ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإثنين، خطاباً تلفزيونيّاً يُعد الأول منذ اندلاع احتجاجات السترات الصفراء. واعترف ماكرون بأنه يتحمل جزءاً من مسؤولية الغضب الشعبي، كما تعهد برفع الحد الأدنى للأجور وإلغاء الزيادات الضريبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (AP)

ما المهم: اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإثنين، بحاجة فرنسا إلى إصلاح عميق، وأنه يتحمل جزءاً من مسؤولية الغضب الشعبي، رغم وجود جذور قديمة للأزمة، مشيراً إلى أنه يريد أن يعيش المواطنون بكرامة في بلاده.

جاء هذا الاعتراف بعد مرور نحو أربعة أسابيع على اندلاع الاحتجاجات الفرنسية المعروفة بحراك السترات الصفراء، حيث طلب من الحكومة والبرلمان القيام بما هو ضروري.

وتعهد الرئيس الفرنسي، في أول خطاب له منذ بداية المظاهرات، بخفض الضرائب على ذوي الدخل المحدود وأصحاب المعاشات، وإلغاء الضريبة على ساعات العمل الإضافية، ورفع الحد الأدنى للأجور بقيمة 100 يورو اعتباراً من بداية العام المقبل، لكنه أكّد أنه سيلتزم أجندته الإصلاحية، ورفض إعادة فرض ضريبة على الثروة.

في المقابل، وجّه ماركون انتقادات حادة لمن قاموا بأعمال عنف خلال الاحتجاجات، وأكّد أن قوات الشرطة لن تتساهل مع مثيري الشغب والأشخاص المتسببين في العنف وغيرها من التصرفات التي تهدد حرية فرنسا.

المشهد: جاءت كلمة ماكرون بعد 48 ساعة من وقوع اشتباكات في الشوارع بين المحتجين والشرطة الفرنسية، وقيام المتظاهرين بإطلاق مقذوفات وحرق سيارات ونهب متاجر، في سياق احتجاجات السترات الصفراء التي انطلقت في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، واستمرت على الرغم من تراجع الحكومة عن قراراتها بفرض ضرائب جديدة ورفع أسعار الوقود.

ويُعد الحراك الاحتجاجي الأخير الأكبر في تاريخ فرنسا منذ مظاهرات الطلاب في مايو/أيار 1968، ويرى مراقبون أنه يمثل أكبر تحدٍّ سياسي أمام ماكرون منذ توليه الرئاسة العام الماضي.

وكان وزير المالية الفرنسي برونو لو مير قال إن الرئيس الفرنسي يتعين عليه توحيد البلاد المنقسمة، مشيراً إلى انعكاس الاحتجاجات سلباً على الوضع الاقتصادي الفرنسي، وأن موجة الاضطرابات تضر بصورة فرنسا لدى المستثمرين الأجانب، وستقلل ناتج النمو الاقتصادي السنوي المتوقع للربع الأخير من عام 2018 بنسبة 0.1%.

وعلى الصعيد السياسي، التقى الرئيس ماكرون قبل الكلمة التي ألقاها، الإثنين، ممثلين عن عدد من النقابات والاتحادات العمالية في لقاء امتد لأربع ساعات وحضره رئيس وزرائه إدوار فيليب ورئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرارد لارشيه.

وقال الأمين العام للاتحاد الفرنسي الديمقراطي للعمل لوران برجيه بعد نهاية الاجتماع، إن "هناك أزمة حقيقية ولا بد من من إيجاد حل في أسرع وقت ممكن".

الخلفيات والدوافع: رغم انطلاق حراك السترات الصفراء تنديداً بإعلان زيادات على أسعار الوقود وفرض ضرائب جديدة وارتفاع تكاليف المعيشة، يقول مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سلام كواكبي في مقال نُشِر على موقع TRT عربي، إن السبب الحقيقي للغضب الشعبي هو تراكم سياسات اقتصادية ليبرالية انتهجتها جميع الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدار ثلاثة عقود.

ويشير كواكبي إلى أن طبيعة شخصية ماكرون الذي يتهمه كثيرون بالكبرياء والغرور زادت من حدة الاحتقان لدى المحتجين، منوهاً بأن ماكرون أطلق ورشة إصلاحات اقتصادية فورية دون فتح بابٍ للنقاش العام الذي اقتصر على البرلمان الذي يسيطر عليه حزبه، متجاهلاً رأي النقابات والاتحادات المهنية، فضلاً عن الأحزاب السياسية التي انحسر دورها كثيراً في الفترة الماضية.

وفيما يتعلق بمشكلات الحراك الحالي، يقول كواكبي إن العفوية وغياب التنظيم وانتشار خطاب غير واقعي بين المحتجين وقبولهم الضمني بانتهاج أساليب عنيفة، كلها عوامل سمحت لعناصر يمينية ويسارية متطرفة باختراق الحراك، وهو ما يضر به وبأفقه السياسي.

ما التالي: يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيزانسون الفرنسية سعيد السالمي لـTRT عربي، إن "خطاب ماكرون وتقديمه تلك التنازلات قد ينجح في تقسيم المحتجين وتهدئة جزء معين منهم"، موضّحاً أن القرارات التي اتخذها الرئيس الفرنسي تستهدف شرائح بعينها، إلا أن الطبقة الوسطى لم تكن معنية بأيٍّ من قراراته، وهذا ما يفسر إصراره على عدم فرض ضريبة الثروة التي كان من شأنها أن تطال الأثرياء.

وعن مستقبل الحراك سياسيّاً، يشير السالمي إلى أن المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلانشون، دعا المحتجّين للعودة إلى الشوارع وبدء انتفاضة واسعة.

ويضيف "لا أظن أن تلقى دعوته قبولاً لدى المحتجّين الذين يرى معظمهم مثل هذه الدعوات محاولة لركوب الموجة".

ويرجح السالمي أن يكون المستفيد الأول من الحراك الاحتجاجي الأحزاب اليمينية المتطرفة، ويتابع "كان من المفترض أن تكون القوى اليسارية والاشتراكية هي المستفيد الأكبر نظراً إلى أن معظم أسباب الغضب الشعبي راجعة إلى أزمات اقتصادية واجتماعية تعيشها فرنسا منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، ولكنَّ القوى اليسارية التقليدية والراديكالية لم يعد لها وجود قوي في الشارع".

ويعزو أستاذ العلوم السياسية أزمة اليسار الفرنسي إلى ثلاثة عوامل، أولها ضعف مصداقية اليسار لدى المواطن الفرنسي بسبب السمعة السيئة التي طالت عدداً من قادة الأحزاب اليسارية وتورطهم في قضايا فساد.

ويُعتبر تبنِّي الحزب الاشتراكي، الممثل الأكبر للقوى اليسارية التقليدية في فرنسا، سياسات نيوليبرالية منذ مطلع التسعينيات تحت قيادة زعيم الحزب ورئيس الجمهورية حينها فرانسوا ميتران، السبب الثاني لأزمة اليسار، بالإضافة إلى التغيرات الموروفولوجية الطارئة على المجتمع الفرنسي وتآكل طبقة العمال التي تُعدّ أهم رافعة اجتماعية لأي حزب يساري، لتحل محلها طبقة مكونة من المستخدمين وصغار المقاولين الذين يميلون إلى الأحزاب اليمينية.

ويرى السالمي أن اليمين المتطرف سيكون أهمّ المستفيدين من الحراك الاحتجاجي، لافتاً إلى أن خطاب اليمين يركز على نقطتين، هما الخروج من عباءة الاتحاد الأوروبي، وتقليل معدلات الهجرة، ليشعر المواطن أن معظم التحديات الاقتصادية التي يواجهها يمكنها أن تُحَلّ عبر هذين الملفين.

المصدر: TRT عربي - وكالات