لا تزال المعارك الدامية التي تعيش على وقعها محافظة مأرب اليمنية، بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، مستمرة منذ شهر فبراير/شباط الماضي. وازدادت حدتها خلال الفترة الأخيرة لتسبّب أسوأ أزمة إنسانية.

تسارعت خلال الأشهر القليلة الماضية تطورات المعارك الحامية والمحتدمة بين القوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، وجماعة أنصار الله الحوثيين المدعومة من إيران، في محافظة مأرب الواقعة وسط اليمن.

وفي سباق إحكام السيطرة على المحافظة التي تزخر بالثروات النفطية والغازية وتُعتبر أهمّ معاقل الحكومة والمقر الرئيسي لوزارة الدفاع، تدفع القوات اليمنية بتعزيزات عسكرية بغطاء جوي، فيما تَمكَّن الحوثيون من التقدم بسرعة نحو المدينة من ثلاث جبهات في الشمال والغرب والجنوب، عبر الاستيلاء على عدة مدن في محيط المحافظة.

وتَسبَّب التصعيد العسكري بين الجانبين في أسوأ كارثة إنسانية في العالم، فمؤخَّراً عقب إطلاق القصف الصاروخي الكثيف الذي شنَّه الحوثيون على منطقة سكنية مكتظّة بإحدى مدن محافظة مأرب، الأسبوع المنقضي، سقط عشرات القتلى من المدنيين بينهم نساء وأطفال.

ورغم الإدانة الحقوقية والضغط الدولي، والخسائر الفادحة التي لحقت بالحوثيين وغالباً ما تَكتَّموا في الإفصاح عنها إعلامياً، فإن زحفهم نحو المدينة مستمر.

أهمية استراتيجية وعسكرية

يُعَدّ استمرار المعارك الدامية في محيط محافظة مأرب اليمنية، بين الحوثيين والحكومة اليمنية، دليلاً واضحاً على إصرار الطرفين على إحكام السيطرة على المنطقة التي ستشكّل ورقة رابحة للمفاوضات والحوار الذي تعتزم الأطراف الدولية دفع الجانبين إليه، وذلك لوقف الحرب المستمرة منذ ست سنوات.

وتكتسي المحافظة أهمية كبرى انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي، إذ تمتد على مساحة 17405 كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 120 كيلومتراً شرق العاصمة اليمنية صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتمثّل منطلقاً نحو مدن الجنوب والشمال اليمني، كما أنها تقع على الطريق السريع المؤدي إلى جنوب السعودية.

وقد أتاح لها موقعها الجغرافي الفرصة لتكون أهمّ المواقع العسكرية والاستراتيجية، إذ تُعتبر القاعدة العسكرية الأولى والكبرى للحكومة اليمنية وقوات التحالف العسكري الذي تقوده السعودية.

وتضمّ المحافظة التي تمثّل آخر معاقل الحكومة في شمال اليمن والرمز الأخير لمقاومة الحوثيين، مقرات وزارة الدفاع وقوات التحالف السعودي ورئاسة هيئة الأركان العامة وعدة لوءات عسكرية.

وقد شهدت المدينة منذ انطلاق المعارك سنة 2015 ازدحاماً سكانياً كبيراً كأكثر ملاذ آمن شهد استقراراً نسبيّاً في بداية المعارك. وتشير الإحصائيات الرسمية للأمم المتحدة في هذا السياق إلى إيواء نحو مليون شخص فرُّوا من المناطق اليمنية والقبائل التي استعر فيها جحيم الحروب الوحشية. بالتالي فإن استمرار المعارك أو استيلاء الحوثيين على المدينة قد يتسبب في كارثة إنسانية كبرى.

موارد نفطية وغازية هامة

إضافة إلى ما تتمتع به من أهمية استراتيجية وعسكرية، فإن محافظة مأرب تُعتبر من أهم المحافظات المنتجة للغاز والنفط، إضافةً إلى كونها من أهمّ المناطق الزراعية في اليمن.

من ثَمَّ فإن الثروات التي تزخر بها المحافظة تُعتبر من أهمّ الأسباب الدافعة إلى استمرار هجمات الحوثيين حتى يتمكنوا من الاستيلاء على هذه الثروة التي ستغيير موازين القوى خلال الحرب الدائرة بين الجانبين.

وتشير عدة تقارير رسمية صادرة عن وزارة النفط والمعادن اليمنية، إلى أن المصفاة النفطية "صافر" التي بالمدينة، وهي واحدة من اثنتين باليمن، يصل إنتاجها يومياً إلى نحو 20 ألف برميل.

هذا بالإضافة إلى كونها الشريان المهمّ للغاز السائل الذي تُزوَّد به المحافظات اليمنية كافةً. بالتالي يؤكد خبراء ومحللون أنه إذا تَمكَّن الحوثيون من السيطرة على مأرب التي تزخر بمعظم الموارد الهيدروكربونية في البلاد، فإنهم سيُسقِطون بسهولة آخر المعاقل العسكرية الموحدة ضدهم.

جبهة معارك ساخنة

بينما يعي كلا الطرفين الأهمية الكبرى لمحافظة مأرب، وضع الحوثيون كل ثقلهم في هذه المعركة للاستيلاء على المدينة قبل بدء محادثات السلام أو التفاوض مع الحكومة اليمنية برعاية أممية. وقد كثّف التحالف العسكري الذي تقوده السعودية على الصعيد ذاته الاستثمار في هذه المعركة التي ستكون مفصلية في إعادة التموضع العسكري، ومسارات التفاوض التي ستحدّد مستقبل اليمن.

وقد فشلت الجهود والمساعي الدولية في فرض التهدئة وخفض التصعيد الأخير، إذ يُصِرّ الحوثيون المدعومون من إيران على الاستيلاء على المدينة لتعزيز قبضة الجماعة في أي مفاوضات سياسية.

في المقابل تواجه قوات التحالف الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي والغارات الجوية، التي تسببت كذلك في خسائر بشرية ومادية كبيرة للحوثيين الذي يتمسكون بالتعتيم عليها وإخفائها.

بالتالي، ورغم حفاظ كل طرف على موقعه الحالي، مع تَقدُّم لافت أحرزه الحوثي على عدة جبهات وبداية تضييق الخناق على التحالف، وإحدى أهمّ قلاع الحكومة الشرعية، تتواصل المعارك الحامية التي ستحدّد مستقبل اليمن.

TRT عربي