصابة بفيروس "كورونا المستجد" (كوفيد-19) داخل البلاد.

وقال وزير صحة النظام السوري نزار يازجي، إنه جرى تسجيل أول إصابة بـ"كورونا المستجد"، لشخص قادم من خارج البلاد، واتُّخذت الإجراءات اللازمة للتعامل معها، حسب وكالة "سانا".

ونشرت تقارير إعلامية عديدة حول انتشار فيروس كورونا بعدد من مناطق البلاد بخاصة في العاصمة دمشق، بعدما أصبحت البلاد مرتعاً للمليشيات والمرتزقة، وأصبح احتمال انتشار الفيروس فيها كبيراً، لكن نظام الأسد نفى سابقاً وجود أية إصابة، وقال إنه بدأ اختبارات للكشف عن كورونا في باقي أنحاء البلاد، فيما لم يبلغ منظمة الصحة العالمية بعدُ بأي حالة إصابة.

وقدرت الأمم المتحدة أن نحو ثلث السكان شمالي سوريا يعيشون في مخيمات كبيرة أو خيام، والبقية ينامون على جوانب الطرقات ويجلسون في مبانٍ غير مكتملة أو مهجورة، أو يتشاركون الأحياء مع عائلات أخرى، حسب صحيفة نيويورك تايمز.

تعيش بعض العائلات السورية في المباني المدمرة من القصف في إدلب
تعيش بعض العائلات السورية في المباني المدمرة من القصف في إدلب (نيويورك تايمز)

وتعرضت المستشفيات والمرافق الطبية للدمار بسبب الحرب، إذ قصف النظام السوري والطائرات الحربية الروسية المستشفيات والعيادات في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، مما أسفر عن مقتل المئات من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتضرر أكثر من 84 مستشفى ومنشأة طبية في الشمال الغربي أو دمرت أو أجبرت على الإغلاق، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وقال ريك برينان المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، إن المنظمة ستبدأ في وقت لاحق من هذا الأسبوع إجراء اختبارات للكشف عن فيروس كورونا شمالي غربي سوريا، الذي تسيطر عليه المعارضة السورية، وأضاف أنه يشعر "بقلق بالغ" من انتقال الفيروس إلى منطقة دمرت فيها الحرب النظام الصحي منذ فترة طويلة.

وعلى الرغم من الجهود التركية المبذولة في وقت إطلاق النار، فإن أحداً لا يستطيع أن يحزر متى يخرق النظام السوري الهدنة.

درع الفرات.. تدابير احترازية

واتخذت مناطق درع الفرات وغصن الزيتون تدابير احترازية على الرغم من عدم تسجيل إصابات بالفيروس في الشمال السوري.

وتقوم المجالس المحلية بالتعاون مع وزارة الصحة التركية بتلك الإجراءات تحسُّباً لتفشي الفيروس، إذ جهزوا كادراً لتعقيم المدارس والمؤسسات العامة والأسواق التجارية.

وقامت إدارة تلك المناطق بتعليق الدراسة حتى 10 أبريل/نيسان، بالإضافة إلى إغلاق المعابر مع المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام السوري وقوات YPG الإرهابية، لمنع انتشار العدوى من هناك، بالإضافة إلى منع التجمعات التي تعتبر الخطر الأكبر في انتشار المرض، بما فيها منع الصلاة في المساجد.

وعلى الرغم من أن منظمة الصحة العالمية نصحت بتدابير للحماية من فيروس كورونا، أبسطها غسيل الأيدي باستمرار والتباعد الاجتماعي، فإن أكثر من مليون لاجئ سوري نزحوا من إدلب مؤخراً ويعيش نحو 12 شخصاً منهم في خيمة بلا مصدر للمياه، الأمر الذي يعرّض حياتهم للخطر.

دلائل لانتشار كورونا في المخيمات

ويعتبر غسل اليدين في مخيمات اللجوء السورية رفاهية، فهي تفتقر إلى المياه الكافية والصرف الصحي والإمدادات اللازمة.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمزالأمريكية تقريراً بعنوان "يُنصح بغسل الأيدي لمواجهة فيروس كورونا.. لكنَّ بعض العائلات لا يتسنَّى لها تحميم أطفالها لأسابيع".

شُرِّدت العائلات السورية بسبب الحرب وتعيش في مخيمات على الحدود السورية التركية
شُرِّدت العائلات السورية بسبب الحرب وتعيش في مخيمات على الحدود السورية التركية (نيويورك تايمز)

وألقى التقرير الضوء على أوضاع المخيمات في الشمال السوري، والاستجابة الدولية المتأخرة، مرجحاً احتمال انتشار الفيروس بشكل كارثي، بخاصة مع عدم وجود مياه فيها وافتقارها إلى أبسط الخدمات الأساسية والصحية وتجمُّع قرابة 12 شخصاً في خيمة واحدة.

وانتقدت الصحيفة عدم تسليم منظمة الصحة العالمية حتى الآن، مجموعات اختبار فيروسات كورونا للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، على الرغم من قيامها بأول تسليم لمثل هذه المجموعات إلى الحكومة السورية منذ أكثر من شهر.

وقال أطباء سوريون وخبراء إن التأخير ربما سمح للفيروس بالانتشار من دون اكتشاف لأسابيع في بيئة خطرة، وربما يكون اجتاح المخيمات بالفعل، مع المرض والوفيات التي تحمل بصمات تفشّي المرض، إذ قال محمد غالب تيناري الذي يدير مستشفيات الجمعية الطبية السورية الأمريكية في المنطقة: "لدينا حالياً حالات مشتبه فيها ولدينا أشخاص ماتوا، ولكن لسوء الحظ لأننا لا نمتلك الاختبار، لا يمكننا تأكيد أن هذه الحالات هي كورونا حقاً أم لا".

ونوهت الصحيفة بأن المختبر في مستشفى إدلب المركزي جاهز لاختبار الفيروسات التاجية، لكنه يفتقر إلى مجموعات الاختبار. وطلب الأطباء السوريون المزيد من المعدات الواقية، مثل الأقنعة والقفازات، لكن أول شحنة جديدة من منظمة الصحة العالمية وصلت الثلاثاء فقط.

يعتبر غسل اليدين رفاهية إذ تفتقر المخيمات إلى المياه الكافية والصرف الصحي
يعتبر غسل اليدين رفاهية إذ تفتقر المخيمات إلى المياه الكافية والصرف الصحي (نيويورك تايمز)

وأشار عبد الرزاق زقزوق المساعد الإعلامي للجمعية الطبية السورية الأمريكية، إلى عدم وجود مناطق للحجر الصحي شمالي سوريا، وأضاف: "إذا وُجدت أي حالة من الفيروس شمالي سوريا، فإن الوضع سيكون مأساوياً".

ويقدر الأطباء في المنطقة أن مليون شخص في محافظة إدلب يمكن أن يصابوا بالفيروس، وأن 100.000 إلى 120.000 يمكن أن يموتوا، وأن 10000 سيحتاجون إلى مساعدة من أجهزة التنفس الصناعي، بينما يوجد 153 تهوية في المحافظة الآن.

ووصفت الصحيفة الأوضاع المأساوية في المخيمات السورية، إذ تجري المجاري بشكل مفتوح في الطرق ولا توجد شاحنات قمامة، ويستخدم 40 شخصاً تقريباً خمسة مراحيض من دون مكان لغسل أيديهم، فيما قال الخبراء إن هذه الظروف ستجعل انتقال الفيروس أسهل بكثير.

المصدر: TRT عربي