على شاكلة القرم.. هل تسعى موسكو إلى ضم بيلاروسيا؟ (Reuters)

تشهد العلاقات بين موسكو ومينسك في الفترة الأخيرة نشاطاً منقطع النظير من أجل تكريس التقارب بينهما. حيث عمدت الحكومتان إلى توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والدفاعية، كما إجراء تدريبات عسكرية واسعة شهر سبتمبر/أيلول الماضي، بل وبلغت حد تطبيع الدبلوماسية البيلاروسية مع احتلال جزيرة القرم. كل هذه التطورات قُرئت من قبل الغرب بعين "الاستفزاز الخطير" الذي يستهدفها.

فيما يأتي هذا التقارب في ظل تفاقم الأزمة بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، عقب توافد موجات ضخمة من المهاجرين على الحدود بينهما، تتهم بروكسل فيها نظام لوكاشينكو بشن "هجوم هجين ضد الأراضي الأوروبية" كما سبق أن وصف الوضع رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، ردت عليه بحزمة عقوبات جديدة.

بالمقابل، يشبِّه محللون جذور ما يحصل في هذه الأثناء على حدود بولندا بما سبق وعاشته القارة سنة 2014 في أوكرانيا، والذي حذَّرت الولايات المتحدة في آخر تطوراته من غزو عسكري روسي مرتقب للبلاد. ملوحين بفرضية "ضمٍ ناعم" لبلاروسيا إلى الأراضي الروسية يدفع به كل من الكرملين ونظام لوكاشينكو.

أكثر من تقارب حلفاء!

في الرابع من نوفمبر/تشرين الجاري، حضر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اجتماعاً افتراضياً للمجلس الأعلى لدولة الاتحاد (بين روسيا وبيلاروسيا) الذي يرأسه ألكسندر لوكاشينكو. وجرى خلاله توقيع الرئيسين مرسوم اندماج الدولتين في دولة اتحادية.

وصرَّح بوتين إثر ذاك بأن "توقيع المرسوم يعد خطوة إلى الأمام تهدف إلى إفادة شعبي البلدين ولا علاقة له بالوضع السياسي الداخلي". كما شدد بوتين على ضرورة تهيئة الأجواء الآمنة والمستقرة عند حدود البلدين مع الدول الأخرى، قائلاً: "نعتزم التصدي معاً لأي محاولات للتدخل في شؤون بلدينا السياديين".

إضافة إلى ذلك اتفق البلدان على دمج سوق الغاز بينهما في سوق موحد وكذا أسواقهما المالية. فيما تأتي هذه الاتفاقات قبيل لقاء آخر جمع وزراء دفاع البلدين، حيث وقعوا كذلك على مراسيم تمديد شروط الاتفاقيات الخاصة بنشر منشأتين عسكريتين روسيتين على أراضي بيلاروسيا. قال فيه وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، بأنه "أكد مرة أخرى وحدة توجهات وزارتي الدفاع في روسيا وبيلاروسيا للتعاون في مجال الدفاع، وتركيزها على حلّ المهامّ العملية لضمان الأمن العسكري لدولة الاتحاد الروسية البيلاروسية".

"مهام عملية لضمان الأمن العسكري" ظهرت فحواها خلال الأزمة الأخيرة بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، حيث أرسلت موسكو قاذفتين استراتيجيتين بقدرات نووية لتنفيذ دورية في المجال الجوي البيلاروسي، في رسالة تحذير إلى دول الاتحاد الأوروبي المجتمعين لتدارس عقوبات جديدة على مينسك.

قبل ذاك، في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، كان 200 ألف عنصر من القوات الروسية والبيلاروسية قد نفذوا المناورات العسكرية الواسعة "غرب 2021" قرب حدود هذه الأخيرة مع بولندا وأوكرانيا. في خطوة نُظر إليها أوروبياً على أنها استفزاز خطير للاتحاد. وقتها تحدَّث لوكاشينكو عن "استعداد روسيا وبيلاروسيا لمواجهة أي تهديد غربي" كما كشف عن شحنة أسلحة جديدة بقيمة مليار دولار ستوردها موسكو إلى مينسك، ضمنها طائرات مقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي الروسية المتطورة S-400.

هذا ويحمل البلدان مشروع الاتحاد بينهما الذي وقعا اتفاقيته سنة 1999، لكنه ظل معلقاً لما وصفه لوكاشينكو بنفسه وقتها أن "روسيا تسعى إلى دفعه إلى التخلي عن استقلال بلاده". يقول محللون إن العزلة التي تعيشها مينسك، منذ الأحداث التي تلت إعادة انتخاب رئيسها لولاية سادسة صيف 2020، ما دفعه في الآونة الأخيرة إلى القبول بالأمر الواقع والتقرب أكثر من بوتين.

هل يبيع لوكاشينكو بلاده إلى بوتين؟

إلى جانب آخر من التقارب، وبشكل مفاجئ تحدَّث وزير الخارجية البيلاروسي، فلادمير ماكي، عن أن مينسك تعتبر "شبه جزيرة القرم أرضاً روسية". في اعتراف بالتطبيع مع الأمر يأتي لأول مرة على لسان الخارجية البيلاروسية، بعد أن سبق وعلق رئيس البلاد بأنه "مستعد للاعتراف بالقرم كأراضٍ روسية". ما يرى فيه معارضون ليس فقط اعترافاً سياسياً بل تطبيعاً مع مبدأ التوسع الذي تنهجه موسكو.

في حديثه إلى TRT عربي صرَّح متحدث باسم مشروع "أصوات من بيلاروسيا" المعارض، بافل ميهيكين، بأن "لوكاشينكو على استيعاب جيد بأنه في وضعية لا يحسد عليها، لذلك يحاول الآن بيع بيلاروسيا لبوتين في سبيل حفاظه على بعض من السلطة". مؤكداً انطلاق العمل على ذلك عبر "توقيع 28 اتفاقية جرى التعتيم على محتواها، لكننا نفترض بأنها تضمن خارطة طريق لتوحيد نظام الضريبي والعملة بين البلدين".

في هذا الصدد، نشرت مؤسسة "المجلس الأطلسي" الأمريكية البحثية، سابقاً شهر مارس/آذار الماضي، تحذيراً بأن موسكو تسعى إلى "ضمّ ناعم" لبيلاروسيا إلى أراضيها. وقالت المؤسسة بأنه رغم نفي الخارجية الروسية الأمر فإن روسيا بدأت بالاستحواذ الكامل على الاقتصاد البيلاروسي، في عملية يديرها سفيرها الجديد لدى مينسك، يفغيني لوكيانوف، الذي كان يشغل منصب ضابط سابق في الـ"كي جي بي". بالمقابل يعتمد الاقتصاد البيلاروسي بدرجة أولى على مداخيل الصادرات من المواد النفطية والأسمدة، هذان القطاعان كلاهما تطبق عليه الشركات الروسية يدها بالكامل.

بالإضافة إلى ذلك، حسب "المجلس الأطلسي"، يجري تدعيم وجود القوات الروسية على الأراضي البيلاروسية عبر توقيع اتفاقيات للشراكة الدفاعية ومشاريع تشييد ثلاث قواعد ضخمة للجيش الروسي هناك. فيما الخطوة الأخيرة هي تحكم الكرملين الشامل بنظام لوكاشينكو، عبر ضغط بوتين المتواصل عليه من أجل إجراء تعديلات دستورية تسمح بصلاحيات أوسع للبرلمان، ربما تمهيداً لكي يصوت ذلك البرلمان في المستقبل على ضم البلاد إلى الأراضي الروسية.

من جانبه يضيف بافل ميهيكين بأنه "بعد العزلة الدولية والعقوبات الأوروبية وجد لوكاشينكو نفسه في مأزق، وبالتالي لم يبقَ له سوى خيارين: أن يستقيل أو يبيع البلاد إلى بوتين. وفيما يبدو أن الاستقالة ليست خياراً مطروحاً لديه". مشدداً على أن "الأغلبية الساحقة من البيلاروسيين لا يوافقون على سياسات النظام الحاكم، ويعارضون أي ضم من بلادهم إلى الأراضي الروسية ويرون في ذلك تهديداً لاستقرارهم".

TRT عربي