رغم مرور أكثر من نصف قرن، تستمر إلى اليوم التقارير بالكشف عن الصفحات المظلمة لحقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر. فإلى جانب الحرب العسكرية لم يتوانَ الاحتلال الفرنسي عن خوض حرب نفسية وإيديولوجية، بلغت حد إجبار الجزائريات على خلع حجابهن في الساحات العامة.

لطالما تدعي الأوساط الثقافية والحقوقية والسياسية في فرنسا، رفع لواء تحرير المرأة في جميع أنحاء العالم. إلا أن الحرب التي تخوضها باستمرار وبشتى الوسائل ضد ارتداء الحجاب، وتمارس عبرها التضييق والتشديد، وفرض العقوبات، تعيد الذاكرة إلى الجذور التاريخية لهذه الحرب المنافية لشتى الحقوق الإنسانية والدينية. حيث إنها ليست المرة الأولى التي تجبر فيها فرنسا، النساء على نزع حجابهن بدعوى التحرر.

ولم يكن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام وعدسات المصورين، في خمسينيات القرن الماضي بالجزائر إلا دليلاً واضحاً يؤرخ إلى اليوم، السلاح الثقافي الذي تشهره لإخضاع الشعوب وتوجيههم والتلاعب بهم.

خلع الحجاب.. ثمن للحياة

في مايو/أيار 1958 وفي إحدى المدن الجزائرية، احتشد جمهور من الناس ومن الصحفيين، لتوثيق لحظة صادمة لثقافة المجتمع الجزائري، حيث خلعت مجموعة من النساء الجزائريات الحجاب، ودعين بقية الجزائريات إلى اتباعهن بدعوى "تحرير شخصياتهن". وارتفعت في حينها أصوات منادية "أيها السادة.. تقوم الآن النساء الموجودات بين صفوف الجماهير وأغلبهن ربات بيوت بنـزع أحجبتهن ودوسها بالأقدام". وتتالى المشهد بعد ذلك عدة مرات طيلة الأيام التالية في عدد من المدن الجزائرية.

لم تكن مراسم خلع الحجاب حينها إلا حملة دعائية للسلطة الفرنسية، التي تدعي تحرير المرأة المسلمة وتسعى عبر هذا العرض للتسويق لتغلبها على ما تصفه بـ"التخلف في المجتمعات العربية والمسلمة"، كأداة لضمان بقائها في السلطة.

وكشفت بعض التقارير في وقت لاحق، أن إحدى الشابات الجزائريات والتي كانت حينها على المسرح، لم تخلع الحجاب بملء إرادتها، وإنما قبلت بذلك بعدما هُدّدت بتنفيذ حكم الإعدام بحق شقيقها الذي كان معتقلاً لدى قوات الاحتلال الفرنسي.

أما بقية النساء اللاتي شاركن في ذلك فكنَّ يخشين تسريحهنَّ من العمل في بيوت الفرنسيين، وقبلن بالظهور في هذا الحدث نتيجة الابتزاز.

بدوره علق الفيلسوف الفرنسي فرانز فانون، عن السلاح الثقافي الذي وجهته فرنسا إلى قلب المجتمع الجزائري، قائلاً بأن التفكير الاستعماري يرى أنه :"إذا أردنا أن نحطم بنية المجتمع الجزائري وقدرته على المقاومة، فلا بد لنا أولاً من هزيمة النساء، ينبغي لنا أن نذهب إلى حيث يختبئن وراء الحجاب، وفي البيوت حيث يخفيهن الرجال عن الأنظار".

المرأة الجزائرية..مسيرة نضالية

المتأمل في تاريخ النضال والمقاومة الجزائرية خلال فترة الاستعمار، لا يمكن أن ينكر حقيقة المساهمة الفعالة للمرأة الجزائرية، التي لم يستثنها ميدان أو ثغر. وسجلت صفحات التاريخ أسماء العديد من المناضلات والمقاومات لا تزال تخلدهن الذاكرة الجزائرية إلى اليوم.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المقاتلات الجزائريات ضد قوات الاحتلال الفرنسي كن يستخدمن ألبستهن وأرديتهن لإخفاء الأسلحة، إلا أنه وبتفطن العسكريين لهن، مُنع ارتداء الحايك حينها، للتضييق على تمرير الأسلحة والمتفجرات. ولكن الحيل لم تعجزهن، وارتدت المقاومات الألبسة الغربية والكعب العالي لتمويه نقاط التفتيش وعدم جلب الانتباه، لينقلن الأسلحة بشكل سري.

وسعى المستعمر الفرنسي إلى إشعال فتيل النقاشات حول الحجاب ومحاولة ربطه بكونه تعبيراً عن السطوة الأبوية والذكورية في المجتمع، وإشاعة أنه عائق يحول دون تحرر المرأة ومشاركتها الفعالة في الممارسة السياسية والثقافية، كما نقل أن أحد المستعمرين الفرنسيين توجه مخاطباً الشعب الجزائري قائلاً: "سيكون بمقدوركم الانتخاب حين تخلع نساؤكم الحجاب". لتكتمل الفصول الأخيرة للعرض بمشهد نزع الحجاب الشهير عام 1958.

TRT عربي
الأكثر تداولاً