أثار إعلان الحوثيين أمس الأول السبت عن حصيلة عملياتهم العسكرية التي وصفوها بالنوعية في محور نجران والتي استمرت عدة أشهر، اهتمام المتابعين لمجريات الأحداث في اليمن، وأكثر ما لفت انتباه هؤلاء المتابعين الأرقام الصادمة التي أعلنها الحوثيون.

أعلن المتحدث باسم قوات الحوثي العميد يحيى سريع، عن أسر 3 ألوية وفصيل عسكري يضمّ مئات من الجنود والضباط السعوديين.

ليس فيما أعلن عنه الحوثيون مبالغة إلا في طريقة الإعلان وتعمُّد إظهار العمليات العسكرية كأنها دارت في الطرف الآخر من الحدود مع السعودية، وبالتحديد في منطقة نجران المتاخمة لمحافظة صعدة اليمنية والتي وقعت فيها العمليات العسكرية بالفعل.

فالمعلومات المؤكَّدة تشير إلى أن العملية النوعية الكبيرة التي أعلن عنها الحوثيون وانتهت إلى أسر نحو ألفَي مقاتل من "لواء الفتح"، دارت في وادي آل جبارة من أعمال مديرية كتاف بوسط محافظة صعدة.

وتعود هذه العملية إلى يوم 27 أغسطس/آب الماضي، ونجح الحوثيون خلالها في استعادة أجزاء من الوادي كانت القوات المدعومة من السعودية تمكنت من السيطرة على معظمها إثر معارك تَدخَّل خلالها الطيران والأسلحة السعودية الحديثة.

ومنذ أكثر من شهر أبقى الحوثيون على المعلومات المتعلقة بهذه العملية طي الكتمان، لدوافع من بينها إنهاء تأمين الأسرى وفحص هوياتهم، وإعادة توظيف عملية كبيرة كهذه في سياق المواجهة النوعية مع السعودية التي يهدف من خلالها الحوثيون إلى استنزاف معنويات المملكة، وإظهارها عاجزةً عن التصرف في مختلف مسارات المواجهة العسكرية الشاملة في اليمن.

وثمة حاجة مُلحة إلى الإضاءة على المعارك التي تخوضها قوات يمنية على الحدود المشتركة مع السعودية، إذ تتجلى حقيقة مُرة للغاية مفادها أن هذه القوات ومن ضمنها لواء الفتح الذي وقع في الأسر، ليست حكومية ولا تعمل ضمن وزارة الدفاع اليمنية ولا تأتي ضمن أي مستوى من مستويات التنسيق مع الحكومة، بقدر ما تأتي في سياق مختلف تماماً يعتمد على نهج سعودي فضَّلَ، على ما يبدو، الاعتماد على قوات تبيع جهدها مقابل المال لينتهي دورها إما بالموت أو الإصابة أو بالتسريح المهين الذي لا يتوازى مع أي نوع من أنواع المكافآت المفترضة والتي يتقاضاها مرتزقة الحروب عادة.

دأب الجيش السعودي منذ نحو سنتين على تبني وتنفيذ استراتيجية عسكرية دفاعية وهجومية في آن معاً هدفت إلى وقف الهجمات الحوثية على الحد الجنوبي للمملكة، ونقل المعركة إلى عمق الأراضي التي تقع تحت سيطرة الحوثيين أنفسهم.

هذه الاستراتيجية نجحت، إلى حد ما، في دفع الحوثيين عشرات الكيلو مترات في عمق محافظة صعدة التي تمثل معقلهم الرئيس، معتمدة بشكل أساسي على قوات يمنية غير نظامية يتم استجلابها من محافظات يمنية عدة وبالأخص من محافظتي تعز وإب، وعبر مقاولين يحصلون على مبالغ محددة عن الأفراد الذين يأتون بهم للالتحاق بمعسكرات سعودية لتلقي تدريبات غير مكثفة قبل الدفع بهم لقتال الحوثيين، فيما يتولى الطيران والمدفعية السعوديان التغطية على تحرك هذه القوات.

هذه القوات التي تعمل تحت إشراف سعودي، كانت هدفاً لدعوة وجهها رئيس المجلس الأعلى للمقاومة في اليمن الشيخ حمود المخلافي أواخر شهر أغسطس/ آب المنصرم، إلى مغادرة الجبهات والتوجه إلى محافظة مأرب، وذلك بعد أيام قليلة من وقوع قوات لواء الفتح في أسر الحوثيين، نتيجة عملية التفافية على هذه القوات، وعلى خلفية الأزمة الحادة التي نشبت بين الحكومة الشرعية والتحالف، بعد أن قصف الطيران الإماراتي في 29 أغسطس/آب المئات من القوات اليمنية على مشارف عدن وفي محافظة أبين أثناء تقدم هذه القوات باتجاه مدينة عدن.

وكان الشيخ المخلافي يهدف من وراء دعوة كهذه إلى تحقيق هدفين أساسيين في اعتقادي وهما: ربط هذه القوات المنفلتة بكشوفات وزارة الدفاع، والاستفادة من خبراتها الميدانية التي تكونت خلال الأشهر الماضية في خوض عمليات ذات أولوية لفرض القانون في المناطق التي سلمها التحالف لميلشيات المجلس الانتقالي الجنوبي إثر انقلاب العاشر من أغسطس/آب الماضي ضد الشرعية والذي انتهى بخروج الشرعية بشكل كامل من مدينة عدن.

حتى هذه اللحظة ستمثل الأرقام المعلنة من جانب الحوثيين مصدراً يمكن الاعتماد عليه في تقدير عدد القوات من الجنسية اليمنية التي أوقعها الحوثيون في الأسر، ولا يبدو أنهم يبالغون أيضاً بالحديث عن وجود أسرى من الجنود السعوديين الذين ربما كانت مهمتهم تشغيل الأسلحة التي لا يرغب الجيش السعودي بوجودها في أيدٍ يمنية، لكن ليس بالعدد المعلن، ولا أعتقد أنهم سيتورطون في الإعلان عن أرقام محددة إلا إذا كانت هذه الأعداد بحوزتهم بالفعل.

قد يكون الحوثيون بحاجة ماسة إلى إبقاء صورتهم على ما هي عليه من القوة والقدرة على توجيه الضربات المؤلمة للسعودية، والتي أخذت خلال أكثر من سنة ماضية شكل هجمات دقيقة ونوعية على أهداف استراتيجية وحيوية في العمق السعودي، قبل أن تتكشف حقائق صادمة عن تورط إيران وقوات تابعة لها في العراق في الضلوع بتنفيذ هذه الهجمات باسم الحوثيين.

لقد فقد الحوثيون مصداقيتهم باستمرار الادعاء بأنهم من يقف وراء الهجمات على ينبع وحقل شيبة وخط نقل النفط شرق-غرب، وأخيراً منشآت أرامكو العملاقة في كل من بقيق وهجرة خريص.

ليس مستبعداً أن يكون من بين بواعث إعلان الحوثيين عن وقف هجماتهم على العمق السعودي هو عدم قدرتهم على تكرار الهجمات؛ لأن إيران ليست مستعدة لمواجهة المجتمع الدولي بهجمات جديدة وخطيرة كالتي تعرضت لها منشآت أرامكو.

فقد قوبلت مبادرة الحوثيين بالتجاهل الكامل من جانب السعودية التي كثفت من قصفها على قواتهم في عدة محافظات، فيما لم يرد الحوثيون على هذا القصف.

لذا يجد الحوثيون في واقعة أسر الآلاف من المقاتلين في مديرية كتاف بصعدة مخرجاً مناسباً للإبقاء على صورتهم في ذهنية أنصارهم وفي المشهد الإعلامي الدولي، كقوة ضاربة وقادرة على الاستمرار في تنفيذ العمليات النوعية في إطار توازن الردع من المملكة العربية السعودية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي