بعد هدنة ميدانية عمّرت تسعاً وعشرين عاماً، عاد شبح الحرب يتهدد منطقة الصحراء الغربية التي كانت منذ 1975 وحتى 1991 مسرحاً لحرب رمال ضروس بين القوات المسلحة المغربية ومقاتلي جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) المدعومة من قبل الجزائر.

فجر الجمعة الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني، نفذ الجيش المغربي عملية وصفها بغير الهجومية تمثلت في وضع حزام أمني لتأمين تدفق السلع والأفراد عبر منطقة الكركرات العازلة التي تربط المغرب وموريتانيا.

وعزا الجيش المغربي اتخاذه هذه الخطوة إلى عرقلة من وصفهم بالمليشيات المسلحة لجبهة "البوليساريو" للمحور الرابط بين المغرب وموريتانيا. وأفاد بيان لوزارة الخارجية المغربية أن "المغرب قرر التحرك في ظل ما وصفها بالاستفزازات الخطيرة وغير المقبولة "لمليشيات جبهة البوليساريو التي تسللت إلى المنطقة العازلة منذ أواخر شهرأكتوبر/تشرين الأول الماضي وعرقلت حركة تنقل وعمل المراقبين العسكريين التابعين للبعثة الأممية (المينورسو). كما حجزت عدداً كبيراً من الشاحنات المحملة بالسلع ومنعتها من ولوج المنطقة العازلة في اتجاه المغرب وفي اتجاه موريتانيا.

ورغم أن العملية كانت محدودة في الزمان والمكان إلا أنها مكنت بحسب بلاغ للقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية المغربية من وضع حزام أمني على طول الجدار الأمني سيمكن مستقبلاً من تأمين تدفق السلع والأفراد، عبر هذا الجزء الصغير من المنطقة العازلة التي حددتها منظمة الأمم المتحدة ضمن شروط وقف إطلاق النار الموقع بين المغرب وجبهة البوليساريو. 

وكانت منطقة الكركرات في العام 2016 مسرحاً لتوتر مماثل نتج عن عملية مطاردة مغربية للمهربين والتجار غير الشرعيين، كادت أن تشعل فتيل الحرب لولا تدخل القوات الأممية (مينورسو) ودعوة الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش، الطرفين لسحب عتادهما من المنطقة. 

ومما لا شك فيه أن المغرب حاول منذ عامين إثارة انتباه النظام الدولي، والأمم المتحدة إلى خطورة محاولات تغلغل جبهة البوليساريو إلى المنطقة العازلة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من أضرار تهم المصالح التجارية المغربية بموريتانيا وبقية دول الساحل الإفريقي. 

إلا أن قوات المينورسو لم تهدئ من المخاوف المغربية، ولم يعرها المجتمع الدولي العناية اللازمة. وهو ما سمح لجبهة البوليساريو بالتمدد في المنطقة التي تنعتها "بالمناطق المحررة". 

ورغم غضب مغربي غير معلن من عدم استجابة الأمم المتحدة للمخاوف التي أبدتها الرباط إلا أن وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، دق ناقوس الخطر وأعاد الكرة من جديد حين ذهب في زيارة إلى نيويورك للقاء غوتيريش العام الماضي.

ويقول من رتبوا حقائب الوزير خلال هذه المهمة، إنه سلم خلال تلك الزيارة السيد غوتيريش وثائق وصوراً جوية تثبت بالحجة وبالعين المجردة ما وصفته الرباط إبانها بتوغل البوليساريو داخل المنطقة العازلة على امتداد شهور، من أغسطس/آب 2017 وإلى مارس/آذار 2018. أما جواب جبهة البوليساريو عن تلك الاتهامات فكان النفي والتلويح بمحاولة الرباط التنصل من عملية السلام. 

وأما موقف قيادة جبهة البوليساريو من العملية المغربية لفك الحصار على طريق العبور في الكركرات فلخصته بقولها إن قوات الجبهة ردت على ما سمته خرق المغرب لوقف إطلاق النار، واستهدفت مناطق خلف الجدار العازل.  

والحقيقة أن مرحلة اللا-سلم واللا-حرب التي تعيشها جبهة البوليساريو منذ وقف الجولة الأولى من المفاوضات بين أطراف النزاع في جنيف في ديسمبر 2018 تعمقت آثارها بعد انتهاء لقاء ثان نظم في سويسرا بحضور المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو في مارس/آذار 2019 دون التوصل إلى نتائج تذكر. 

وتعززت الانتكاسة السياسية حين رفع الرئيس الألماني السابق والوسيط الأممي، هورست كولر، تقريره إلى الأمين العام أفاد بتباعد رؤى الأطراف، وفشلهم في الوصول إلى تسوية للنزاع في القريب العاجل، ثم أعقبها بتقديم استقالته من مهامه. 

ومنذ ذلك التاريخ لم يعين الأمين العام الأممي وسيطاً جديداً يتولى مهام جمع الأطراف المتنازعة حول الصحراء. إلى جانب ذلك تلقت جبهة البوليساريو انتكاسة دبلوماسية أخرى تمثلت في فتح 15 دولة إفريقية بالإضافة إلى الإمارات العربية قنصليات لبلدانها في مدينة العيون، وهي أكبر مدن الصحراء في الجنوب المغربي. ولربما أصبحت قطر هي الأخرى، ثاني دولة عربية تسلك هذا المسلك بعد أن سارعت خلال الساعات الماضية إلى إصدار بيان يؤيد التحرك المغربي بشأن معبر الكركرات. 

أما الجزائر التي تدعم الطروحات الانفصالية لجبهة البوليساريو منذ خمس وأربعين عاماً فقد اكتفت باستنكار ما وصفتها بالانتهاكات الخطيرة لوقف إطلاق النار في منطقة الكركرات وبدعوتها إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية التي من شأن انعكاساتها أن تؤثر على استقرار المنطقة. 

فهل تجر جبهة البوليساريو المنطقة إلى حرب؟ وهل تعود إلى خيار الكفاح المسلح كما هددت بذلك طوال الشهور الماضية؟ 

كل الاحتمالات تبقى واردة، لكن واقع الحال يشي بكون المتغيرات السياسية والاقتصادية الآنية التي تحبل بها منطقة المغرب الكبير لا تشجع أياً من أطراف النزاع على ركوب مغامرة مجهولة العواقب. 

ولما كان نزاع الصحراء الغربية من أقدم النزاعات الإفريقية المنسية يبدو لزاماً التذكير ببعض خلفياته وأسبابه: 

فبعد معركة قانونية طويلة خاضها المغرب في أروقة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية في لاهاي ضد الاستعمار الإسباني، انتهى إلى استصدار رأي استشاري من محكمة العدل الدولية أقر بوجود روابط قانونية وروابط بيعة متجذرة بين سكان الصحراء والعرش المغربي. 

وهو القرار الذي وظفه الملك الراحل الحسن الثاني في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975 في دعوة الشعب المغربي إلى تنظيم مسيرة سلمية انطلقت نحو الجنوب لتخليص تلك الأقاليم من سيطرة الاستعمار الإسباني، بمشاركة 350 ألف متطوع مغربي بالإضافة إلى مشاركين من دول عربية صديقة، منها الإمارات العربية، وقطر، والسعودية، والأردن وغيرها. 

وشكل هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 266 ألف كم مربع، وتتمتع بواجهة على المحيط الأطلسي يبلغ طولها 1100 كلم. فكان أن استرجع المغرب سيادته على الصحراء التي تحولت جزءاً لا يتجزأ من أراضيه. 

لكن المعادلة سرعان ما تغيرت بعد عام واحد فقط عن ذلك الحدث التاريخي، حين أعلنت جبهة البوليساريو عن إقامة ما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بدعم سخي من الجزائر وليبيا اللتين كانت لهما حساباتهما الاستراتيجية والجيوسياسية المنسجمة مع إسقاطات الحرب الباردة التي سادت العالم خلال الألفية الماضية. 

وكلما تقدمت سنوات النزاع توسعت الهوة بين الفرقاء، واحد منهم يطالب بتنظيم استفتاء لتقرير المصير والاستقلال، وآخر يعارض مبدأ الاستفتاء ويعتبره متجاوزاً الحقائق التاريخية والجغرافية، وفي المقابل يعرض حكماً ذاتياً موسعاً تحت السيادة المغربية. 

وعلى خلفية نزاع إقليمي مفتعل تكون قد مرت 45 سنة على ملف صراع شكّل عقدة المغرب الكبير، وظل حجر عثرة أمام تحقيق التكامل الاقتصادي، بل لقد كان هذا النزاع سبباً رئيسياً في إدخال الاتحاد المغاربي إلى غرفة الإنعاش الصحي وفي كتابة شهادة وفاته السريرية. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي