سيف الإسلام معمر القذافي (Getty Images)

بعد عشر سنوات من الإطاحة بنظام معمر القذافي يعود ابنه سيف الإسلام إلى المشهد السياسي الليبي من جديد. سيف الإسلام الذي انتهت حياته السياسية ومشروعه لوراثة والده بسقوط نظام والده ووقوعه أسيراً في أثناء محاولته الهروب للجنوب الليبي يهيئ نفسه للعودة للمسرح السياسي الليبي، مستبدلاً مشروعه "ليبيا الغد" بالعودة "لليبيا الماضي".

"معاً من أجل ليبيا الغد" كان الشعار الذي رفعه سيف الإسلام في سعيه لتلميع صورته تمهيداً لخلافة والده العقيد معمر القذافي. لكن وعود التنمية والتطوير والانفتاح وإطلاق الحريات اصطدمت بامتحان ثورة فبراير الذي فشل فيه سيف الإسلام. فقد خيب سيف الإسلام آمال بعض الأوساط في الوقوف مع المطالب العادلة، بعد أن خرج في خطابه بُعيد الثورة رافعاً شعار "لن نترك ليبيا وسنقاتل حتى آخر رجل".

وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن احتماليات عودة سيف الإسلام للمشهد السياسي الليبي، إذ سبق أن تم تداول أخبار عن احتمالية عودته في عام 2018، فإن حظوظ رجوعه للمشهد تبدو أكبر هذه المرة. كما أن عودة سيف الإسلام للساحة السياسية هذه المرة تأتي متزامنة مع التحضيرات الجارية لإقامة الانتخابات الرئاسية في ليبيا في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول القادم.

الظهور الأخير لسيف الإسلام عبر صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، التي نشرت تقريراً مطولاً للقائها معه في الثلاثين من يوليو/تموز الماضي، كان ملفتاً للأنظار ومثيراً للجدل في استحضار واضح لروح العقيد القذافي. وفي مقابلته الصحفية الأولى منذ اختفائه قبل عشر سنوات مضت قال سيف الإسلام إنه "يرتب لعودته إلى الساحة السياسية"، مضيفاً أن معتقليه من الثوار السابقين "قد تحرروا من وهم الثورة".

أما على الأرض، فإن تيار أنصار القذافي ما زال حاضراً ويعمل على الترويج لسيف الإسلام في مختلف الميادين السياسية والإعلامية. وميدانياً تحدثت بعض التقارير عن نجاح سيف الإسلام في تعزيز علاقاته مع قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها، والتي تمثل إحدى أهم قبائل الجنوب الليبي العربية، وكذلك مع قبيلة البراعصة في الشرق والتي تنتسب إليها والدته.

وفي ظل التنافس الإقليمي والدولي المستمر في ليبيا، ومحاولة بعض الأطراف استغلال العملية السياسية وعلى رأسها الانتخابات لتعزيز مواقعها وتحقيق ما لم تستطع إنجازه سياسياً، فإن بعض الأطراف الدولية قد تراهن على فوز سيف الإسلام.

من جهته فإن سيف الإسلام يعمل على التواصل مع بعض الدبلوماسيين الغربيين في إطار سعيه لتوسيع شبكته السياسية والدبلوماسية تمهيداً لعودته. وفي هذا السياق عمل مقربون من سيف الإسلام على التواصل مع الجانب الروسي ومع نائب وزير الخارجية الروسية بوغدانوف على وجه الخصوص، فيما أشارت تقارير مؤخراً إلى أن الكرملين الروسي قد يراهن على سيف الإسلام في الانتخابات الرئاسية المقررة في نهاية العام الجاري، فيما وفي ذات السياق يبدو أن موسكو تتأمل من القاهرة دعمها لخيار سيف الإسلام، خاصة في ظل فتح الأخيرة قنوات تواصل معه.

وبالمقارنة مع خيار خليفة حفتر الطاعن في السن وصاحب المغامرات العسكرية الفاشلة يبدو خيار سيف الإسلام (49 عاماً) أكثر منطقيةً لدى البعض. فسيف الإسلام يبدو قادراً على الحصول على شريحة معتبرة من الأصوات في كل من الشرق والجنوب الليبيين وكذلك جيوب في الغرب، مستغلاً النقمة على الفساد وواعداً بتحقيق "الأمن" أولاً.

لكن سيف الإسلام يواجه عقبات قانونية أمام ترشحه، إذ إن سيف الإسلام مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية التي أصدرت بحقه مذكرة توقيف منذ عام 2011، وذلك لدوره في الهجمات ضد المدنيين في أثناء ثورة فبراير. وقد كان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، حليف حفتر، قد شدد بأنه لا يحق لأي شخص محكوم من الجنايات الدولية الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.

لكن الجدل ما زال مستمراً حول إمكانية ترشح سيف الإسلام من عدمه، فقد تركت وزيرة العدل الليبية حليمة عبد الرحمن الباب مفتوحاً وأجلت حسم المسألة للقاعدة الدستورية للانتخابات، والتي لم يتم التوافق عليها بعد. وفي تطور ذي صلة فقد تم انتخاب "كريم خان" مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية، وهو الذي كان قد عمل سابقاً محامياً لسيف الإسلام.

كما كان لافتاً أن رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد دبيبة ترك الباب موارباً أمام ترشح سيف الإسلام، فقد صرح دبيبة مؤخراً بأن سيف الإسلام "مواطن ليبي، وابن قبيلة مهمة في ليبيا، ولا يوجد لدي أي اعتراض على ترشيح أي مواطن ليس لديه مشاكل قانونية".

على الجانب الآخر، لا يتوقع أن يمر ترشح سيف الإسلام في ليبيا التي أقرت قانون العزل السياسي لمعاقبة من تولى مناصب في عهد القذافي بسلام. فترشح سيف الإسلام لن يكون مقبولاً لدى معسكر فبراير. وفي هذا السياق فقد رفض الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي أي إمكانية لترشح سيف الإسلام للرئاسة في الانتخابات القادمة. وقد كان لافتاً صدور أمر عسكري بإلقاء القبض على سيف الإسلام من قبل المدعي العام العسكري في طرابلس، وذلك بعد نشر مقابلته الأخيرة مع صحيفة النيويورك تايمز. كما أن عودة سيف الإسلام للمشهد السياسي لا يبدو أنها ستكون موضع ترحيب معسكر حفتر، والذي يمثل سيف الإسلام منافساً حقيقياً له على تزعم المعسكر المناوئ لفبراير. وقد كان لافتاً انسحاب مقاتلي قبيلة القذاذفة من قوات خليفة حفتر.

وفي الوقت الذي يحظى فيه سيف الإسلام بقبول شعبي في بعض الأوساط هناك في المقابل من يرفض ترشحه بشكل قاطع ويرى فيه استحضاراً لنظام القذافي من جديد، ما سيعني أن ترشحه، ناهيك عن فوزه، سيكون كافياً لرفع التوتر وإشعال المواجهات من جديد.

وعلى الصعيد الدولي فباستثناء روسيا لا يبدو أن بقية الأطراف الدولية متحمسة لخيار سيف الإسلام، لحد الآن. وفي ظل هذه التوازنات فإنه من المرجح بقاء سيف الإسلام متزعماً لتيار أنصار القذافي، لكن دون العودة لقيادة الدولة الليبية.

قبيل الثورة كان سيف الإسلام يعد الشباب الليبي بليبيا الغد التي ستنقلهم من "الغرق في الذكريات والأمجاد الغابرة إلى الأحلام والأمجاد القادمة"، لكن سيف الإسلام اليوم يبدو وكأنه يتحرك بعكس حركة التاريخ، إذ يعد الليبيين بالعودة لليبيا الماضي، ليبيا نفسها التي ثار فيها الشعب الليبي ضد حكم والده معمر القذافي.

وعلى الرغم من أن مشاكل الواقع وتجميل صورة الماضي والبحث عن أي استقرار قد تدفع بالبعض للمضي في دعم سيف الإسلام، فإن حظوظه بحسم المشهد السياسي تبدو محدودة، فميزة سيف الإسلام هي ذاتها مقتله: فهو ابن العقيد معمر القذافي.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي