تابعنا
في خطابات الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، تلك التي سبقت حفل تنصيبه أو التي جاءت بعده، حرص على التركيز فيها بشكل ملحوظ على مكانة الديمقراطية، وضرورة تعزيزها من جديد، ليس على مستوى الولايات المتحدة وحسب ولكن في بقية أنحاء العالم.

يأتي هذا التركيز على إثر الانتكاسة التي حظيت بها الديمقراطية وتراجعها إبان فترة حكم سلفه الرئيس السابق دونالد ترمب. وإذا صدقت نوايا الرئيس في إنعاش الديمقراطية على المستوى الدولي، فإن المكان الأنسب للبدء فيه هو الشرق الأوسط، وتحديداً منه العراق.

تشكل التجربة العراقية مع الديمقراطية واحدة من أبرز المشاريع الفاشلة التي خاضتها الولايات المتحدة مطلع القرن الواحد والعشرين. لقد تبنت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن مقاربة طموحة للشرق الأوسط تتمثل بنشر الديمقراطية من البوابة العراقية من خلال الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، وإحلال نموذج ديمقراطي تعددي.

جوهر الفكرة كان يدور حول أهمية تحول هذه المنطقة إلى الديمقراطية من أجل وقف التهديدات الأمنية الصادرة منها. وهي فكرة لطالما نظر إليها الليبراليون الذين يرون أن الديمقراطية تعتبر شرطاً مهماً لإحلال السلام والتوافق، فالدول الديمقراطية، حسب وجهة نظرهم، لا تتحارب مع بعضها البعض، ولا تشكل الواحدة منها تهديداً للأخرى.

حرب العراق (Others)

نجحت الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين بسهولة عام 2003، وقد أخذت النشوة حينها الحلفاء حتى باتوا يعتقدون أن القرن الواحد والعشرين هو القرن الأمريكي بامتياز، فقد استطاع عساكر الولايات المتحدة وحلفاؤها أن يغزوا دولتين بشكل سريع وخاطف هما العراق وأفغانستان. ولكن مع مرور الوقت، ذهبت السكرة وأتت الفكرة، فما أن هدأ غبار الحرب، حتى لاح في الأفق الفشل الذريع الذي مني به المشروع الأمريكي الديمقراطي في العراق، وذلك عندما أيدت الولايات المتحدة وساهمت، بل ودعمت تشكيل نظام عراقي جديد، ولكن ليس على مبدأ التعددية السياسية بل على مبدأ المحاصصة الطائفية.

ومن الطريف أن الرئيس بايدن كان قد كتب مقال رأي في صحيفة نيويورك تايمز عام 2006، بعنوان Unity Through Autonomy in Iraq أي الوحدة من خلال حكم ذاتي في العراق، يدعو فيه إلى تقسيم العراق على أساس إثنو-طائفي. ولم يصدر عن بايدن أي موقف صريح يناقض هذا الطرح منذ ذلك الوقت، هذا بالرغم من أن مصادر مقربة منه، حسب مجلة فورين بوليسي، كانت قد ألمحت إلى أن الرجل ربما يكون قد تخلى عن هذه الفكرة.

ربما يفترض البعض أن العراق، وبالرغم من كل المشاكل التي تعتري تجربته الديمقراطية، يشكل استثناء عربياً، فالبلد يشهد انتخابات بشكل منظم وعلى مدار 17 عاماً منذ سقوط نظام صدام حسين تعاقبت العديد من الحكومات على البلاد وكلها جاءت بعد انتخابات عامة، وقد حاول المالكي أن يصبح دكتاتوراً وفشل، واضطر إلى الخروج لاحقاً من الحكومة.

ولكن هذه الصورة التي تبدو وردية يجب أن لا تعمينا عن حقيقة أن هذه الانتخابات لا تجري ضمن إطار وطني جامع ولكن ضمن إطار محاصصة طائفي حيث يتوجب على رئيس الحكومة أن يكون شيعياً، بينما رئيس الدولة كردي في حين يكون رئيس البرلمان سنياً، وهكذا دواليك في سلم المناصب الأدنى فالأدنى. فكل مسؤول هناك له نائبان من غير طائفته الأمر الذي أدى إلى شلل عمل الحكومة وبالتالي غرق البلد في أزمات لا حصر لها.

تشيع قاسم سلمياني الذي اغتالته غارة للقوات الأمريكية بالقرب من مطار بغداد مطلع عام 2020.  (AFP)

إن إشكالية الولايات المتحدة في التعاطي مع العراق تنبع، وتحديداً منذ ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية، من النظر إليه من خلال العدسة الإيرانية. فحرص الرئيس أوباما، آنذاك، على التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران جعله يتغاضى عن تدخلات إيران في السياسة الداخلية العراقية عبر دعم كيانات موازية للدولة. والمقاربة ذاتها استمرت في عهد الرئيس ترمب مع اختلاف في الاتجاه حيث كان تشديد الخناق على إيران يمر من البوابة العراقية وأكبر مثال على ذلك اغتيال قاسم سليمان على الأراضي العراقية.

من المهم جداً للرئيس بايدن من أجل تصحيح المسار الديمقراطي النظر إلى العراق من زاوية أخرى خصوصاً وأن الاحداث على الأرض مهيأة لإمكانية تبني مقاربة جديدة. فالشارع العراقي ينتفض منذ أكثر من سنة مطالباً بإصلاحات ديمقراطية، وتحرير النظام من قبضة المليشيات، ومحاربة الفساد. إن هذه فرصة لا بد من التقاطها من قبل إدارة بايدن، والتعاطي معها بجدية وسرعة حيث يتحضر العراق لخوض انتخابات مبكرة هذا العام، ومن شأن دعم حقيقي وجدي من إدارة بايدن للتيارات الوطنية أن يضعف من قبضة الكيانات الموازية للدولة في العراق والموالية في غالبيتها لإيران.

حتى هذه اللحظة لا يُعرف إذا ما كان لدى إدارة الرئيس بايدن أي خطة أو استراتيجية للتعاطي مع التحول الديمقراطي، سواء في العراق أو في الشرق الأوسط ككل، بصورة واضحة وجدية. فالعراق، على سبيل المثال، غائب عن تصريحات مسؤولي الإدارة حتى الآن هذا بالرغم من أن بعض أقطاب الإدارة لديهم خبرة ضليعة في الملف العراقي على رأسهم الرئيس بايدن، ووزير دفاعه لويد أوستن الذي كان قائد القوات المركزية في وقت الحرب على تنظيم داعش الإرهابي.

بطبيعة الحال لن يكتب النجاح لأي محاولة إصلاح ديمقراطية إذا لم توضع في إطارها الأشمل. ففي وقت نعيش فيه الذكرى العاشرة لانطلاقة الربيع العربي، وهي ثورات كان غرضها الأساسي التحول إلى حكم ديمقراطي تعددي شفاف، يوفر للمواطن العربي الحرية والكرامة، يجب على إدارة بايدن أن تراجع سياسات الولايات المتحدة السابقة تجاه هذه الثورات خصوصاً وأن الرئيس بايدن كان جزءاً مهماً من إدارة الرئيس أوباما والذي انطلقت الثورات إبان عهده.

ولا شك أن تعاطي إدارة الرئيس أوباما مع ثورات الربيع العربي كانت في أفضل الأحوال كارثية. فمع سكوته عن الجرائم البشعة التي كان، وما زال، يرتكبها نظام بشار الأسد ضد شعبه الذي خرج مطالباً بالحرية، ومباركته الانقلاب العسكري في مصر على أول تجربة ديمقراطية حقيقية عام 2013، تكون إدارة أوباما قد خطت لها نموذجاً سيئاً في التعاطي مع التحول الديمقراطي في واحدة من أهم بقاع العالم الاستراتيجية.

وتجربة الرئيس ترمب من بعده لا تقل سوءاً عندما اتخذ من نفسه نصيراً للدكتاتوريين في المنطقة حتى اعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أحد الدكتاتوريين المفضلين لديه أو ربما دكتاتوره المفضل.

إن أي سياسة للرئيس بايدن تجاه دعم الديمقراطية في المنطقة عليها أن تقطع مع هذين النموذجين، بحيث تجعل من نشر الديمقراطية مشروعاً حقيقياً غير خاضع للحسابات الضيقة والمتعلقة بالمصالح الآنية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي