تسع سنوات من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا لم تفضِ إلى نتيجة لحل أزمة سد النهضة (Reuters)

تصعِّد القاهرة من لهجتها السياسية والفنية ضد إثيوبيا في أزمة سد النهضة المستمرة منذ قرابة 9 سنوات، من دون التوصل إلى صياغة اتفاق متوازن لقواعد ملء السد، يراعي حقوق الأطراف الثلاثة.

من الجهة المصرية قال وزير الخارجية سامح شكري في كلمة أمام مجلس النواب الثلاثاء إن "مصر لم ولن تنجرف في مد أمد التفاوض وترسيخ الأمر الواقع على الأرض، ولم ولن تسمح بأن تكون رهينة لمساعي البعض لفرض السيطرة والهيمنة على نهر النيل".

تصريحات شكري أمام المجلس تبدي من ناحية سياسية الحالة التي وصل إليها المفاوض المصري، سبق ذلك بيومين تصريحات فنية من وزير الري والموارد المائية المصري محمد عبد العاطي قال فيها إنه يوجد تعنت من الجانب الإثيوبي في ملف مفاوضات سد النهضة، مشيراً إلى تراجعها في كل مرة لخطوات عما يجري الاتفاق بشأنه.

أهم ما ورد فنياً في إفادة الوزير أمام مجلس النواب المصري أيضاً كان المراحل الأخيرة التي شهدتها المفاوضات، إذ أكد مساعدة الجانب الأمريكي الوسيط في البداية بمسودة اتفاق وقعت مصر عليه بالحروف الأولى، ولكن أعلنت إثيوبيا رفضها لتلك المسودة.


كما أشار الوزير إلى استجابة مصر لمبادرة رئيس الوزراء السوداني، وبعدها عُقد العديد من الاجتماعات الثلاثية وتراجعت إثيوبيا عن معظم البنود الفنية في مسار واشنطن خلال تلك الاجتماعات وبخاصة الأمور الفنية، كما عُقدت 4 اجتماعات تحت رعاية الاتحاد الإفريقي و5 اجتماعات سداسية بحضور وزراء الري والخارجية، ولكن هذه المراحل لم تخلُ من التعنت الإثيوبي، حسب تصريحات الوزير المصري.

وشنّ أعضاء بمجلس النواب المصري هجوماً خلال الجلسة على إثيوبيا، متهمين إيّاها بـ"اتّباع أسلوب المراوغة والمماطلة"، في تنفيذ ما جرى التوافق عليه بشأن سد النهضة، مؤكدين حاجة مصر إلى تكوين ما وصفوه بـ"لوبي" لتقديم الحقائق للمجتمع الدولي بشأن ادّعاءات أديس أبابا.

السودان أقرب إلى مصر الآن

وفي وسط تأرجح الموقف السوداني في أزمة السد منذ صعودها إلى الواجهة، شهد تطوراً مؤخراً، بعدما جدّدت الحكومة السودانية السبت الماضي إعلان مخاوفها من مضي إثيوبيا بمشروع سد النهضة من دون إبرام اتفاق ملزم مع الدول المعنية، مُشدّدة على أنها لن تقبل بسياسة فرض الأمر الواقع في تلك الأزمة، وهو نفس ما ورد بالموقف المصري اليوم على لسان وزير الخارجية.

وأشار الناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية في هذا الصدد إلى أن الوساطة الإفريقية بشكلها القديم لم تعُد مجدية، ولا بد من تغيير المنهج وتوسيع دور أكبر للخبراء أو توسيع الوساطة لجهات أخرى.

الموقف السوداني الأخير يمكن استنتاج ظهوره بهذه الحدة على خلفية توترات سياسية مع أديس أبابا في المقام الأول بسبب نزاع حدودي اشتعل منذ أسابيع، وبالإضافة إلى المحاولات المصرية للتقارب مع السودان في الملف التي يبدو نجاحها بعد زيارات متتالية من القيادات المصرية على رأسها رئيس الوزراء ومدير المخابرات المصرية.

وهنا تأتي المحاولات المصرية المستمرة لمواجهة التعنُّت الإثيوبي بتقريب مواقف القاهرة من الخرطوم، كبداية لصناعة جبهة ضغط موحدة تجاه أديس أبابا التي كانت تحاول استمالة السودان كثيراً ضد القاهرة في مراحل سابقة من التفاوض.

تحذير من الغليان

وسط التراشق بين الدول الثلاثة في الملف، يبحث كثيرون عن الموقف الأمريكي على ضوء وجود إدارة جديدة، الأمر الذي رصده موقع المونيتور الأمريكي بقوله إن أنتوني بلينكين مرشح الرئيس الأمريكي جو بايدن لمنصب وزير الخارجية حذَّر في جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ من أنَّ المحادثات بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة الإثيوبي قد "تنتهي بالغليان".

إشارات بلينكن تأتي بالتزامن مع خروج أصوات تحث الدولة المصرية على التصرف بـ"حزم" أكثر مع الجانب الإثيوبي، ولو وصل الأمر إلى التهديد بالحل العسكري، إلا أن مصر والسودان بشكل رسمي يتمسكان بالمفاوضات طريقاً واحداً، ولو أن الأمر يضعهما في حرج داخلي حتى اللحظة بسبب عدم التقدم إلى الأمام.

وكإشارة أخرى إلى الغليان كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد ألمح خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2020 من دون ذكر أسماء، إلى أن مصر تؤجِّج المواجهات الحدودية بين إثيوبيا والسودان أو تحرض عليها، وهو ما تنفيه مصر والسودان، طبقاً لما أورده موقع المونيتور الأمريكي.

أطراف أخرى

يبدو أن مصر والسودان حالياً يعولان على دخول أطراف جديدة تحيي مسار المفاوضات "الميت إكلينيكياً".

فعلى خلاف جمهورية الكونغو التي ستتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي خلفاً لجنوب إفريقيا، فإن أطرافاً أخرى أيضاً أبدت الاهتمام بالدخول في دور وساطة.

واحتضن السودان مؤخراً لقاءات ذات صلة من بينها ما أعلنه السفير البريطاني لدى الخرطوم عرفان صديق عن تعهُّد بلاده بدعم ملف سد النهضة للوصول إلى اتفاق مُرضٍ لجميع الأطراف.

كما جددت الولايات المتحدة وإيطاليا الدخول على خط الأزمة، بتأكيد الحق في "تبادل المعلومات بصورة منتظمة لتأمين السدود والمنشآت المائية وسلامة مواطنيه عند تشغيل السد الإثيوبي"، وذلك خلال لقاء وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس الأسبوع الماضي سفيرَي الولايات المتحدة وإيطاليا لبحث آخر تطورات المفاوضات.

فيما تتباين التوقعات حول مدى نجاح الأدوار الدولية والإقليمية الجديدة في إحراز تقدم بالملف، إذ إن عامل الوقت قد لا يكون في صالح دولتَي المصب، ومن ثمّ فإن التوجه إلى مجلس الأمن من جديد قد يكون الحل الوحيد.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً