أعادت السلطة الفلسطينية علاقتها وتنسيقها الأمني مع إسرائيل بعد أن وافقت تل أبيب على احترام الاتفاقيات المبرمة، وهو الأمر الذي عدَّته السلطة “انتصاراً فلسطينياً“.

حتى قبل أن يعتلي سيد البيت الأبيض الجديد سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وفي خضم محادثات المصالحة بين فتح وحماس بالقاهرة، خرج حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية بالسلطة الفلسطينية بإعلان عودة العلاقات والتنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني بحجة الحصول على تعهُّد ورقي من ضابط ارتباط إسرائيلي باحترام الاتفاقات بين الطرفين! 

وتجاهل الشيخ أن رئيس السلطة محمود عباس هو الذي أعلن التحلل من الاتفاقات التي لم يحترمها الاحتلال على أرض الواقع، كما أوقف الاتصالات معه بسبب الضم والاستيطان، وهو ما لم تتطرق إليه الرسالة التي لا تستحق الحبر الذي كتبت به. 

وكعادتها بتسويق الوهم لجأت السلطة للقول إنها حققت انتصاراً عظيماً للشعب الفلسطيني وذلك على لسان الشيخ نفسه، فيما أكد جبريل الرجوب أن المصالحة مستمرة وإن قال إنها ستنتظر قليلاً! 

انقلاب وتبرير

تحاول السلطة القول إن ما جرى موقف إسرائيلي جديد اقتضى التجاوب معه، خصوصاً أنه تضَّمن عودة أموال المقاصة الفلسطينية، واستعداداً لعودة المفاوضات بعد وضع صفقة القرن على الرف من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بايدن. إلا أن ما سبق الإعلان وتلاه يشير إلى أن الأمر يرقى إلى مستوى تحالف إقليمي انخرطت به السلطة الفلسطينية هذه المرة لا يقل خطورة عن صفقة القرن التي صدع السيد عباس رؤوسنا برفضه لها.

فقد اتضح أن قطع الاتصالات مع إسرائيل الذي أعلنه عباس في مايو/أيار الماضي لم يكن سوى أكذوبة لسلطة يرتبط مصيرها أصلاً بالاحتلال. 

وبدلاً من أن تحاول إسرائيل التواصل لإعادة السلطة إلى المفاوضات، فقد أرسل حسين الشيخ رسالة إلى منسق الاحتلال بالأراضي الفلسطينية كميل أبو ركن في 7 أكتوبر/تشرين الأول حتى قبل أن تبدأ الانتخابات الأمريكية، يسأله عن مدى التزام الكيان الاتفاقات الموقَّعة، فأخبره بدوره أن الورقة لن يوقعها بنيامين نتنياهو ولا شريكه في الحكم بني غانتس ولا أي شخصية ذات صبغة سياسية، وأنه هو فقط المكلف بالتوقيع. 

وعلى الرغم من أن الرسالة لم تتعهد بوقف الضم أو الاستيطان وأكدت التزاماً ورقياً إسرائيلياً لم ينفَّذ منذ 1993، فقد قبل الشيخ هذه الورقة بطلب من عباس بعد فوز بايدن فقط، في موقف مثير للاستغراب ويدل على رغبة السلطة في عودة الاتصالات والتراجع عن الموقف السابق من أجل تلقِّي أموال المقاصة وبشروطها الإسرائيلية. 

ويؤكد هذا أن محادثات المصالحة مع الفصائل لم تكن إلا محاولة لكسب الوقت، فيما كان عباس يدير علاقات مع الاحتلال انتظاراً لنتائج الانتخابات الأمريكية، وأنه لم يسعَ لمصالحة حقيقية وإنما يحاول استخدام مواقف المعارضة والتقرُّب إليها لجرِّها إلى انتخابات التشريعي والرئاسة لتكريس شرعيته واستخدام ذلك بالمفاوضات مع إسرائيل. 

هل هناك تحالف جديد في الأفق؟

ويبدو أنه في خضم هذه التطورات دخلت أنظمة عربية مطبِّعة مع إسرائيل ومتخوفة من توسُّع الرفض الشعبي لدورها على خط إقناع عباس للعودة إلى المفاوضات خوفاً من استمرار حالة الفراغ بالأراضي المحتلة وخطورة أن تمثل فرصة لتعزيز برنامج المقاومة في الداخل وتصاعد معارضة التطبيع، خصوصاً مع احتمال توُّصل فتح وحماس إلى اتفاق سياسي يهدد العملية السياسية أو يعقد على الأقل استعادة أجوائها بعهد بايدن. 

ويبدو أن هذه المساعي نجحت أخيراً في إدخال عباس بتحالف جديد مع هذه الدول، فسارع إلى إعادة سفراء الإمارات والبحرين بمجرد الإعلان عن عودة المفاوضات،كما وافق على المشاركة في اجتماع رباعي مزعوم دعت إليه الإمارات يضم مصر وإسرائيل والسلطة الفلسطينية منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل. 

وزعم حسين الشيخ في تصريحات نفاها لاحقاً أن الرئيس وضع شروطاً للمشاركة أهمها إلغاء مشروع استبدال القيادة الفلسطينية ليحل مكانها محمد دحلان. 

ويأتي تسريب إسرائيل لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للسعودية ولقائه بن سلمان بحضور وزير الخارجية الأمريكي بومبيو في نيوم، ليعزز اندماج السعودية بمخطط التطبيع والتحالف مع الكيان واستمالة القيادة الفلسطينية لتقديم تنازلات لإسرائيل في عملية التسوية بعهد بايدن تحت غطاء تجاوز صفقة القرن.  

ويدفع ذلك إلى الاعتقاد أن السلطة وتحت إغراءات السعودية والإمارات والتهديد باستبدال قيادتها قررت العودة إلى المسار السياسي إلى ما قبل مايو/أيار، وتغطية عمليات التطبيع. وقد يتضمن ذلك مستقبلاً دخولاً لهاتين الدولتين على خط قطر في المساعدات الإنسانية لغزة لممارسة دور ضاغط على المقاومة عكس مقاربة قطر بهذا الاتجاه.

وقد كان بإمكان هذه السلطة لو أرادت إدارة موقف متوازن أن تناور سنة كاملة وتنجز اتفاقات وطنية ولو بالحد الأدنى قبل أن ترجع إلى المفاوضات بموقف أفضل، لا سيما أن بايدن سيتفرغ في البداية لملفات كورونا وعلاقاته مع الصين وروسيا قبل أن يبدأ بالانتباه إلى الصراع العربي-الإسرائيلي وهو ما لن يكون قبل سنة من الآن. 

وفي العموم يتساوق الموقف الأخير للسلطة مع مواقف عباس ومجموعته التي لم تغادر أبداً مربع التسوية والتفاوض. 

الحل.. منظمة قوية وحكومة خدمية

لقد أعادت السلطة الساحة الفلسطينية إلى الانقسامات والخلافات، وقفزت عن الإجماع الذي حدث ببيروت واتفاق الأمناء العامين للفصائل على برنامج وطني، للدخول في عملية لن تحقق أي إنجاز سياسي وتشكل غطاء للمطبِّعين والمتآمرين على القضية. 

وباصطفافها مع معسكر يتآمر على القضية ويتحالف مع الاحتلال لتثبيته وتكريس هيمنته بالمنطقة، تكون السلطة وجهت ضربة قوية إلى المصالحة وضيعت إمكانية توحيد الجهود الفلسطينية لمواجهة مخططات تصفية القضية، الأمر الذي يعني فقدان مصداقيتها فلسطينياً وعربياً. 

ويستدعي ذلك أن تتداعى قوى الشعب الفلسطيني للاتفاق عبر الحوار على برنامج وطني يتجاوز هذه الحالة، ويقفز عن استمرار اجترار الانتخابات إلى سلطة صُممت لخدمة الاحتلال وتعتمد عليه سياسياً واقتصادياً وتقدم له الخدمات الأمنية ضد الشعب ومقاومته.

كذلك فإن إجراء الانتخابات بهذا الشكل يكرس الاحتلال المتحكم الأساسي في السلطة والأرض والسيادة، فيستطيع قبول أي نتائج أو رفضها ويحدد كيف يتعامل مع إفرازاتها.

إن أي سلطة -حتى لو أرادت- لن تتمكن من مواجهة الاحتلال المهيمن عسكرياً وأمنياً على فسيفساء الأرض الفلسطينية في الضفة على عكس ما هو موجود بغزة حيث الاحتلال يحاصرها ولا يوجد فيها. 

المطلوب إذن هو تغيير مهمة هذه السلطة إلى إدارة أو حكومة خدمية غير مرتبطة بالاتفاقات مع إسرائيل كقوة احتلال، وإطلاق المقاومة من خلال برنامج وطني، وربما تشكيل غرفة عمليات سرية مشتركة لها، مع تسليم مهمة قيادة الشعب الفلسطيني للمنظمة بعد إعادة بنائها بالانتخابات أو بالتوافق لتضم كل قوى الشعب الفلسطيني، وتعديل ميثاقها وإلغاء مفعول كلمة (كادوك) التي طوعت الميثاق الوطني ليتساوق مع مطلب وقف الكفاح المسلح. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRT عربي .

TRT عربي