تسارعت تحركات روسيا لترسيخ قدمها أكثر في مجال النفط والغاز السوري منذ أواخر فبراير/شباط 2021، ممَّا أعطى دليلاً إضافياً على رغبة موسكو ضمان عقود الاستثمار في جيبها، على حساب البدء بالاستخراج، وسد عجز النظام السوري من مشتقات البترول.

وأعلنت صحيفة "الثورة" الموالية، في 16 مارس/آذار 2021، أنه تمت المصادقة على العقد الموقع بين وزارة النفط والثروة المعدنية، التابعة للنظام السوري، وشركة كابيتال محدودة المسؤولية الروسية للتنقيب عن النفط، بشكل حصري، في البلوك البحري رقم واحد في المنطقة الاقتصادية لسوريا، في البحر الأبيض المتوسط مقابل ساحل محافظة طرطوس حتى الحدود البحرية الجنوبية السورية اللبنانية بمساحة 2250 كيلومتراً مربعاً.

وبحسب بيانات الصحيفة فإن مدة العقد تقسم إلى فترتين، الأولى فترة الاستكشاف ومدتها أربع سنوات تبدأ بتوقيع العقد، ويمكن تمديدها لثلاث سنوات إضافية، أما الفترة الثانية فهي مرحلة التنمية ومدتها 25 عاماً قابلة للتمديد لمدة خمس سنوات إضافية.

ولم يحدد العقد حصة النظام السوري والشركة الروسية من البترول المكتشف، بل اكتفى بتأكيد أن تقاسم الحصص مرتبط بسعر النفط والكميات المنتجة، وكذلك الأمر إن كان المنتَج غازاً طبيعياً.

ويعتبر هذا العقد الموقع هو الثاني بعد توقيع النظام السوري مع شركة "سيوزنفتاغاز إيست ميد" الروسية عقد "عمريت البحري"، بتاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 2013، للتنقيب عن البترول وتنميته وإنتاجه في المياه الإقليمية السورية في البلوك رقم 2، والممتد من شمال طرطوس إلى جنوب بانياس بمساحة 2190 كيلومتراً مربعاً.

وضمن كثير من الإشارات الدالة على رغبة روسيا في الهيمنة على قطاع الطاقة في سوريا، فقد سلّمت القوات الروسية جميع حقول النفط الخاضعة لسيطرتها في دير الزور، وهما حقلا "التيم" و"الورد"، وأخرى في الرقة، إلى حسام القاطرجي، أبرز أمراء الحرب المحسوبين على آل الأسد، لاستثمارها لمدة 5 سنوات.

ووفق ما نقلت شبكة "عين الفرات" المحلية، فإن روسيا منحت شركة "أرفادا البترولية"، المملوكة لقاطرجي والمعاقبة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، حق التنقيب عن النفط في دير الزور والرقة، في اجتماع جرى في 26 فبراير/شباط 2021، داخل مطار دير الزور العسكري، بين ضباط روس وحسام قاطرجي، الذي يمتلك مليشيا لحماية السيارات المحملة بالنفط التي يشتريها من مليشيات PYD بالحسكة وينقلها إلى مناطق النظام السوري.

وتستمر أزمة تأمين النظام السوري للمحروقات في مناطق نفوذه، رغم تزويد حلفائه كإيران وروسيا بالمشتقات النفطية بطرق التفافية على العقوبات الدولية.

عقود إذعان

وأمام تصويب روسيا اهتمامها الأكبر في سوريا على قبض ثمن دعمها للنظام السوري لقمع الشعب منذ تدخلها المعلن عسكرياً عام 2015، عبر توقيع عقود استثمار اقتصادية، بلغت نحو 40 صفقة تجارية استراتيجية خلال 10 سنوات، وفق مراقبين، يؤكد الدكتور عبد الحكيم حسين المصري، وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، لموقع TRT عربي، في هذه الناحية، أن "روسيا هي من تسارع في إبرام عقود إذعان مع نظام الأسد"، مردفاً أن "العقود الجديدة بمجال الغاز هي متصلة بعقود سابقة، كعقد التنقيب عن الغاز في بانياس بمساحة 2190 كيلومتراً مربعاً، وعمق 30 كيلومتراً تحت البحر".

ولعل هذا ما دفع الوزير "إلى التوقّع أنه مع استمرار روسيا في أعمال التنقيب لسنتين قادمتين، ستصبح سوريا الدولة الثالثة من حيث حجم احتياطي العالم من الغاز"، مشيراً إلى أن "روسيا تريد الحصول على أكبر قدر ممكن من العقود الاستراتيجية بالقطاعات المهمة، كي تبقي على سيطرتها على القرار الاقتصادي لنظام الأسد، وحتى في سوريا بحال سقوط النظام".

اللاعب الوحيد

إن تركيز روسيا على عمليات التنقيب في المياه الإقليمية يفتح الباب أمام السؤال العريض حول الكميات القابلة للاستثمار في النفط والغاز هناك، لا سيما أن ترتيب سوريا في احتياطي الغاز، عام 2008، كان في المرتبة 43 عالمياً، بواقع 240.7 مليار متر مكعب، حسب "List of countries by natural gas proven reserves"، في الوقت نفسه احتلت المرتبة 31 باحتياطي البترول.

كما أن وزارة النفط التابعة لنظام الأسد ذكرت عام 2017 أن سوريا تمتلك احتياطياً بحرياً من الغاز يقدر بـ250 مليار متر مكعب، وفق وكالة "سبوتنيك" الروسية.

وهنا يذهب الوزير عبد الحكيم المصري إلى القول: إن "مشاكل روسيا مع أوكرانيا، ومع جزيرة القرم، وحتى مع قطر، هي بسبب الغاز، كونها تريد أن تكون الوحيدة التي تتحكم بالسعر والإنتاج، وأن تكون اللاعب الوحيد في العالم بهذا المجال".

وتشير التقارير الدولية إلى أن احتياطي سوريا النفطي يشكل نحو 0.14 على مستوى العالم، بواقع إنتاج يومي كان قبل عام 2011، 300 ألف برميل، وانخفض خلال السنوات العشر الأخيرة إلى 40 ألفاً، في وقت اعترف وزير النفط في حكومة الأسد بسام طعمة، في 3 فبراير/شباط 2021، أن خسائر قطاع النفط منذ عام 2011 بلغت 91.5 مليار دولار، وفق ما نقلت صحيفة "الوطن" المحلية الموالية.

أمل روسي

ويرى سمير سعيفان، مدير "مركز حرمون للدراسات المعاصرة"، والمستشار والخبير الاقتصادي السوري، في تصريح لموقع TRT عربي، أنه "قبل عام 2011 لم يكن هناك اهتمام كبير للشركات الروسية بالاستثمار في قطاع النفط والغاز بسوريا، بحكم أن الاحتياطيات لم تكن كبيرة، لكن بعد عام 2011 كل شيء تغير كون روسيا أصبحت الداعم الرئيسي لنظام الأسد، إذ اضطر الأخير إلى إعطاء موسكو كل ما تريد، وهنا اتجهت روسيا إلى الاستفادة من الوضع السوري اقتصادياً بقدر ما تستطيع".

وألمح سعيفان إلى أن "ما أعطى أملاً لدى الروس في وجود احتياطيات أكبر من الغاز في المياه الاقتصادية السورية، وبدء الاهتمام بها، هي الاحتمالات بوجود غاز في المياه الشرقية للبحر المتوسط، أي بالمثلث الممتد من حدود مصر، والذي ينتهي عند حدود اللاذقية، إضافة إلى قيام إسرائيل بتطويرها للاحتياطي الموجود في المياه الاقتصادية المقابلة لها، والبدء بالاستثمار بشكل فعلي".

سوق سوداء لوقود التدفئة في مناطق النظام السوري (Others)

إن محاولة روسيا جعل الموارد النفطية السورية رهينة لديها لها أبعاد استراتيجية على مستقبل البلاد، وهذا ما أشار إليه مدير مركز حرمون بقوله: "إن شركات التنقيب الروسية لن تسرع حالياً في صرف المال على عمليات الاستخراج، بقدر ما تريد إبرام هذه العقود ووضعها في يدها، فيما لو انتهت الحرب بسوريا فرضاً بعد سنة، وبالتالي يكونون قد استحصلوا على عقد يُدر الأرباح".

وصحيح أن روسيا عزّزت وجودها العسكري في سوريا، الذي كان قائماً حتى قبل تدخلها المباشر في 30 سبتمبر/أيلول 2015، إلا أنها لم تستطع جني فوائد اقتصادية تذكر، وربما هي الآن تحاول تهيئة الأرضية لتحقيق عوائد تغطي ما تكبدته من نفقات، خاصة أنها تحاول لعب الدور الأكبر في تحديد ملامح أي حل سياسي مقبل للملف السوري.

تنازل سيادي

وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي ورئيس "مجموعة عمل اقتصاد سوريا" أسامة القاضي، في تصريح لموقع TRT عربي، أن "هناك عقوداً موقعة قبل عام 2017 بحق تنقيب روسيا في كل سوريا، وما يحصل حالياً هو استكمال الإجراء والمصادقة على هذه العقود، كون أن النظام السوري تنازل عن حق التنقيب عن النفط والغاز لروسيا، ولم يعد لديه سيادة على الثروات السورية، ولذا من الطبيعي أنه بعد تراكم الديون الروسية على النظام أن يتنازل عن كل شيء للروس كونه مديناً لهم بالبقاء على كرسي الحكم، خاصة أن الأرقام تشير إلى أن التدخل الروسي في سوريا يكلفها 7 ملايين دولار يومياً".

TRT عربي