خوان غويتسولو (Others)

غالباً ما ارتبط اسم خوان غويتسولو بالدفاع الثقافي عن العروبة والإسلام، هو الكاتب والصحافي والمستشرق الإسباني، الذي تمحور منجزه الأدبي في إعادة إحياء وإرجاع الفضل إلى الثقافة العربية الإسلامية في ما وصل إليه المنتج الحضاري الأوروبي.

قادماً من صميم ذلك المنتج الحضاري الأوروبي يَدين كاتبنا، من جهة أخرى، في جزء مؤثِّر من حياته إلى التقليد التحرري الذي واكب الحرب الأهلية الإسبانية، حيث مسقط رأسه كان بأحد أبرز معاقل الجمهوريين، برشلونة سنة 1931، وعاش داخلها طفولة أولى سمتها الجرح الذي تركته تلك الحرب داخله بحرمانه والدته. هكذا نجده، وهو يزور سراييفو المحاصرة بداية التسعينيات، لا تخرج نظرته إليها عن هاتين الفكرتين المرتبطتين فيما بينهما.

كيف تنكَّرت أوروبا لموروثها الثقافي الإسلامي، وطاردته في حملات إبادة عرقيَّة فظيعة، لتحوِّل مدينة بسماحة سراييفو وجمالها إلى مجزرة مفتوحة على الهواء الطلق، تؤثثها الجثث المتحللة والسيارات المتفحمة وركام المباني المرعب. وكذلك، كيف انزوى العالم إلى صمته إزاء ما وقع، دون نصرة من كانوا تحت العدوان، في مأساة تشبه ما عاشه ببلده، وهو يرى المجتمع الدولي يسكت متواطئاً مع الجرائم التي ارتكبتها الديكتاتورية العسكرية.

وبالتالي، فجولتنا رفقة خوان غويتسولو داخل أزقة المدينة البوسنيَّة المنكوبة، عبرَ كتابه "دفتر سراييفو"، لا تقتصر على العودة إلى أقصى لحظات العدوان الدموي الذي عاشه شعبها، بل هو غوص مزدوج؛ ترتبط فيه سيرة الكاتب الأكثر حميمية بعمله التوثيقي.

"مصيدة فئران".. هي سراييفو

"قبل أن أصل إلى سراييفو بقليل، كانت المقارنة مع حربنا الأهلية وحصار مدريد وضربها بالقنابل تلح علي كواقع لا يمكن تجاهله" يكتب خوان غويتسولو في "دفتر سراييفو". ويردف مقتبساً من وصف الكاتب الإسباني خوان دي مارينا الذي عايش الحرب الأهلية: "هناك في أطراف الجبال والمباني المرتفعة والسفوح القريبة يختبئ هؤلاء الجبناء والقتلة والعبيد الخانعون وفاقدو البصيرة الذين يمثلون أدوات لأسوأ الأشباح ظلاماً في التاريخ، وأُجراء الحرب ومن جلدوا الجنس البشري".

بهذه الكلمات نتبين ارتباط كاتبها بالمدينة الجريحة، حيث وهو يدخلها لأول مرة كان يعود إلى ذكريات طفولته الأليمة ببرشلونة، التي عاشت هي الأخرى وقتها، إبان الثلاثينيات، حصاراً لا يقل دموية عما عاشته سراييفو، ومن سفاحين لا يقلون عنصرية ولا إجراماً ولا إصراراً على الإبادة الجماعية عما كانت عليه مليشيات كراديتش و سلوبودان ميلوسوفيتش.

وحيث لا أحد له الإرادة في أن يوقف الجرائم الحاصلة، حتى القبعات الزرق الذين لم يعد كونهم إلا ديكوراً آخر يؤثّث مشهد الحرب، إلى جانب المباني المنهارة والجثث المتحلِّلة. يحكي غويتسولو أنه في البوسنة ذلك الوقت "يسيطر قانون الغاب، حيث يتحكم الأقوى، فعجز قيادة قوات الحماية التابعة للأمم المتحدة وخضوعها أمام تعسف كراديتش ورجاله يذكِّرني بشعار إعلامي مناسب لعمليَّة السفر المحتملة: تقدم بجثتك، وقوات الحماية الدولية التابعة للأمم المتحدة ستقوم بالباقي". هو نفس الصمت الذي رافق المجازر التي كانت ترتكب في حق الإسبان، وراحت ضحيتها والدة كاتبنا، أمام الحياد السلبي لعصبة الأمم في ذلك الوقت.

كذا يشبه رحلته إلى العاصمة البوسنية كلعبة "الإوزة" التي يلعبها الأطفال؛ انتقال حذر من متاهة إلي متاهة، ومن عقبة إلى عقبة، كي تصل في الأخير إلى "جحر فئران" هو المدينة المحاصرة. التي وما إن يصلها الوافد "حتى يضطر إلى الشروع في تطبيق قوانين بدائية لمواصلة الحياة"، غويتسولو يكتب.

تقرير رعب

مشاهد في غاية الفظاعة يرصدها غويتسولو في كتابه، ربما تجاوزت فظاعتها حتى ما رآه في طفولته. حيث قامت قوات المتطوعين الصرب المعروفة بـ"النسور البيضاء"، بحشر أطفال صغار تحت جنازير المدرعات وسحقهم متلذذين بصراخاتهم المستغيثة، "أجبرهم على ذلك رجال أقوياء ينفذون أوامر أولئك الذين يحكمون سيطرتهم عليهم ويوجهونهم كيفما شاؤوا!". فيما هؤلاء المجرمون "معروفون للجميع، ويتجولون في باريس ولندن وجونيف ويستقبلهم بالابتسامات حرس الشرف".

كما يورد كذلك في شهادة أخرى، على لسان أرملة بوسنية قولها: "قام عدد من قوات النسور البيض بغرز مكلاب جزار في لحم جاري أحمد، وقد وثقوا يديه ثم ربطوه إلى خلفية سيارة، وسحلوه عبر طرق القرية كلها ليراه الناس ويسمعوا صرخاته". وتضيف: "شخص آخر من معارفي مزقوا ذراعيه وأجبروه على شرب دمه، وذبحوه أيضاً وألقوا به في النهر". أما المسلمون الفارون من قريتها، والذين صدقوا تعهد الصرب بعدم التعرض لهم بسوء إذا ما عادوا، "جمعوا منهم أكثر من 300 في مسجد قديم، وأشعلوا فيهم النار"، وتورد كذلك بأن "الشكناز (ملشيات كراديتش) كانوا ينفذون الأوامر كالآلات المبرمجة، يقتلون ويسلبون ويحرقون دون أدنى شفقة. أكثرهم كان من المرتزقة الروس أو الأوكرانيين".

أمام تقرير الرعب هذا، يقرأ فيه الكاتب الإسباني غويتسولو، أنه وغيره من الشهادات الدامغة عن الجرائم التي حصلت "هدفها زرع أقصى رعب ممكن بين السكان المدنيين، وتدمير أكبر عدد من الممتلكات وممارسة أبشع أصناف التعذيب ضد النساء والأطفال". كما "تبين بما لا يدع مجالاً للشك الهدف الذي يرمي إليه المتطرفون الصرب، المتشبعون بالميثولوجيا الدموية والمهووسون منذ أكثر من 600 سنة بفكرة الانتقام الراسخة بهزيمتهم أمام الأتراك في معركة ميرلوس في القرن 14م، وهي الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى مادي".

القوس الفولاذي الأرثودوكسي واغتيال الذاكرة..

يشبّه غويتسولو حرق مكتبة سراييفو بحرق مكتبة غرناطة إثر سقوط الأندلس، كما يوحد بين الدوافع القابعة خلف الفعلين الإجراميين. "بعد خمسة قرون من حرق المخطوطات العربية الغرناطية في باب الرملة تنفيذاً لأمر الكاردينال ثيسينيروس، تكرَّر المشهد بشكل أعنف (بخصوص) المكتبة التي كانت تمثِّل ذاكرة الشعب البوسني المسلم، لذلك كان محكوماً عليها أن تنتهي حرقاً بنيران التطهير الانتقامي، لأن المطلوب كان إزالة أي أثر إسلامي من أرض صربيا الكبرى". ويحدد أن الذين يقفون وراء "اغتيال الذاكرة" هذا، هم مثقون "نسوا كيف أثرى الإسلام الثقافة الأوروبية"، وأن عصر النهضة الأوروبي هو "الابن الشرعي لتزاوج الثقافة العربية الإسلامية بالثقافة الأوروبية"، حيث "للأسف الثقافات الجديدة التي نتجت عن هذا التزاوج هي من تحاول الآن محوه".

فيما يذهب بعيداً في قراءة الحرب البوسنية، باعتبارها تتعدى مفهوم "الإبادة العرقية"، بل وهذا المفهوم مستحيل الحدوث إذ تجد في الأسرة الواحدة مزيجاً بين المسلمين البوسنيين والكروات والصرب.. فـ"مستحيل تطبيق التطهير العرقي في مكان مثل سراييفو، حيث نجد الأسرة الواحدة مكونة من زوجة مسلمة مثلاً وزوج مسيحي صربي أو كرواتي" يقول. وبالتالي يحيلنا في كتابه على صفة يرى فيها حقيقة الصراع الذي قام وقتها على أنه "حرب دينية وثقافية قادها الصرب لإبادة البوسنة".

"أعتقد أن اللغة التي يتحدث بها الصرب واليونانيون لغة صليبية (حيث) يتحدَّثون عن الخطر الإسلامي والحاجة إلى الاحتفاض ببلادهم نظيفة من الإسلام والمسلمين!" يورد غويتسولو في كتابه، عن قداس كنسي أقيم في أثينا سنة 1993 برئاسة رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذوكسية الهيلينية، والذي تضمن تحريضاً دينياً ضد المسلمين، ودعوات إلى "إقامة قوس فولاذي أرثوذوكسي في وجه الحية الإسلامية"، أي "تشكيل قوات شكناز لتكون طليعة للمسيحيين في مواجهة الإسلام".

فمنذ اللحظة الأولى للهجوم عى البوسنة "أطلق المتطرِّفون الصرب صرخاتهم سواء في الداخل أو في الخارج محذرين من شبح "المتطرفين المسلمين" الذين توجههم طهران من خلف الستار. وبذلك اتخذت حربهم طابعاً دينياً هدفه أن يضفي على مشروعاتهم للهيمنة والسيطرة لون الصراع الأوروبي القديم ضد المسلمين" يخلص غويتسولو، مشدداً بأنه: "على الخارطة الجديدة للبلقان التي رسمها بالدم والنار المدافعون عن سيادة القيم الوطنية والدينية، فإن مجرد ذكر اسم سراييفو يعتبر رمزاً لوجود عالم مكروه ومحسوس كالإهانة: لأنها مكان للقاء والتقارب، نقطة تختلط فيها الاختلافات وتنصهر داخلها بدلًا من التهميش والتناطح".

هَم الوقوف في وجه هؤلاء العنصريين والقومجيين المتطرفين هو ما حمله الكاتب الإسباني على عاتقه، مناصراً لثقافة التعددية على الاستعلائية الأوروبية، هكذا كان دائماً يقول: "أفتخر بكوني مثقفاً أوروبياً يتكلَّم اللغة العربية". ومن الطبيعي أن تخلف له مواقفه هذه حياة الملاحقة والتيه، فجرى نفيه من إسبانيا بعد تضييق سلطات فرانكو عليه، رحل منها إلى باريس التي عاش فيها مدَّة قبل أن ينتقل للاستقرار بمدينة مراكش المغربية، حيث وافته المنيَّة بها سنة 2017 موصياً بأن يُدفن في تراب المغرب.

TRT عربي
الأكثر تداولاً