جدد اغتيال الرئيس مرسي الجدال القديم بين التيار القومي والتيار الإسلامي، وأيقظ ألماً كامناً كنا نظنه في طريقه إلى التلاشي بعد الربيع العربي.

الواقع يكشف أن هذه المعركة ستتجاوز حرب المائة سنة بين الفرنسيين والإنجليز، وربما لن تمحى آثارها من الثقافة والسياسية لقرون طويلة كأنها الفتنة الكبرى الثانية.

لقد بُذل جهد كبير في المؤتمر القومي الإسلامي في سنوات التسعين لرأب الصدع، وتقريب وجهات النظر، وشارك مفكرون قوميون وإسلاميون في الحوار، وكتب تراث مصالحة غزير، ولكن يبدو أنه كان رماداً أخفى جمر الخلافات إلى حين.

هبّة الربيع العربي أضرمت الخلاف، وقضت على تراث الحوار. فإذا التياران في حربهما الأبدية على طول الخريطة العربية وعرضها، وكانت حربهما من أوكد أسباب ردة الثورات.

والسؤال الذي سيظل بلا إجابة لفرط بساطته: هل يوجد خلاف حقيقي بين التيارين؟

من حضر أولاً إلى الساحة؟

يبدأ الخلاف من نقطة بعيدة تثقل استعادتها على المقال. هل ولد التيار الإسلامي أولاً أو التيار القومي؟ وهو سؤال يهدف إلى حيازة التاريخ ويقصد بطرحه منع اللاحق من مضايقة السابق في الموقع.

يعلن الإسلاميون انتماءهم إلى تيار النهضة العربية الأول الذي ولد في الجامع الأزهر، وعلى يد علمائه وبعثاته التعليمية.

فيما يعلن القوميون انتماءهم لتيار عروبي، تبلور في الساحة اللبنانية والشام في معاداة للتتريك بصفة خاصة.

والمطّلع الموضوعي على أدبيات التيارين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لا يجد أي خلاف حقيقي بين التيارين. بل إن إحياء اللغة العربية لغة القرآن التي يقدسها الإسلاميون تجددت وتطورت وانتقلت إلى الطباعة الحديثة على يد التيار العروبي بأقلام غالبها مسيحي.

بداية العبث

بداية العبث التاريخي بالتيارين حلت مع اتفاقيات سايكس بيكو. فصار التيار العروبي فجأة مسيحياً معادياً للخلافة الإسلامية الجامعة، فاندفع التيار الإسلامي مدافعاً عن أمة إسلامية شهيدة.

فرد التيار العروبي الذي لم يكن تحزب بعد بخلق منهج "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، زرعت قطيعة بينهما ستستمر حتى اللحظة؛ كأن هناك تناقضاً فعلياً بين أمة إسلامية وأمة عربية. وتوجد أدبيات كثيرة تلح على أن الخلاف وهمي، وأنه زراعة استعمارية محضة. ولكن تضيع أصوات التقريب في ضجة التحزب.

زمن اندحار موجة الاستعمار المباشر كان هناك تيار إسلامي منظم يقوده الإخوان المسلمون في مصر، ولكن التيار العروبي قد اختصر الطريق إلى السلطة بواسطة الجيش، والذي للصدفة الغريبة انطلق مقلداً ومستوحياً وناسخاً لأفكار وخطط عصر التنظيمات التركي الذي آمن بالقوة سبيلاً للنهضة.

وجد التيار الإسلامي نفسه في موقع ضعيف أمام حكومات تلهج بالعروبة، وتقدم برنامجاً تحديثياً مختلفاً عن خريطة الإصلاح الديني التي بدأها عصر النهضة الإسلامي، وتتفنن جميعها في تدمير التيار الإسلامي حتى صار هوياتها المفضلة. فتوسعت رقعة الخلاف وتحولت إلى حرب إبادة. قوميون يحكمون وإسلاميون يعارضونهم فينتهون في السجون والمنافي.

في الأثناء اتجه مفكرون قوميون إلى اليسار، وقدموا تصوراً تحديثياً مماثلاً للتحديث الغربي لجهة استبعاد الدين من الحياة العامة (بخاصة تيار البعث العربي) فأوغل إسلاميون كثر في اتجاه تكفير كل التحديث الغربي، وممثليه العرب بتأثير مباشر من تدين وهابي منغلق.

فاتسع الفتق على الراتق. في هذا الفتق وجد محمد مرسي الإخواني نفسه في حرب مع حمدين صباحي الناصري. كلاهما يتحدث العربية، وكلاهما يدافع عن فلسطين، وكلاهما يؤمن بالأمة العربية، ولكنهما لم يتحالفا بل تنازعا فذهبت ريحهما. (يلاحظ هنا أني قفزت عامداً عن تفاصيل خلافات كثيرة وسخيفة ومصطنعة بدأت في مسرحية حادث المنشية بالقاهرة، ولم أعرض إلى مذبحة حماه فالقصد ليس كتابة ثأرية) .

الربيع العربي انكسر داخل هذه المعركة

مائة سنة من الكتابة والتنظير حول الأمة وحول تحرير فلسطين (فضلاً عن معارك وجيوش وإذاعات) لم تقرب بل باعدت بين التياريين فكان الفشل الذريع حتى انطلقت ثورة من خارج التيارين فجرها مواطن يعيش خارج هذه المعركة من أجل أهداف تناساها أصحاب هذين التيارين في خضم حربهما البينية.

كانت لحظة مولدة لوعي جديد لكنها أهْدِرَتْ. فقد صار الخلاف سبب بقاءٍ لهذه الجماعات التي انغلقت على أفكارها وقراءاتها للتاريخ فماتت فعلاً لا قولاً.

لا أحد توقف عند اللحظة الفاصلة وقال لنؤسس من جديد لحوار قومي إسلامي كانت بداياته على الورق وينقصها التفعيل الميداني.

كان ذلك يعني مراجعات موجعة ونقداً ذاتياً وجهداً مضنياً لبناء تصورات جديدة للمستقبل. هذا الجهد مرهق لذلك وهن دونه الجميع واستسهلوا مواصلة الحرب البينية التي انتهت بخسران مبين.

في جنازة مرسي وجدنا أنفسنا في الوضع نفسه لحادثة المنشية مقلوباً (القوميون قتلوا الرئيس الإسلامي) كأن لم يمر سبعون عاماً على الخلاف الناصري الإخواني. ولكن هذه المرة على رقعة أوسع من مصر، هي كل رقعة الربيع العربي المطعون من أنصاره قبل أعدائه.

رفض عميق للنقد الذاتي

نقف على مشهد بائس ونصل إلى خلاصات حزينة ولا نقدم حلولاً. فهناك رفض عميق للنقد الذاتي بل نرى نذر حرب فيها منتصر وحيد. فمن يكون؟

المنتصر الذي أرى ليس التيار القومي ولا التيار الإسلامي ولكن الذي زرع بذرة الشقاق الأول منذ سايكس بيكو.

إنه لا يزال يدير المعركة بين التيارين باقتدار ويعطي عوام الناس جملاً يلهجون بها توسع الحرب ولا ترتق الخلاف. هل سيأتي من مجاهل هذه الحرب المستعرة عقلاء ينهون المعركة الدائرة رحاها منذ قرن؟

الأرجح عندي أن الشارع الذي ثار ذات يوم دون العودة إلى التيارين سيواصل ثورته خارج هذا المعركة فينهي وجود المحتربين ليجدوا أنفسهم في هامش التاريخ؛ وسيكون البقاء للأسرع منهما في مراجعة علاقته بالشارع قبل أي علاقة أخرى. هذه المعارك أثخنت في الأمة ولكنها أفنت أصحابها أولاً وهذه من مكارم التاريخ.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي