مع ازدياد الحملة الشعواء عليه، يستمر الرئيس التركي في حصد الإنجازات الداخلية، ورفع شعبيته في العالم العربي والإسلامي، وتعزيز مكانة تركيا في القرار الدولي وفي الوجود الديمغرافي.

تمكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية كبيرة لبلاده خلال سنوات قليلة من حكمه، مستنداً في ذلك إلى حزبه القوي "العدالة والتنمية" الذي يتمتع بشعبية ملحوظة في تركيا، فضلاً عن تمتع الرجل بكاريزما قوية وعقلية براغماتية سياسية مميزة.

لكنه في الوقت ذاته واجه تحديات كبيرة لحكمه، بعضها داخلية تمثلت بالمحاولة الانقلابية عام 2016، والأخرى خارجية في علاقته المضطربة في بعض المراحل مع أمريكا وإسرائيل، وفي مراحل أخرى مع روسيا وتالياً مع فرنسا.

للمزيد يمكنك الاطلاع على:

لماذا عاد آيا صوفيا مسجداً؟

المحاولة الانقلابية التي أحبطها الرئيس أردوغان والشعب التركي بقوته وصلابته لم تكن بعيدة عن دول الثورات المضادة العربية، التي تضررت من أدواره في سوريا والعراق وإفريقيا التي تتناقض مع الأدوار الإفسادية لهذه الدول.

إنجازات ومكائد

حققت حكومة العدالة والتنمية في تركيا إنجازات لافتة في تطوير البنية التحتية والخدمات، وجعلت البلاد من أولى وجهات السياحة في العالم، فضلاً عن التقدم الملحوظ في مجالات التصنيع المدني والتقني والعسكري المميز بالصواريخ والدبابات والطائرات الحربية والمسيرة حتى في السيارات، ما وضع تركيا في مرتبة متقدمة في التصدير بما في ذلك العسكري للعالم، ومن ثم تحقيق ارتفاع كبير في الإيرادات لصناعات مميزة ومنافسة ومرغوبة عالمياً. وانعكس ذلك إيجابياً على الاقتصاد، وشجع أردوغان لتحسين مكانة تركيا العالمية سياسياً.

قوة الوضع الداخلي التركي انعكست على دور أردوغان في سوريا، وجعلته يتمكن من بلورة علاقات مصالح مع روسيا تحفظ لبلده دورها في الشمال السوري، وتعزز مساعي محاربة تنظيمي PKK وداعش، وصولاً إلى ترتيب مناطق آمنة للسوريين والمشاركة في الترتيبات السياسية لمستقبل سوريا.

وانتقل أردوغان إلى مجال التنقيب عن النفط في البحر المتوسط في مواجهة اليونان وفرنسا، ووقع اتفاقيات أمنية واقتصادية مع الحكومة الليبية الشرعية، وساهم عسكرياً لصالح حكومة الوفاق الشرعية لمنع تغول دول كبرى مثل روسيا وفرنسا تعاونت مع مصر والإمارات للهيمنة على الثروات النفطية وإجهاض مكتسبات الثورة الليبية.

للمزيد يمكنك الاطلاع على:

سجاد آيا صوفيا.. مواصفاته وتاريخه وقصة اختيار اللون والقطن ودلالته

وجاء قرار الرئيس التركي بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد كحق سيادي أصيل لتركيا ليكشف عن حقيقة الموقف المحتقن لداعمي الثورات المضادة من تركيا، وليطلق مواقف شاذة وغريبة لدول مثل مصر والسعودية ضد خطوة يفترض أن تحظى بدعم العالم العربي والإسلامي، وتشكل عامل فخر وعزة للأمة في عصر الهزائم والانتكاسات.

عمل أردوغان لحماية مصالح بلاده، وسعى لتعظيم دورها الإقليمي والدولي متخذاً مواقف إيجابية من القضية الفلسطينية، ومتصدياً لصفقة القرن، ورافضاً للقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.

لم يقل أردوغان إنه يمثل العالم الإسلامي، وهو يظل زعيماً لدولة لا لأمة، له ما له من إنجازات وعليه ما عليه من إخفاقات، ومع ذلك اصطدمت مواقفه الإيجابية من قضايا الأمة بدول الضد التي شعرت أنها تشكل خطراً على مخططاتها في المنطقة، التي ترتكز إلى رفض الديمقراطية ومواجهة الإسلام السياسي، واستكمال مخططاتها لإجهاض الربيع العربي بما يشكله من فرصة للمنطقة للخروج من دائرة التبعية والتخلف.

ولم يكن من المستغرب أن تعمل منظومة الديكتاتوريات والمؤامرات في المنطقة ضد تركيا وأردوغان تحديداً، فسعت للنيل منه ومحاولة تشويه صورته بكافة الوسائل والأساليب المشروعة وغير المشروعة.

لماذا يمعنون في الخصومة؟

ولا شك أن أدوار تركيا الإيجابية من المعارضة في سوريا كانت لتثير حفيظة دول عاثت فساداً في البلاد، وقوضت الثورة السورية وأفسدت كثيراً من مكوناتها.

ولا زالت تركيا تحدث التوازن مع الدور الروسي المساند للنظام الذي تتوافق هذه الأنظمة في حقيقتها معه رغم تصريحاتها المعلنة المناهضة.

أما الدور التركي في ليبيا فقد ضرب بشكل مباشر مساعي هؤلاء لدعم الجنرال الانقلابي حفتر في مواجهة الحكومة الشرعية، وحاصر مساعي البعض لنهب خيرات النفط والسيطرة على موانئ تصديره في تواطؤ مع فرنسا.

وشكل نجاح حكومة الوفاق في دحر الانقلابيين عن طرابلس ضربة في مقتل لهؤلاء، وتراجعاً كبيراً لمخططاتهم في المنطقة ومقدمة لضرب نفوذهم في مناطق أخرى.

كما أن أي نجاح لحكومة الوفاق هو امتداد للثورة الليبية وتحقيق لإنجازاتها باتجاه تشكيل دولة ديمقراطية قوية ومتحررة من قيود التبعية والاستعمار ومتحكمة بثرواتها ونفطها، وهذا يشكل عامل إشعاع غير مرغوب فيه لمصر في ظل حكم العسكر الديكتاتوري الدموي، والذي استنفر مع داعميه ضد الدور التركي.

غير أن شراسة الهجمة التي يشنها هؤلاء على أردوغان لها أسباب أخرى غير تضارب المواقف والتصارع في الميدان الواحد، فإنجازاته الداخلية والخارجية كشفت عورتهم داخل بلادهم. إذ إن النموذج التنموي الذي يقوده في ظل أجواء ديمقراطية، يسلط الأضواء على عورة الأنظمة الديكتاتورية القمعية العربية التي فشلت في تأمين واقع معيشي مناسب وحريات حقيقية في بلدانها، ما أدى إلى تفشي البطالة وتزايد السخط الشعبي عليها، لا سيما في ضوء انكشاف مواقف هؤلاء التآمرية في قضايا الأمة وفي المقدمة منها قضية فلسطين.

وربما تخوف هؤلاء من تحفيز تركيا، بحكم قربها من المنطقة، تطلعات الشعوب العربية المكبوتة والمغلوبة على أمرها لاستلهام الدور التركي في الحرية ومناصرة قضايا الأمة، وهذا بلا شك مدعاة لرفض هؤلاء لهذا النموذج ومحاربته والتشكيك فيه.

إن سعي أردوغان لتحقيق إنجازات وطنية عديدة ضمن رؤية تسعى لرفع مكانة بلاده العالمية ومواجهة التحديات يقدم نموذجاً عجز مناوؤه العرب أن يقدموه لشعوبهم، ممَّا يضعف دورهم ومكانتهم داخلياً وخارجياً، ويضاعف من دافعية الجماهير للثورة عليهم.

إنجازات متواصلة تضعف مخططات الضد

وبعد أن استعدى أردوغان داعمي انقلاب السيسي المعروفين، أعلن بقوة رفض صفقة القرن رغم تواطئهم في دعمها، ولم تمنعه علاقته بواشنطن من رفض قرار ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة للكيان، وهذه المواقف تتعارض قطعاً مع حقيقة مواقف هؤلاء الساعين لإنهاء القضية وتسويق التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وفي القدس سعت تركيا بمجهودات حكومية وشعبية لتثبيت صمود أهلها في وجه مخططات التهويد والتهجير، فاستنفر الإسرائيليون ومعهم هؤلاء مخافة من أن يؤدي ذلك لتعزيز مكانة حماس في المدينة، متهمين تركيا بأنها تدعم الحركة المستهدفة من إسرائيل وحلفائها من دول الضد !!

ولأن مواقف أردوغان فضحت عجز هؤلاء ومؤامراتهم، لجؤوا إلى إضعاف هذا النموذج عبر مهاجمة الرئيس التركي وإثارة المخاوف من مطامع عثمانية مزعومة، وتسليط الضوء على ما أسموه إساءات الحكم العثماني للعرب، في حملة مقيتة لتشويه هذا التاريخ، ومحاولة عزل تركيا عن محيطها الإسلامي.

ومع ازدياد الحملة عليه يستمر الرئيس التركي في حصد الإنجازات الداخلية، ورفع شعبيته في العالم العربي والإسلامي، وتعزيز مكانة تركيا في القرار الدولي وفي الوجود الديمغرافي.

وستستمر هذه الدول في حربها الشعواء على الرجل مهما كلفها ذلك، إلا أن نجاح تركيا داخلياً وخارجياً سيكون له آثار إيجابية على منطقتنا، ما دام بقي أردوغان في الجانب القريب من مواقف شعوب المنطقة، ما سيضعف دور هؤلاء ومكانتهم في أكثر من مكان وميدان.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي