فأزمة السودان لا تُختزل في بُعدها الداخلي، بل ترتبط بسياق إقليمي أوسع تتداخل فيه قضايا الحكم والهوية والتنمية غير المتوازنة، إلى جانب تأثيرات نزاعات الجوار.
من هذا المنظور، تعامل الاتحاد الإفريقي، ومعه الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، مع السودان بوصفه اختباراً لقدرة القارة على إدارة أزماتها ذاتياً، بعيداً عن التدويل الكامل.
غير أن تعثر المسار بعد ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، وإجراءات 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، أعادا السودان إلى القطيعة مع الاتحاد الإفريقي، ما أضعف شرعيته الإقليمية حتى قبل اندلاع الحرب التي زادت الأزمة.
لذلك، فإن عودة السودان إلى الاتحاد الإفريقي وإيقاد تتجاوز البعد الإجرائي، لتصبح معركة استعادة الشرعية وتحديد من يتحدث باسم الدولة وعلى أي أساس دستوري.
كما ترتبط بقدرة الخرطوم على موازنة الضغوط داخل مجلس الأمن، حيث يسهل غياب الموقف الإفريقي الموحد تمرير مقاربات دولية قد لا تنسجم مع الواقع المحلي.
كما يتقاطع ذلك مع مبادرة الحكومة السودانية للسلام التي أطلقها رئيس وزرائها كامل إدريس في ديسمبر/كانون الأول 2025، إذ يظل نجاحها رهيناً باستعادة الغطاء الإفريقي وتحويل السودان من ساحة صراع إلى دولة فاعلة في محيطها القاري.
دور إيقاد في الأزمة السودانية
لم تكن إيقاد مجرد وسيط، بل كانت المنصة الإقليمية التي توفرت لها القدرة على الجمع بين الأطراف السودانية المختلفة، وتقديم ضمانات إقليمية للالتزامات التي جرى التوصل إليها خلال التفاوض.
وتتضاعف أهمية العودة إلى إيقاد إذا ما نُظر إليها بوصفها الإطار الإقليمي الأكثر تأثيراً في إدارة أزمات القرن الإفريقي ذات الطبيعة المركبة، حيث تتقاطع النزاعات الداخلية مع ملفات الحدود واللاجئين والموارد العابرة للدول.
كما أن إيقاد تمتلك خبرة تراكمية فريدة في إدارة الملف السوداني لا تتوافر لأي إطار إقليمي آخر، فقد قادت الهيئة منذ تسعينيات القرن الماضي مسارات تفاوضية طويلة ومعقدة في السودان، بدءاً من مبادرات السلام الأولى، مروراً بمفاوضات نيفاشا، ووصولاً إلى أدوارها في اتفاقيات ما بعد انفصال جنوب السودان، وكذلك في الوساطات المتعلقة بالنزاعات في النيل الأزرق وجنوب كردفان.
وتكتسب إيقاد أهمية إضافية في المرحلة الراهنة بحكم موقعها الوسيط بين الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي، فهي تمثل القناة التي ينتقل عبرها عديد من المقاربات الإقليمية إلى مؤسسات الاتحاد الإفريقي، ومنها إلى مجلس الأمن الدولي.
ولا يقل البعد الاقتصادي والتنموي أهمية عن البعد السياسي والأمني، إذ تُعَدّ إيقاد إطاراً للتكامل الاقتصادي الإقليمي، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن استعادة موقعه داخل هذه المشروعات الإقليمية تفتح آفاقاً لإعادة الاندماج في شبكات التجارة والنقل الإقليمي، وتخفيف آثار العزلة الاقتصادية التي فاقمتها الحرب.
كما تمنح الحكومة السودانية منصة للتفاوض الجماعي حول قضايا حيوية مثل اللاجئين وإعادة الإعمار والدعم الإنساني، ضمن مقاربة إقليمية تشاركية لا تُختزل في علاقة ثنائية غير متكافئة مع المانحين.
العلاقة بين إيقاد والاتحاد الإفريقي
تمثل الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) الذراع الإقليمية شبه الرسمية للاتحاد في فضاء القرن الإفريقي. ففي البنية المؤسسية للأمن والسلم الإفريقي، تُعَدّ إيقاد إحدى اللبنات التنفيذية التي تتولى إدارة الأزمات في نطاقها الجغرافي قبل انتقالها إلى مستويات أعلى داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي.
ومن ثم، فإن استعادة السودان لدوره داخل إيقاد تشكل خطوة تمهيدية وضرورية لإعادة بناء علاقته مع الاتحاد الإفريقي، وتعيد إدماجه تدريجياً في آليات صنع القرار القاري.
التجربة العملية تُظهر أن معظم المقاربات الإفريقية تجاه السودان صيغت ابتداءً داخل إيقاد، ثم جرى تبنّيها أو تعديلها على مستوى الاتحاد الإفريقي.
وانتقلت مخرجات مفاوضات نيفاشا، على سبيل المثال، من إطار إيقاد إلى مظلة إفريقية أوسع قبل أن تحظى بالدعم الدولي. وبالمثل، فإنّ أيّ تصوُّر إفريقي لإنهاء حرب أبريل/نيسان 2023 أو لإدارة المرحلة الانتقالية اللاحقة لن يتبلور خارج هذا المسار التراكمي، الذي تبدأ حلقاته داخل إيقاد وتستكمل داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
ويكتسب هذا الترابط أهمية خاصة في ما يتعلق بشرعية السلطة في السودان، فالاعتراف الإفريقي لا يمنح دفعة واحدة، بل يبنى عبر مسارات متدرجة تبدأ بقبول إقليمي داخل التجمعات الفرعية مثل إيقاد، قبل أن يترجم إلى قرارات رسمية برفع التجميد أو إعادة المشاركة داخل الاتحاد الإفريقي.
ومن هذا المنظور، فإن أي نجاح للحكومة السودانية في استعادة قنوات التواصل والتأثير داخل إيقاد سيُنظر إليه داخل الاتحاد الإفريقي باعتباره مؤشراً إيجابياً على جدية المسار الانتقالي.
التنسيق الوثيق بين إيقاد والاتحاد الإفريقي يوفر للسودان مظلة تفاوضية مزدوجة تمكنه من مواجهة الضغوط الدولية من موقع أقوى. فالمواقف التي تتبلور داخل إيقاد، إذا ما حظيت بدعم الاتحاد الإفريقي، تتحول إلى مواقف قارية يصعب تجاوزها داخل مجلس الأمن أو المنابر الدولية الأخرى.
الخطوات السودانية نحو العودة
اتخذ السودان خلال المرحلة الانتقالية الأخيرة عدة خطوات عملية لتعزيز فرص عودته إلى المنظومة الإفريقية واستعادة شرعيته الإقليمية.
بدأت هذه الخطوات بتعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء في 19 مايو/أيار 2025، وهي خطوة شكلت أساساً لإعادة بناء السلطة التنفيذية على أسس مدنية.
ورافق هذا التعيين توجه واضح نحو إلغاء إشراف المجلس السيادي على الوزارات والهيئات الحكومية، وإعادة توزيع الصلاحيات بشكل يعكس شراكة أكثر توازناً بين المدنيين والعسكريين، مع منح الوزراء المدنيين مساحة أكبر في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحرجة.
وبالتوازي مع هذه الإصلاحات التنفيذية، يدور الحديث عن اتجاه الحكومة السودانية إلى تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وهي خطوة جوهرية لإعادة الهيكلة المؤسسية وضمان وجود منصة تمثيلية تشاركية للقوى السياسية المختلفة.
فالمجلس التشريعي لا يقتصر دوره على سن القوانين، بل يشكل مؤشراً على جدية الحكومة في بناء مؤسسات ديمقراطية قابلة للاستمرار، ويعزز مصداقية السودان داخل الإقليم والقارة ككل.
ومن خلال هذه الخطوات المتزامنة، وتعيين رئيس وزراء مدني، وتقليص الهيمنة العسكرية على الوزارات، والاتجاه إلى تشكيل المجلس التشريعي، أرسل السودان رسائل إيجابية واضحة إلى إيقاد والاتحاد الإفريقي مفادها أن الدولة قادرة على إعادة ضبط السلطة، وأن هناك إرادة جادة لإنهاء الانقسام المؤسسي والعودة إلى مسار سياسي مدني متدرج.
وهذه الإجراءات تمثل حجر الأساس لأي جهود لاحقة لاستعادة العضوية الرسمية ورفع التجميد، إذ توفر الضمانات التي طالب بها الاتحاد الإفريقي في ما يخص سلطة مدنية قابلة للاعتراف الدولي، واستقراراً نسبياً في إدارة الدولة قبل أي إعادة إدماج كاملة.
أهمية العودة إلى الاتحاد الإفريقي
تتجاوز أهمية العودة إلى الاتحاد الإفريقي البعد الرمزي لتشكل ركيزة استراتيجية تُمكِّن السودان من استعادة صوته السياسي داخل القارة، وتعزز موقعه في مواجهة الضغوط الدولية، خصوصاً تلك الصادرة عن مجلس الأمن.
فالتجربة التاريخية، منذ إدراج السودان على أجندة مجلس الأمن بموجب القرار 1590 عام 2005، أظهرت أن غياب الغطاء الإفريقي يجعل الدولة أكثر عرضة للتدويل القسري وفرض الوصاية السياسية أو الإنسانية.
وفي المقابل، يوفر الاتحاد الإفريقي منصة جماعية قادرة على إعادة تأطير الأزمة السودانية بوصفها شأناً إفريقياً في المقام الأول، يدار وفق مبدأ "الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية"، وهو ما يمنح الخرطوم هامشاً أوسع للمناورة الدبلوماسية ويحدّ من الانفراد الدولي بالملف.
إضافة إلى ذلك، يتيح الانخراط الكامل في مؤسسات الاتحاد الإفريقي بناء تحالفات داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي، بما يسمح بتنسيق المواقف قبل وصولها إلى مجلس الأمن. ففي عديد من الحالات، نجحت دول إفريقية عبر مواقف موحدة داخل الاتحاد في تخفيف حدة قرارات دولية أو تعديل صيغها، كما حدث في ملفات ليبيا ومالي وإفريقيا الوسطى.
ويكتسب الاعتراف الإفريقي بالحكومة السودانية أهمية خاصة بالنسبة إلى مبادرة السلام التي أطلقها كامل إدريس، إذ يحولها من خطاب سياسي داخلي محدود إلى مسار معترف به إقليمياً، ويمنحها الدعم الفني والسياسي المطلوب للتعامل مع الأطراف المختلفة.
فالغطاء الإفريقي يعزز فرص نجاح المبادرة، ويزيد وزنها في أي مفاوضات داخلية أو خارجية، ويعكس التزام السودان معايير الحكم الرشيد والسلام المستدام.














