مع استمرار الحديث عن العنصرية وسلوكات الكراهية والتحيّز في نشرات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي يومياً، يتساءل كثير من الآباء عن كيفية الحديث مع أطفالهم عمَّا يدور في العالم بشكلٍ عام، وعمَّا يحدث في بلداننا العربية من عنصرية غير ظاهرة.

يشعر بعض الأهالي بصعوبة ما أو يعجزون عن تبسيط وشرح الاختلافات بين الناس، إمّا لأنهم يشعرون أنّ الطفل غير قادر على استيعاب الموضوع أو لأنّهم هم أنفسهم عاجزون عن تقبّل الآخر بطريقةٍ لا واعية. لكنْ في الحقيقة يُمكن الحديث مع الأطفال في هذا الموضوع منذ سنٍ مبكرة جداً وبسهولةٍ ممكنة.

كيف يميّز الطفل بين الاختلافات؟

بدايةً علينا أنْ نفهم التطوّر المعرفي للطفل لنفهم الموضوع بشكلٍ أوسع. إذ غالباً ما يبدأ الأطفال في سنٍّ مبكّرة جداً بملاحظة الفروقات العرقية والجنسانية المختلفة من حولهم. فعلى سبيل المثال، يبدؤون في سن ثلاثة شهور بتمييز الفروقات في اللون والبشرة للأشخاص المحيطين من حولهم، فيصبحون من هذا السن أكثر تفضيلاً للوجوه التي تنتمي لمجموعتهم العِرقية مقارنةً بمَن تنتمي إلى مجموعات أخرى.

غالباً ما يبدأ الأطفال في سنٍّ مبكّرة جداً بملاحظة الفروقات العرقية والجنسانية المختلفة من حولهم
غالباً ما يبدأ الأطفال في سنٍّ مبكّرة جداً بملاحظة الفروقات العرقية والجنسانية المختلفة من حولهم (Getty Images)

يعدّ هذا التمييز طبيعياً وجزءاً من التطوّر المعرفي والإدراكيّ للطفل. إذ يميل الدماغ إلى تصنيف الأشياء والأشخاص حتى يسهّل تعامله مع العالم الخارجيّ. لكن ما يحدث هو أنه في المرحلة العمرية ما بين 6 و10 سنوات، يصبح الطفل أكثر إدراكاً للصور النمطية والتحيّزات العنصرية في تعامله مع الآخرين، لا سيّما إنْ حضرت بصورةٍ سلبية بقوّة في حياته اليومية، والتي يُمكن أنْ تتحوّل مع الوقت إلى وصمات اجتماعية "stigma" يصعب التخلّص منها، وتصبح أكثر خطورة حين ترتبط بسلوكاتٍ وتصرّفات عنصرية. هنا يأتي دور الوالديْن والعائلة في الحدّ من تلك التحيّزات، ومنع أطفالهم من التحوّل إلى أشخاص عنصريّين.

العنصرية سلوكٌ مكتسب

يُمكن أنْ تنشأ العنصرية عند الأطفال بنفس الطريقة التي يكتسبون بها غيرها من السلوكات والأفكار من خلال التعلّم والملاحظة ومراقبة الآخرين من حولهم والتفاعل مع ما يجدونه في البيئة المحيطة بهم. وهو ما يتوافق مع نظرية "التعلّم الاجتماعي" التي تتخذ مساحةً مهمّة في علم النفس التنموي.

في تجربة عالم النفس الأمريكي "ألبرت باندورا" الشهيرة، والمعروفة باسم "تجربة الدمية بوبو"، حاول دراسة قدرة الأطفال على التأثر بالبيئة المحيطة بهم بما فيها من مؤثرات عديدة كالأسرة والمدرسة والأصدقاء والمجتمع ووسائل الإعلام وغيرها الكثير. تقوم فكرة التجربة على أن يراقب الأطفال المشاركون فيها كيف يعامل الشخص البالغ الدمية "بوبو"، وهي دمية بلاستيكية تشبه المهرج لديها وزن ثقيل من الأسفل يساعد على استقرارها وتوازنها ويحول دون سقوطها عندما يدفعها أحد ما.

في المرحلة الأولى من التجربة، يوجد الأطفال مع شخصٍ بالغٍ يتفاعل مع الدمية بطرقٍ مختلفة، ثمّ يترك الطفل والدمية وحدهما في الغرفة. ما وجده القائمون على التجربة أنّ الأطفال الذين شاهدوا الشخص البالغ وهو يعامل الدمية "بوبو" بعنف، قاموا بدورهم بضرب الدمية بقسوة بعد أن تُركوا وحدهم معها. أمّا أولئك الذين شاهدوا الشخص البالغ يعامل الدمية بلطف فقاموا بالتودّد لها والتعامل معها أيضاً بلطف.

وبالطريقة نفسها التي يستطيع بها الطفل تعلم العنف والعدوانية، يمكن للأطفال أيضاً أن يتعلموا التحيز والعنصرية والتمييز، أي إنّ العنصرية هي سلوكٌ متعلَّم يكتسبه الطفل من ملاحظة ومراقبة الآخرين من حوله.

وبشكلٍ عام هناك عدد من النظريات التي حاولت دراسة أصول التحيز والعنصرية، لكنّ معظمها ترتبط بشكلٍ أو بآخر بنظرية باندورا، أي نظرية التعلّم الاجتماعي التي تنظر إلى التحيّز بوصفه سلوكاً يتمّ تعلّمه بنفس الطريقة التي يتعلّم بها الشخص العديد من المواقف والقيم والتصرّفات الأخرى في مراحل حياته المبكّرة، من خلال الملاحظة والمراقبة والتعزيز والقدوة.

كيف تحمي طفلك من العنصرية؟

تؤكّد الخبيرة التربوية ملاك خالد، في حديثها مع TRT عربي، أنّ الطفل يكتسب مفاهيمه الأولى عن الآخرين بدايةً من عائلته وبيته، ومن ثم لا يمكن الاستهانة بتأثير الأفكار العنصرية التي يحملها الوالدان، سواء كانت صريحة أو ضمنية، على أطفالهم.

حلّ المشكلة يبدأ أساساً من الوالدين عن طريق العمل أولاً على الحدّ من الأفكار والمعتقدات التي يحملانها، وإن كانت غير واعية، فيما يتعلّق بالأعراق والمجموعات الأخرى، لأنهما يُعتبران قدوتين أو نموذجين ينظر إليهما الطفل ويتعلّم من سلوكاتهما وأفعالهما حتى سن متقدمة من العمر.

تُضيف الخبيرة التربوية عدداً من النصائح يجب على الوالديْن اتّباعها:

أولاً: إذا أردنا أنْ نوجّهه نحو احترام الآخرين من حوله بغض النظر عن الاختلافات فيما بينهم، فعلى الأبوين وأفراد العائلة أنْ يقوموا بذلك بأنفسهم، وهو ما يُعرف بالنمذجة أو "modeling"، أي أنْ يُشاهد الطفل الصغير قدوةً أمامه حتى يقلّدها ويجعل منها نموذجاً له في سلوكاته وأفكاره، لكي يكبر في جوّ يعتبر الاختلاف بديهياً والاحترام حقاً لكلّ شخص.

ثانياً: تؤدي اللغة المحكية دوراً شديد الأهمية سواء في إفشاء الاحترام أو الأفكار العنصرية بين الأطفال والمجتمع. لذلك يجب على الوالديْن والبالغين الانتباه للألفاظ والصفات التي يتلفّظون بها حين حديثهم عن الآخرين، لا سيّما تلك التي تخرج دون إدراكٍ أو وعيٍ منهم.

اقرأ أيضا:

بعد كورونا.. كيف نعالج قلق الأطفال؟

ثالثاً: الحرص على أنْ تحتوي الألعاب والقصص التي يقرؤها أو الأفلام التي يشاهدها على شخصياتٍ متنوعة ومختلفة، سواء من ناحية العِرق أو اللون أو غير ذلك.

رابعاً: في المرحلة التي يبدأ فيها الطفل بطرح الأسئلة عن اختلافات اللون بين الناس على سبيل المثال، يمكن للوالدين أنْ يقتنصا الفرصة ويشرحا له عن الاختلاف في أجسامنا وطريقة عمل الميلانين، وكيف أنّ لكلّ شخصٍ منّا لوناً مختلفاً لشعره أو عيونه أو جلده.

خامساً: توسيع الدائرة الاجتماعية واختلاط الطفل بأشخاصٍ من جنسياتٍ وأعراقٍ ومجموعات مختلفة وتكوين صداقاتٍ معهم جميعها تعزّز لديه تبنّي مفاهيم الاحترام والتقبّل مبكّراً.

سادساً: الحرص على شجب كلّ كلامٍ عنصريّ أو يقلّل من احترام أيّ شخصٍ آخر أمام الأطفال.

المصدر: TRT عربي