بعد أن تنادت الأصوات بإعادة تفعيله، يبدو أن حلم الوحدة والاتحاد المغاربي يتبدد مجدداً، بإعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب ومواصلة غلق الحدود بين البلدين، والمستمر منذ عام 1994.

استمراراً لمشاريع الوحدة العربية تأسست فكرة اتحاد المغرب العربي في ثمانينيات القرن الماضي بعد أن حققت البلدان المغاربية الخمسة استقلالها، وبدأت تفكر عملياً في تعزيز وحدتها وتنمية قوة اقتصادها الذي يكمل بعضه البعض.

ولكن هذا الحلم التكاملي بدأ يخفت، بعد أن عصفت به خلافات ومشاكل البلدان المتجاورة، التي حالت دون أن تجتمع على مشروع واحد يعزز من فرص قوتها. وتقف على رأس هذه الخلافات، التوترات الحادة بين الجارتين الجزائر والمغرب، التي أخذت انعطافات كثيرة انتهت بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية وغلق الحدود بين البلدين، في وقت تواجه فيه بقية بلدان المغربي العربي أزمات سياسية واقتصادية عديدة تستدعي تكاتفها.

اتحاد المغرب العربي..الحلم الضائع

يعتبر تأسيس اتحاد المغرب العربي لبنة مبادرات التعاون والتكامل التي أطلقتها البلدان المغربية الخمسة منذ حصولها على الاستقلال.

وتبلورت الفكرة أساساً أثناء عقد مؤتمر مدينة طنجة المغربية في أبريل/نيسان عام 1958 بمشاركة ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية والحزب الدستوري التونسي. واتفق المجتمعون حينها على تكثيف المبادرات التي تعزز قوة البلدان الشقيقة واقتصادها، من ذلك إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964 لتنشيط الروابط الاقتصادية، وإعلان بيان جربة الوحدوي بين تونس وليبيا عام 1974، ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر ومعاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا عام 1983.

لتكلل الجهود أخيراً بالإعلان عن تأسيس الاتحاد المغربي العربي في 17 فبراير/شباط 1989 والذي يضم كلاً من الجزائر، تونس، المغرب، ليبيا وموريتانيا.

وكانت تلك لحظة تاريخية لشعوب البلدان الخمسة التي لطالما كانت تأمل توحد قوة بلدانها، التي تجمعها قواسم مشتركة تاريخية وثقافية ودينية.

وقد نصت معاهدة الاتحاد المغربي على إنشاء هياكل ومؤسسات تشمل جميع الميادين والمجالات، لتحقيق الأهداف الرئيسية التي وجد من أجلها هذا الهيكل. والتي تقوم أساساً على توثيق أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها، وتحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتهم والدفاع عن حقوقها، والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، وانتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجياً على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال في ما بينها.

ورغم هذه الأهداف والقيم التي احتفت بها شعوب الدول الأعضاء وحكوماتها، لم يتمكن الاتحاد من الصمود كثيراً وسرعان ما تحول إلى كيان إداري بروتوكولي، مهدد بالاضمحلال بعد أن تصدع هيكله باشتعال فتيل التوتر بين الجزائر والمغرب على خلفية مشكلة إقليم الصحراء المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء، إضافة إلى تضافر عدة أزمات سياسية أخرى في بقية بلدان المغرب العربي، أدت إلى جمود الاتحاد وإهدار آمال الملايين من المغاربيين بالتوحد.

الجزائر والمغرب.. جفاء وتوتر حدودي

منذ تسعينيات القرن الماضي، تصاعد الخلاف بين المغرب وجارتها الشرقية الجزائر بسبب دعم الاخيرة للبوليساريو الذي يدعو إلى استقلال إقليم الصحراء، فيما نفت الجزائر هذه الادعاءات وأكدت أنها تقوم بمجرد دعم الصحراويين في تقرير مصيرهم، وأن القضية لاتزال محل تباحث في الأمم المتحدة. وبعد أن قررت الأخيرة فرض وقف إطلاق نار، وبدأت الأمور تهدأ تدريجياً، اهتزت المغرب بانفجار بفندق مدينة مراكش عام 1994، اتهمت فيه الاستخبارات المغربية أطرافاً وعناصر جزائرية بالضلوع في هذا الهجوم، وفرضت على إثر ذلك تأشيرة على الجزائريين لدخول المغرب. فردت الجزائر على ذلك بإعلان غلق الحدود.

وعجز اتحاد المغرب العربي منذ ذلك الحين أي منذ عام 1994 عن عقد أي قمة اقتصادية تجمع البلدان الخمسة. ودخل بذلك الاتحاد مرحلة الموت السريري.

واستمرت فترة الجفاء الحدودي بين البلدين الشقيقين طيلة عقود، وعادت الخلافات بينها لتطفو على السطح من جديد عقب تصريحات السفير المغربي في الأمم المتحدة قبل أشهر حول "حق الشعب القبائلي" والتي اعتبرتها الجزائر مسيئة لها وطلبت بشأنها توضيحات من الجانب المغربي. ثم عاد الجدل مجدداً حيال مستقبل العلاقات بين البلدين، بادعاء وسائل إعلامية أجنبية، استخدام المغرب لتقنية اسرائيلية للتجسس على إعلاميين ونشطاء وسياسيين جزائريين، وهو ما دحضته المغرب بدورها.

وبينما وجهت المغرب دعوة للجزائر مؤخراً على لسان العاهل المغربي محمد السادس لكسر جدار العزل الدبلوماسي بينهما، وترميم العلاقات وتعزيز سبل التعاون بين البلدين، اندلعت الحرائق في الغابات الجزائرية، فاتهمت السلطات الجزائرية، دعم المغرب لجماعات وأطراف تقف وراء هذه الحرائق، وتستهدف أمن الجزائر واستقرارها، وذلك رغم ما عرضته المغرب من مساعدة للجزائر لمساعدتها في إخماد الحرائق.

ولم تزد قضية تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل العلاقات مع الجارة الجزائر التي تملك موقفاً جدياً من ذلك، الوضع إلا سوءاً. فتضافرت كل هذه العوامل والأحداث، لتصعد في حدة التوتر أكثر وتعلن الجزائر يوم 24 أغسطس/آب الجاري قطع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب. ليكون ذلك مسماراً آخر يدق في نعش اتحاد المغرب العربي. في الوقت الذي لا تزال بقية البلدان المغربية تواجه أزمات حادة.

تونس، ليبيا وموريتانيا..أزمة سياسية وأمنية

بعد أن شهدت ليبيا انفراجاً سياسياً، منذ مارس/آذار الماضي تولت فيها سلطة انتقالية منتخبة تضم حكومة وحدة ومجلساً رئاسياً مهامها لقيادة البلاد إلى انتخابات برلمانية ورئاسية في ديسمبر/كانون الأول المقبل، لا تزال تواجه خطراً أمنياً يهدد استقرارها. حيث إن الجنرال الانقلابي خليفة حفتر الذي يسيطر بالسلاح على عدة مناطق ومدن ليبية، أعلن أن مليشياته لن تخضع لأي سلطة، مهدداً بإنشاء حكومة موازية وجيش مواز، فيما تناضل الحكومة الانتقالية لتوحيد المؤسسة العسكرية، وتتطلع إلى معاضدة ومساندة حلفائها وفي المقدمة جيرانها لمجابهة المخاطر الأمنية التي تقوض طموح الاستقرار.

وبينما تتنازع الجزائر والمغرب فيما بينها، وترفع ليبيا أعلى درجات الحيطة والحذر مجندة قواها الأمنية والعسكرية، تمر تونس صاحبة التجربة الديمقراطية الناشئة في المنطقة بأحلك محطاتها السياسية.

حيث إنه منذ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد عن تجميد عمل البرلمان وحل الحكومة في 25 يوليو/تموز الماضي، تعيش البلاد حالة فراغ وعطالة سياسية، وتجاذبات حادة بين مؤسسات الحكم الرئيسية، تجعل من البلد الذي كان يمثل قطباً للاستقرار ونموذجاً ديمقراطياً وليداً في المنطقة، مهدداً بالانزلاق نحو الفوضى والصراعات بدل أن يكون جهة دعم لبقية بلدان المغرب العربي في حل مشاكلها العالقة.

أما على الجهة الغربية، للمغرب العربي، ولدت أزمة سياسية جديدة في موريتانيا تنذر ببوادر انقسام وصراع بين الأحزاب المعارضة ومؤسسات الحكم وعلى رأسهم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي تدعوه مكونات من المشهد السياسي إلى التحاور حول المشاكل الجادة بالبلاد أو تقديم استقالته.

وبالتالي، يرى مراقبون أن اتحاد المغرب العربي سيبقى حلماً مؤجلاً، أهدرته الخلافات والتوترات في بلدانه الأعضاء، والانقسامات التي عمّقت الفرقة بينها وبخاصة الانعطافة الخطيرة الأخيرة التي تمر بها الجارتان الجزائر والمغرب.

TRT عربي