الدبلوماسية التجارية هي عبارة عن أدوات وأساليب تقوم بها الدولة وقطاعها الخاصّ من أجل تطوير حجم التجارة الدولية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلد مما يسهم في ازدهار الاقتصاد ورفع نسبة الرفاهية للبلد الذي يتبنى هذه الدبلوماسية.

من المؤكد أن الدبلوماسية التجارية كانت مستخدمة وقائمة عبر التاريخ وليست وليدة العصر، إلا أن الدبلوماسية التجارية كمصطلح باللغة الإنجليزية "Commercial diplomacy" تم استخدامه في النصف الثاني من القرن العشرين على يد بعض الكتاب مثل هيو كوربيت 1972 في كتابه "الدبلوماسية التجارية الأسترالية في عهد جديد من المفاوضات".

ويجب التفريق بين مصطلح الدبلوماسية التجارية ومصطلح الدبلوماسية الاقتصادية "Economic diplomacy" الذي ظهر كمصطلح منذ أزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة، إذ اكتسبت الدبلوماسية الاقتصادية دوراً أوسعَ تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية حتى وصلت إلى وضعها الحالي كمظلة للدبلوماسيات المتعلقة بالجانب الاقتصادي التي يمارسها مختلف الأطراف الدبلوماسية، الرسمية وغير الرسمية، وتختلف هذه الدبلوماسية الاقتصادية عن الدبلوماسية التجارية بأن الأطراف الدولية (الدول أو المنظمات) تقوم باستخدام مقدراتها الاقتصادية أو قوتها السياسية في التأثير السياسي أو الاقتصادي، أي تستخدم قوتها السياسية لتحقيق منافع اقتصادية، أو العكس فتستخدم قوتها الاقتصادية لتحقيق تفوُّق سياسي، وذلك عبر آليات متكافئة أو غير متكافئة. رغم الاختلاف الوارد بين المصطلحين فإن الكثير يعتبر مصطلح الدبلوماسية التجارية هو جزء من الدبلوماسية الاقتصادية.

أما بالنسبة إلى الأدوات والأساليب المستخدمة في الدبلوماسية التجارية، فقد تتمثل في شكل زيارات ثنائية رفيعة المستوى من قبل كبار المسؤولين الحكوميين كالرئيس ورئيس الوزراء، وإمضاء اتفاقيات التجارة الحرة أو اتفاقيات إقامة مناطق تجارة حرة بين البلدين، وإعداد الاجتماعات التشاورية الثنائية بين البلدين التي تطور العلاقة على المستوى السياسي مما يسهم في تشجيع الشركات والمستثمرين من كلا البلدين، وقد تكون على شكل افتتاح ممثلية دبلوماسية (سفارة وقنصلية ومكتب تجاري) من أجل الإسهام في تشجيع التجارة بين البلدين، والحوافز التي تقدّمها الدولة لجذب الاستثمار الأجنبي من تغييرات للقوانين، وتخصيص الأراضي، إلخ.

الدبلوماسية التجارية التركية

يعتبر الكثير من المفكرين والباحثين أن للدبلوماسية التجارية أثراً إيجابياً هامّاً يعود على اقتصاد الدول التي تتبناها في سياساتها، ما جعل العديد من الدول يتبنى الدبلوماسية التجارية، كذلك ينطبق الحال على تركيا التي بذلت الجهود في هذا المنحنى، إذ إن هذه المساعي المبذولة تعود إلى فترة الثمانينيات بقيادة رئيس الوزراء تورغوت أوزال الذي تبنى سياسة الاقتصاد الليبرالي في أثناء إدارته، مما جعل تركيا منفتحة على اقتصادات العالم، إلى جانب أنه كان أحد أهمّ الداعمين لتأسيس مؤسسة مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية (DEİK) التي كان لها الدور الهامّ في ربط العديد من الشركات التركية مع نظيراتها حول العالم، مما لا شك فيه أنه زاد تطوير قطاع الصادرات من المنتجات التركية، فقد تم عقد 145 مجلس تعاون مشتركاً مع العديد من دول العالم إلى يومنا الحالي.

على الرغم من الجهود المبذولة في زمن إدارة تورغوت أوزال، إلا أنها لم تكن كافية لأن تتكلل الدبلوماسية التجارية التركية بالنجاح المطلوب، وذلك بسبب الأزمات السياسية المتتالية التي لاحقت تركيا خلال تلك الحقبة حتى بداية الألفين مع قدوم حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم في تركيا. اعتمدت الحكومة الجديدة في ضوء الدبلوماسية التجارية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان الذي قام خلال فترة رئاسته للجمهورية التركية بأكثر من 150 زيارة رسمية خارج تركيا، لأكثر من 77 دولة حول العالم، هذا إلى جانب استقبال العديد من رؤساء الدول والهيئات الحكومية رفيعة المستوى، تكللت هذه الزيارات الثنائية بعقد العديد من الاجتماعات التشاورية الثنائية، وتوقيع إتفاقيات التجارة الحرة مع ما يزيد على 20 دولة، كان آخرها اتفاقية التجارة الحرة الموقعة في العاصمة أنقرة مع المملكة المتحدة نهاية العام المنصرم. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن تركيا تحتل المركز الخامس من حيث عدد الممثليات الدبلوماسية التي افتتحتها حول العالم، والتي تُعتبر جزءاً فعالاً في الدبلوماسية التجارية التركية، إذ وصلت إلى 239 ممثلية دبلوماسية (سفارة وقنصلية ومكتب تجاري) حتى يومنا الحالي.

هذا وقد استطاعت تركيا خلق مناخ من الاستقرار السياسي الداخلي الذي جلب بطبيعة الحال استقراراً اقتصادياً، إلى جانب التغييرات والإصلاحات في القوانين والسياسات الخارجية التي أدّت إلى رفع كفاءة الدبلوماسية التجارية التركية في بداية الألفين والتي تُرى ثمارها إلى يومنا الحالي، إذ ساهمت في الانفتاح على أسواق جديدة وزيادة قياسية في الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي قدمت إلى تركيا. فقد كانت نتيجة اتجاه تركيا منذ بداية الألفين إلى اتباع سياسة تنويع أسواق التصدير وجلب الاستثمارات الأجنبية في ضوء الدبلوماسية التجارية التركية، بأن ترتفع حصة تركيا لتصل إلى 1% من المجموع الكلي للتجارة العالمية.

لقد اعتمدت تركيا أيضاً في ضوء الدبلوماسية التجارية قانوناً جديداً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة باستصدار قانون الاستثمار الأجنبي المباشر رقم 4875 في عام 2003، والذي يهدف إلى إزالة العقبات البيروقراطية أمام المستثمرين الأجانب في تركيا، إذ أصبحت إقامة شركة في تركيا تستغرق يوماً أو يومين دون الحاجة إلى إذن مُسبَق. قبل هذا القانون كان يجب على المستثمرين الأجانب استخراج إذن بناءً على القانون 6224 الذي كان سارياً قبل قانون 2003 الجديد، الذي ألغي الإذن المسبق وسهّل عمليات إقامة شركة التي كانت تستغرق أسابيع أو أشهُراً، هذا إلى جانب جعل المستثمرين الأجانب متساوين مع المستثمرين الأتراك في الحقوق والتحفيزات كافةً التي تقدمها الدولة التركية بخصوص الاستثمار.

لقد أدّت هذه الإصلاحات القانونية والفاعليات الدبلوماسية التجارية الأخرى التي قامت بها تركيا خلال الفترة الماضية لجعل تركيا محطّ أنظار المستثمرين الأجانب، وكما يُرى فيالشكل التاليفقد ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى تركيا منذ عام 2003 إلى 2019 ليصل إلى 217 مليار دولار بعد أن كانت النسبة 15 مليار دولار في الثمانينيات وحتى عام 2003، وقد أصبحت تركيا في عام 2019 تحتلّ رقم 7 بين الدول الأوروبية الأكثر جذباً للاستثمار الأجنبي وفقاً لمجلة fDi Markets العالمية، وفي نفس العام استقبلت تركيا 211 مشروعاً أجنبياً مباشراً نسبتها 3.5% من مجموع المشاريع الأجنبية المباشرة القائمة في أوروبا.

الشكل:مجموع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى تركيا (مليار دولار)

TRT عربي