معبر باب الهوى (Others)

وعلى الرغم من أن القرار يصبّ في مصلحة ملايين النازحين السوريين في الشمال السوري في المدى القريب، فإن القرار وسياقه يمثلان محاولة لتسكين الأزمة لا أكثر، وهو يشير إلى تراجع الوزن السياسي للملف السوري، في مقابل تصدر المقاربة الإنسانية للملف أولويات الأطراف الدولية. كما أن اعتماد الغموض البنّاء في صياغة القرار يوحي بأن روسيا نجحت في تشكيل مخرجات القرار والاحتفاظ بأدوات الضغط.

فقد مثلت مسألة تمديد آليات العمل التي تشرف عليها الأمم المتحدة لتوصيل المساعدات عبر الحدود إلى الشمال السوري محور التحركات الدبلوماسية والسياسية حول سوريا في الأسابيع الأخيرة. إذ كانت مسألة التمديد حاضرة في اللقاء التاريخي الذي جمع بين كل من الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في منتصف الشهر الماضي، مع حديث عن طلب بايدن مباشرة من بوتين السماح باستمرار تدفق المساعدات.

كما ألقت المسألة بظلالها على الاجتماع حول سوريا الذي حصل في روما في الثامن والعشرين من يونيو/حزيران الماضي على هامش المؤتمر الخاص بمكافحة داعش، والذي ترأسه وزير الخارجية الأمريكي بلينكن واعتبر أول تحرك "جدي" لإدارة بايدن تجاه الملف السوري.

ساهمت هذه التحركات وغيرها في جعل مسألة تمديد العمل بإيصال المساعدات محور النقاش حول سوريا، خاصة في ظل ركود مسار جنيف وتعثر أعمال اللجنة الدستورية.

حيث قدمت إدارة بايدن، التي ما زالت لم تشكل استراتيجيتها للملف السوري حتى الآن، قرار الموافقة على تمديد إيصال المساعدات على أنه امتحان مهم لإمكانية التعاون بين الطرفين الأمريكي والروسي في الملف السوري. ليتم الحديث في السياق ذاته عن كون الملف الإنساني مقدمة لدفع عجلة التعاون في المجالات الأخرى المتعلقة بسوريا وغيرها. وصولاً إلى وصف التصويت على القرار من قبل مندوبة إيرلندا في مجلس الأمن، والمسؤولة مع النرويج عن متابعة الوضع الإنساني في سوريا والتوصل لصيغة القرار، بأنه مسألة "حياة أو موت".

فيما قام الرئيس الأمريكي بايدن بُعيد التصويت على القرار بالاتصال بنظيره الروسي مشيداً بقرار التمديد لآليات إيصال المساعدات، والذي جاء نتيجة عمل فريقي البلدين وذلك عقب القمة الروسية الأمريكية الأخيرة في جنيف، بحسب بيان البيت الأبيض.

من المؤكد آن للقرار نتائج إيجابية على حياة ملايين النازحين من السوريين في الشمال السوري، والذين ازدادت حاجتهم إلى المساعدات في الفترة الأخيرة، وفق تقديرات الأمم المتحدة والجمعيات الحقوقية والإنسانية. وفي السياق ذاته فإن استمرار المساعدات يمثل أداة مهمة "للوقاية" من موجة لجوء محتملة من الشمال السوري، ما يمثل مصلحة ثانوية لتركيا. إلا أن حجم التحركات الدبلوماسية التي استدعاها صدور القرار والثقل السياسي الذي تم إعطاؤه لقضية المساعدات الإنسانية يشير إلى تراجع الوزن السياسي للملف السوري وتقديم الأولويات الإنسانية على حساب ذلك.

كما أن اضطرار الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، للدخول في مفاوضات ومساومات مع روسيا للتوصل إلى صيغة قابلة لتمرير هذا القرار الإنساني تشير إلى ميل ميزان القوى في تشكيل هذا القرار لمصلحة الطرف الروسي الذي اتكأ على حق النقض/الفيتو لتكييف القرار وفق مصالحه. فقد كانت الولايات المتحدة قد طالبت بداية بتوسيع آليات المساعدات لتصل إلى ثلاثة معابر حدودية، بدل باب الهوى في الشمال الغربي واليعربية في الشمال الشرقي من سوريا اللذين كانا ممري المساعدات الأممية في الفترة الماضية، إلا أن النتيجة النهائية التي فرضتها روسيا تمثلت بمعبر واحد فقط هو معبر باب الهوى.

كما أن نجاح الطرف الروسي في تشكيل المخرج النهائي بدا واضحاً أيضاً في صيغة "الغموض البناء" التي تبناها القرار. ففي حين احتفت ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن ليندا غرينفيلد بتمديد آلية توصيل المساعدات لمدة سنة، تحدث ممثل روسيا في مجلس الأمن فسيلي نيبنزيا بأن القرار يضمن التمديد لستة أشهر، على أن يتم التمديد لستة أشهر أخرى بعد تقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً عن شفافية عمليات إيصال المساعدات. وإن كان ستة شهر زائد ستة أشهر يساوي سنة، إلا أن ممثل روسيا أوضح لاحقاً بأن وضع الصياغة بهذا الشكل "لم يكن غير مقصود".

بهذه الصيغة الغامضة "المقصودة" تكون موسكو قد نجحت في المناورة وإبقاء التمديد بعد ستة أشهر معلقاً بتقييمها لمسار المساعدات وبتجاوب الأطراف الأخرى، وتحديداً الطرف الأمريكي مع مطالبها. وفي مقابل التمديد المحتمل ستسعى موسكو للدفع بمشاريع "التعافي المبكر" في مناطق سيطرة النظام السوري، والتي رحب بها القرار الأخير.

هذا الترحاب "الأممي" بمشاريع التعافي المبكر تحت مظلة العمل الإنساني مثل "ابتعاداً عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الرافضة للبدء في إعادة الإعمار في مناطق النظام قبل تطبيق القرار 2254" كما أشار إلى ذلك آندرو تابلر المسؤول السابق لملف سوريا في مجلس الأمن القومي الأمريكي.

على الرغم من احتفاء الطرف الأمريكي بصدور القرار 2585، فإن روسيا قد نجحت في إبقاء يدها عُليا في صياغة القرار وفي متابعته لاحقاً. خاصة في ظل غياب رؤية أمريكية للتعامل مع الملف السوري الذي تراجع ثقله السياسي ليتحول التركيز تدريجياً للمسائل الإنسانية، والتي ستعمل روسيا على استخدامها كبوابةً لضخ بعض المشاريع برعاية بعض المؤسسات الأممية كالصليب الأحمر الدولي لمناطق النظام السوري المتهالك، وكذلك لإعادة تشبيكه في المنظومة الدولية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي