تصدرت جزيرة ميس الخلاف التركي اليوناني في شرقي البحر المتوسط، حيث تحاول أثينا محاصرة السواحل التركية من خلال جزيرة صغيرة تبعد عن السواحل التركية 2 كيلومتر ومئات الكيلومترات عن اليابس اليوناني، وهو ما تؤكد تركيا أنها لن تسمح به "على الإطلاق".

جزيرة ميس تبعد عن السواحل التركية 2 كيلومتر وعن اليونان مئات الكيلومترات 
جزيرة ميس تبعد عن السواحل التركية 2 كيلومتر وعن اليونان مئات الكيلومترات  (AA Archive)

بعد توقيع مصر واليونان، اتفاقية مشتركة لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ورفض تركيا للاتفاقية التي اعتبرتها أنقرة "باطلة ولا قيمة لها"، وتأكيدها أنها "لن تسمح بأي أنشطة ضمن المنطقة المذكورة، وستواصل بلا شك الدفاع عن الحقوق المشروعة لتركيا وللقبارصة الأتراك شرقي المتوسط"، عاد التوتر بين اليونان وتركيا وسط مخاوف من تحوله إلى مواجهة عسكرية.

وجاء الرد التركي على لسان الرئيس رجب طيب أردوغان، حين قال: "لسنا بحاجة للتباحث مع من ليس لديهم أي حقوق في مناطق الصلاحية البحرية"، فيما قال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو الخميس، إن ما تسمى "اتفاقية ترسيم مناطق الصلاحية البحرية" بين مصر واليونان، تنتهك الجرف القاري لليابس الأساسي للدول وهو ما يخالف القانون الدولي.

ولم يقتصر الأمر على ترسيم الحدود، بل تصاعد الخلاف بين تركيا واليونان داخلاً مرحلة جديدة تنذر باحتمال حدوث مواجهة عسكرية، بسبب الخلافات على عدة ملفات، أبرزها الحدود البحرية والجرف القاري والجزر المتنازع عليها، إضافة إلى الانتشار العسكري شرق المتوسط والتحركات المتزايدة المرافقة لتصاعد الأزمة في ليبيا.

ولطالما مرت العلاقات التركية اليونانية بمراحل صعبة من التوتر نتيجة خلافات تاريخية على الحدود البرية والبحرية والمياه الإقليمية والمجال الجوي وملف جزيرة قبرص، أضيفت إليها خلافات جديدة تتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط وملف اللاجئين واستضافة اليونان لانقلابيين أتراك والخلاف حول "آيا صوفيا".

جزيرة ميس.. شعلة جديدة للخلاف

يتركز الخلاف هذه المرة على تحديد الجرف القاري لجزيرة صغيرة تدعى "ميس" بالتركية و"كاستيلوريزو" باليونانية، تبعد 2 كيلومتر فقط عن الحدود التركية قبالة منطقة كاش بولاية أنطاليا، و580 كيلومتراً عن اليونان، لكنها تتبع لليونان عملياً، بموجب الاتفاقيات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

وتصر تركيا أن هذه الجزيرة الصغيرة المتاخمة لسواحلها والتي لا تتعدى مساحتها 10 كيلومترات، لا يمكن أن يكون لديها جرف قاري كامل يتبع لليونان التي تحاول السيطرة على جرف قاري بمساحة 40 ألف كيلومتر واعتبار جزيرة صغيرة بعيدة مئات الكيلومترات عن حدودها منطقة تتمتع بالحقوق الكاملة لليابس الأساسي للدول فيما يتعلق بالجرف القاري، وهو ما تشدد أنقرة على أنه أمر مخالف للقوانين الدولية.

تسعى اليونان من خلال الجزر الصغيرة المتناثرة في البحر، لوضع يدها على كامل الموارد في المتوسط
تسعى اليونان من خلال الجزر الصغيرة المتناثرة في البحر، لوضع يدها على كامل الموارد في المتوسط (AA)

وتسعى اليونان من خلال الجزر الصغيرة المتناثرة في البحر، لوضع يدها على كامل الموارد في المتوسط وحصار تركيا في شريط ضيق ملاصق لسواحلها رغم أنها من أكثر الدول إطلالاً على بحر إيجه والمتوسط.

هذا الحصار، أكده متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن حين قال "إن بلاده عقدت اتفاقية مهمة مع ليبيا وأفسدت مخطط حبس تركيا في سواحل أنطاليا"، مضيفاً في تصريحات لقناة CNN TÜRK: "قدمنا مقترحات مماثلة لدول أخرى ولسنا مع العلاقات المتوترة".

تاريخ الجزيرة

تعتبر جزيرة "ميس" من أصغر الجزر الموجودة في قسم رودس الإقليمي في جنوب إيجة شرقي اليونان، ويفصلها عن السواحل التركية أقل من 2 كيلومتر وتعد من الجزر المتنازع عليها بين تركيا واليونان.

ولا يتجاوز عدد سكان الجزيرة 500 نسمة، وكانت جزيرة مهمة في المجال البحري والتجارة حتى عام 1913، عندما كانت تحت الحكم العثماني.

وقال الباحث فاسيليكي كريستهانثوبولو: "عندما لم تتمكن اليونان من تقديم الدعم اللازم للجزيرة بسبب حروب البلقان في ذلك الوقت، حكمت جزيرة ميس نفسها بين 1913-1915، ولكن احتلها الفرنسيون بين 1915-1921".

ومنذ عام 1921 حتى الحرب العالمية الثانية، احتل البريطانيون جزيرة ميس، مثل الجزر الاثنتي عشرة التي حكمها الإيطاليون بين عامي 1943-1945، وجرى إرسال سكان الجزيرة الذين بلغ عددهم 1500 نسمة في ذلك الوقت، من قبل البريطانيين إلى مناطق تحت الحكم البريطاني مثل غزة وبورسعيد من أجل النجاة من القصف العنيف لألمانيا التي كانت تقاتل ضد البريطانيين.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما عاد 1500 شخص من جزيرة ميس، إلى جزيرتهم التي تعرضت للقصف مرة أخرى، وجدوا منازلهم في حالة خراب. ومع اتفاقية باريس لعام 1947، جرى نقل جزيرة ميس باعتبارها امتداداً للجزر الـ12، إلى اليونان.

وتعتبر الكثير من الأوساط التاريخية التركية أن الجزيرة تابعة لتركيا جغرافياً ومنطقياً لكنها منحت لليونان في ظروف سياسية صعبة مرت بها المنطقة والعالم عقب الحرب العالمية الأولى، وطوال العقود الماضية ظلت الجزيرة أقرب إلى تركيا حتى من ناحية الخدمات وعمليات الإنقاذ وتلبية الاحتياجات الأساسية.

استئناف التنقيب

وأثارت الاستفزازات اليونانية حفيظة تركيا، إذ أطلقت البحرية التركية إخطاراً يُعرف باسم "نافتكس" لإجراء مسوح اهتزازية في منطقة من البحر تقع بين جزيرتي قبرص وكريت، كجزء من العمل التحضيري لعمليات تنقيب محتملة عن المواد الهيدروكربونية، لكن اليونان اعتبرت أن هذه العمليات محاولة للتعدي على الجرف القاري التابع لها، وتقصد بذلك الجرف القاري التابع للجزيرة الصغيرة "ميس".

واحتجت وزارة الخارجية اليونانية رسمياً لدى أنقرة، وقالت الوزارة في بيان: "نطالب تركيا بأن توقف فوراً أنشطتها غير القانونية التي تنتهك حقوقنا السيادية وتقوض السلام والاستقرار في المنطقة"، لكن أنقرة أكدت مجدداً أن الموقع البحري يقع "ضمن الجرف القاري التركي".

وتصر تركيا على حماية مصالحها وحقوقها النابعة من القوانين الدولية في شرق المتوسط، وهو ما أكد عليه اجتماع مجلس الأمن القومي الذي انعقد، الشهر المنصرم، برئاسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ أكد أن أنقرة "لن تسمح بأي مبادرة يمكن أن تلحق الضرر بأجواء الأمن والاستقرار في قبرص".

وقالت وزارة الخارجية التركية إن "مزاعم اليونان المتعلقة بالجرف القاري تتعارض مع القانون الدولي وقرارات المحاكم، وإن المنطقة البحرية التي ستجري السفينة التنقيب فيها هي ضمن حدود الجرف القاري لتركيا المحدد من قبل الأمم المتحدة والمناطق المرخصة من قبل الحكومة التركية لصالح مؤسسة البترول التركية عام 2012".

تسند اليونان مزاعمها هذه على وجود جزر بعيدة عن برها الرئيسي وعلى رأسها جزيرة ميس، فمزاعم اليونان حول الجرف القاري تتعارض مع القانون الدولي وقرارات المحاكم

وزارة الخارجية التركية

وترى تركيا أن خلق جزيرة مساحتها 10 كيلومترات وتبعد عن تركيا 2 كيلومتر وعن البر الرئيسي اليوناني 580 كيلومتراً، لجرف قاري بمساحة 40 ألف كيلومتر، لا يعتبر طرحاً مناسباً للعقل والقانون الدولي.

تدخل ألماني

وحين وافقت تركيا على تعليق عمليات التنقيب بناء على طلب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، كانت تهدف لتسهيل محادثات بينها وبين اليونان، لكن الأخيرة لم تفِ بوعودها بعد توقيعها اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع مصر، حسب تصريحات الرئيس التركي.

وأضاف أردوغان: "بعد نكث الوعد ما الذي سيحصل؟ باشرنا بأعمال التنقيب مباشرة وأرسلنا سفينة بربروس خير الدين باشا إلى المنطقة لمباشرة مهمتها قبالة سواحل جمهورية شمال قبرص التركية".

أنا لا أثق باليونان والدول الأخرى، وسترين أن هؤلاء لن يفوا بوعودهم، وهذا ما حدث

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مخاطباً المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

وتابع أردوغان: "المستشارة الألمانية طلبت منا مؤخراً وقف أعمال التنقيب وأبلغتنا بأن ذلك سيسهل عملها، وأنا قلت لها إن كنت تثقين باليونان أو بالآخرين سنوقف أنشطة التنقيب لمدة 3-4 أسابيع".

من جانبه، أعرب متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن عن استعداد بلاده، دون قيد ولا شرط مسبق، للعمل من أجل أن يعود شرقي المتوسط من كونه ساحة صراع إلى بحر للسلام. وقال إن المستشارة الألمانية تلعب دوراً بنّاءً كوسيط في هذه المرحلة التي تشهد توتراً مع اليونان، إثر إخطار "نافتكس" الذي أطلقته البحرية التركية قبل أيام شرقي المتوسط، إلا أنها تعرضت بسبب وساطتها لانتقادات كثيرة داخل الاتحاد الأوروبي،

وأوضح أن ميركل تتبع نهجاً يعتمد على التقدم بخطوات لخفض التوتر في بحر إيجه وشرقي المتوسط، واتخاذ إجراءات لبناء ثقة متبادلة، وتأسيس أرضية مشتركة للخروج بمجموعة قرارات إيجابية تتعلق بتركيا في هذه المرحلة التي تترأس فيها ألمانيا الاتحاد الأوروبي.

وتكمن المشكلة الأساسية في وجود فجوات في المنطقة الاقتصادية الخالصة المتعلقة بالجرف القاري لبحر إيجه والجزر وشرقي المتوسط، فيما لا يوجد تعريف قانوني بهذا الخصوص، حيث ينص القانون البحري الدولي على حل القضايا المتنازع عليها بشكل ثنائي بين الدول.

قلنا إننا على استعداد، دون قيد ولا شرط مسبق، لكي يعود شرقي المتوسط من كونه ساحة صراع إلى بحر للسلام

متحدث الرئاسة التركية - إبراهيم قالن

الالتزام باتفاقية ترسيم الحدود الليبية

وتواصل تركيا بحزم كبير الالتزام باتفاق ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، والذي وقعته مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بالتوازي مع اتفاق للتعاون العسكري.

وسارعت أنقرة وطرابلس إلى رفض الاتفاقية المبرمة بين مصر واليونان اللتين تصدرتا إلى جانب فرنسا جبهة مناوئة لتركيا في قضية استغلال موارد الطاقة بمنطقة شرق المتوسط، والتي اكتشفت فيها احتياطات كبيرة من الغاز السنوات الماضية.

كما قالت وزارة الخارجية الليبية إنها لن تسمح لأي جهة بالاعتداء على حقوقها البحرية، مؤكدة استمرارها في تنفيذ مذكرة التفاهم الموقَّعة مع تركيا.

وأشارت الوزارة في بيان نشرته على صفحتها في فيسبوك، رداً على الإعلان عن الاتفاقية المصرية-اليونانية، إلى أنها "دعت ولا تزال تدعو لأن يكون المتوسط بحيرة سلام وأن تسلك الدول المتشاطئة سلوكاً يسمح بتحديد الحدود البحرية بينها على أساس قائم على التوافق وعلى مبادئ القانون الدولي المعتبرة".

بيان وزارة الخارجية بشأن تحديد مصر واليونان مناطق اقتصادية خالصة في البحر الأبيض المتوسط. تابعت وزارة الخارجية باهتمام...

Posted by ‎وزارة الخارجية الليبية‎ on Thursday, 6 August 2020

كما أعلنت شخصيات مصرية معارضة في الخارج رفضها القاطع الاعتراف باتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعه النظام الحاكم في مصر مع اليونان، معتبرين الاتفاق والعدم سواء.

ودعوا، في بيان مشترك لهم، جموع الشعب المصري، إلى "التعبير عن رفضه لهذه الاتفاقية المشبوهة، بكل الوسائل المتاحة والممكنة، لبناء رأى عام وطني جامع ضد كل ما من شأنه تهديد مقدرات وثروات هذا الشعب".

المصدر: TRT عربي - وكالات